رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أسرار صناعة الفوضى.. هل يشوّه «هجمة مرتدة» 25 يناير؟

أسرار صناعة الفوضى
أسرار صناعة الفوضى

أثار مسلسل «هجمة مرتدة» حالة من الجدل والنقاش على صفحات السوشيال ميديا.. حيث قال البعض إنه تعمد تشويه المشاركين فى أحداث يناير ٢٠١١، فى حين رأى آخرون أن المسلسل يقوم بالتأريخ لما حدث فى مصر بعد عام ٢٠٠٥، ويؤرخ لحقائق ثابتة فى الملفات، ويستند أيضًا لكتابات تاريخية وسياسية فسرت ما حدث فى ثورات الربيع العربى، فضلًا عن أنه لم يتناول بالإدانة بعض حركات الاحتجاج المصرية التى لم تكن لها علاقات بقوى أجنبية، وهو ما يعنى أن المقصود ليس تشويه «ثورة» يناير، بل ذكر بعض الحقائق التاريخية المثبتة حول سير الأحداث.

استعرض المسلسل فى أحداثه المبنية على وقائع حقيقية كواليس ما جرى على أرض الواقع لتنفيذ خطة اختطاف مصر، ويقظة أجهزة الأمن المصرية ورجال الظل فى مواجهة المؤامرات التى استهدفت الوطن، مع ذكر عدد من خيوط تنفيذ المخطط، وعلى رأسها استخدام المنصات الإعلامية والحقوقية ومنظمات الإغاثة الإنسانية فى أعمال تجسسية واستخباراتية لنشر الفوضى، وممارسة بعض المنصات الإعلامية والمنظمات الحقوقية والمدنية أعمالًا تجسسية واستخباراتية بهدف إثارة الرأى العام وتوجيهه نحو «الفوضى الخلاقة».

هذه الأحداث كانت قد كشفت جزءًا منها عدة كتب وإصدارات متميزة صدرت على مدار السنوات الماضية، فقد أشار الكاتب نشأت الديهى، فى كتابه «تركيا.. القمع المتوضئ»، إلى الدور الذى لعبته قناة «الجزيرة» وغيرها، وعدد من المنظمات المدنية فى إثارة الفوضى وزعزعة الأمن فى دول المنطقة.

وقال، فى كتابه الصادر فى عام ٢٠١٤: «هناك دور مهم للإعلام عمومًا غير الإعلام، فهناك الدور السياسى، وهناك الدور المخابراتى، ولكن الجديد أنه لا شىء جديدًا على الإطلاق، فما قامت به أمريكا فى يوغوسلافيا يتكرر الآن فى مصر، ولكن ليس بيد الأمريكان، وإنما بأيدى وكلاء أمريكا الحصريين فى المنطقة (تركيا) و(قطر)».

وأضاف: «تابعنا وشاهدنا كيف يتحول الإعلامى إلى رجل مخابرات، وكيف تتحول القناة التليفزيونية إلى دائرة استخباراتية».

وتضمن الكتاب نص وثيقة مخابراتية صادرة عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سى آى إيه»، بتاريخ ١٦ ديسمبر ١٩٩٨، حملت آليات نشر الفوضى فى منطقة البلقان، وهو ما تشابه بشكل كبير مع السيناريو الذى حدث فى مصر والمنطقة بعدها بنحو ١٠ سنوات.

وقالت الوثيقة التى نقلها «الديهى»: «يتوجب على حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أن تزيد من دعمها الديمقراطية فى يوغوسلافيا، من المستوى الحالى البالغ ١٥ مليون دولار إلى ٣٥ مليون دولار فى السنة المالية الحالية، وهذا الدعم يجب أن يصبح جزءًا من مبادرة دبلوماسية واسعة تهدف لتوسيع نطاق الاتصالات التى يقوم بها الغرب، ولتطوير بدائل للنظام المتسلط فى بلجراد».

وأضافت: «يتوجب أيضًا تشجيع المنظمات غير الحكومية الأمريكية والأوروبية على زيادة حضورها فى جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية، وعلى الحكومة الأمريكية أن تشجع مواطنى جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية على المشاركة المتزايدة فى البرامج الإقليمية، ويجب أن تركز بشكل أساسى هنا على تنمية جيل جديد من القادة الذين يحترمون التعددية السياسية وتحرير الاقتصاد وحكم القانون والتسامح، وهذا الجهد يجب أن يتضمن موقفًا نشطًا من النظام المتسلط الحالى».

وتابعت: «أولًا، يجب التركيز على المؤسسات الديمقراطية والإعلام المفتوح، ويخصص له ١٠ ملايين دولار، وتقديم النصح والإرشاد التقنى والثقافة المهنية وتمويل الدفاع القانونى وصناديق الدفاع عن النفس لوسائل الإعلام والصحفيين المضطهدين، وإذاعة وتعميم أخبار حالات القمع، ودعم المنظمات غير الحكومية المحلية، ويخصص لها ٥ ملايين دولار، بهدف التجاوب مع الاحتياجات المحلية لتدريب المنظمات غير الحكومية، وتمويل شبكات بلقانية إقليمية للمؤسسات البحثية والمنظمات الإعلامية».

واستطردت: «يجب تشكيل فرق قانونية مستعدة وقادرة على أن تدافع عن المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام التى يتم تحديها فى محكمة، وزرع منظمات غير حكومية متعددة الإثنيات للتركيز على القضايا التى تتجاوز أى إثنية بمفردها، مثل حقوق الإنسان والبيئة والتنمية الاقتصادية، مع الترويج لتكتلات بين المنظمات غير الحكومية للدفاع عن النفس ضد القمع، ومن أجل الاضطلاع بنشاط انتخابى ملائم، ومن أجل التطوير المهنى للمحامين والصحفيين والمعلمين والأكاديميين».

وأشارت الوثيقة إلى وجوب دعم نشاط النقابات العمالية وإنشاء شبكات تعليم بديلة تركز على «التثقيف بالديمقراطية»، مع تقديم الإعانات للأساتذة الجامعيين الذين يفصلون أو يرفضون توقيع عقود جديدة، وكذلك تدريب القضاة على الإجراءات القانونية المتوافقة مع المقاييس الدولية، وتقديم الإعانات للقضاة الذين يفصلون من عملهم أو يتعرضون لضغوط سياسية، بالإضافة إلى دعم برنامج رقابة مشترك، محليًا ودوليًا، للمحاكمات.

ولم تنسَ الوثيقة الإشارة إلى ضرورة توسيع التدريب فى الأحزاب السياسية على استقطاب قواعد جماهيرية، والترويج لبناء جبهة معارضة سياسية موحدة، وتشجيع تكتلات الأحزاب السياسية مع المنظمات غير الحكومية من أجل القيام بمهمات موازية غير حزبية، بالإضافة إلى تطوير كوادر الصف الثانى من القيادة الحزبية من الأقاليم، وعلى مستوى البلديات، ومن القطاعات التى لم تكن تنشط سابقًا، ونشاط الأجيال اللاحقة.

وركزت الوثيقة الاستخباراتية على دعم المنظمات الشبابية فى البلقان بمليونى دولار بهدف الترويج لمنظمات طلابية ديمقراطية، وتمويل سفر القيادات الطلابية إلى الخارج، وتقديم الإعانات للبرامج الدراسية والتدريبية فى أوروبا والولايات المتحدة، وتأسيس مجموعات دعم دولية من خلال عقد لقاءات لمجموعة متبرعين دولية يمكن أن تلتقى دوريًا لبحث الأولويات.

وخلص الكتاب إلى أن كل هذه الآليات استهدفت تفتيت دول البلقان، وأنها أسست لسيناريو الثورات الملونة، الذى تكرر فى المنطقة تحت مسمى «الربيع العربى». 

وعن تحول منظمات الإغاثة الدولية لفروع من أجهزة المخابرات، تناول مسلسل «هجمة مرتدة» شخصية «مانويلا»، العاملة فى إحدى منظمات الإغاثة الدولية، التى مارست أعمالًا تجسسية تحت غطاء عملها الإنسانى، كما تناول تجنيد أحد ضباط الموساد الإسرائيلى للعميل «سيف العربى» لجمع معلومات استخباراتية تحت غطاء العمل بإحدى هذه المنظمات. 

وفى كتابه «اليوم نرمى القنابل وغدًا نبنى الجسور»، تتبع الصحفى الإنجليزى «بيتر جيل» فى رحلة كتابه الاستقصائية عمل بعض وكالات الإغاثة والمساعدات الإنسانية الدولية، الحكومية وغير الحكومية، ودور برنامج الغذاء العالمى فى تدشين المجاعة التى ألمّت بدولة الصومال فى عام ٢٠١١، مع تقديم المسئولين عن البرنامج الدعم اللوجستى للمنظمات الإرهابية، وعلى رأسها حركة «الشباب» وتنظيم «القاعدة»، الناشطان فى الصومال.

وقال «جيل» فى كتابه: «الغذاء هو العملة فى الصومال، وفى عام ٢٠١٠ أكدت الأمم المتحدة أن سلسلة التوريد فى البلاد، التى يديرها برنامج الأغذية العالمى، كانت تخضع للفساد والانحراف، حيث ذهبت المواد الغذائية والمساعدات إلى (الجهاديين)، بالإضافة إلى ذلك كانت المساعدات الغذائية تخضع للضريبة عند نقاط التفتيش على الطريق، وكانت أموال هذه الضرائب تذهب لحركة (الشباب) وتنظيم (القاعدة)». 

وأضاف: «كانت المساعدات فى مقابل جمع المعلومات الاستخباراتية فضيحة أخرى تضاف لملف التجاوزات والجرائم التى تقترفها المنظمات الإغاثية الإنسانية، فى المناطق التى تعمل بها، ومن ضمنها أفغانستان».

وعرض «جيل» أحد تقارير «البنتاجون» والمخابرات المركزية الأمريكية عن مخطط توزيع عدد من «البطانيات» لذوى الاحتياجات الخاصة، بعد طبع أرقام هواتف عليها يتصل بها السكان المحليون إن كانت لديهم معلومات عن تنظيم «القاعدة».

وأوضح الكاتب أن ذلك وضع الأهالى الذين تلقوا البطانيات فى خطر، خاصة بعدما نقلت إحدى الصحف عن مسئول فى فريق الإعمار قوله: «كلما ساعدونا فى العثور على الأشرار سنقدم لهم مزيدًا من الأشياء الجيدة».

وعن الدور الإسرائيلى فى مخطط تقسيم المنطقة العربية، الذى أشار إليه مسلسل «هجمة مرتدة» باعتباره «جهازًا أمنيًا تابعًا لدولة معادية»، فإن كتاب «يوميات كاتب فى قلب الربيع الليبى»، للمؤلف الفرنسى برنار هنرى ليفى، الذى لا يُخفى ولاءه لإسرائيل، يكشف عن دوره وعن دور الأجهزة الإسرائيلية فى تنفيذ مخطط «الربيع العربى»، خاصة أن المؤلف كان يفخر بصوره التى التقطها فى جميع ميادين الثورات العربية.

وفى كتابه، لم يخفِ برنار ليفى حقيقة أن الثورات فى المنطقة العربية ستسقط المنطقة فى براثن الإرهاب، حتى إنه كتب عن ذلك: «طبعًا هناك مخاطر، مخاطر مجهولة بالتأكيد، لكن هل يمكن بهذه الذريعة أن نحكم على شعب بأن يرزح تحت نير الاستبداد؟ هل يمكننا بسبب أنه قد يمر بخانة الإرهاب أن نجمده فى نظامه القديم؟».

كما أشار مسلسل «هجمة مرتدة» إلى تنبه جهاز المخابرات العامة المصرية مبكرًا إلى مخطط تنفيذ مشروع غزة الكبرى، وكشف، فى الحلقة الــ٢٦، فى حوار بين بطل المسلسل «سيف العربى» وشقيقه الطبيب، عن ظهور أعداد من الفلسطينيين فى سيناء واختبائهم فى أماكن بعيدة عن أنظار الأهالى، دون التفكير فى العودة إلى القطاع.

وحول هذا المخطط، أشار العميد خالد عكاشة، مدير المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، فى كتابه «سيناء أرض المقدس والمحرم»، إلى الوثيقة رقم ٣٨ من خطة المشروع الصهيونى، المعروف باسم «إيجور أيلاند»، والمعنونة باسم «البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين».

وقالت الوثيقة: «إن مشروع الدولة الفلسطينية، كما هو مطروح فى حل الدولتين الذى خدعنا به الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش قبل غزو العراق، وهلل له بعض المحللين فى المنطقة- أصبح الآن غير قابل للحياة، ومن الضرورى، حسب «أيلاند»، البحث عن بدائل أخرى».

وطرحت الوثيقة بديلين خطيرين، هما أن تتخلى إسرائيل عن معظم الأراضى التى تسيطر عليها حاليًا فى الضفة الغربية لإقامة دولة فلسطينية تنضم فى اتحاد كونفيدرالى مع الأردن، وأن تطرح تبادلًا للأراضى يشمل دول مصر وإسرائيل والأردن والفلسطينيين.

وزعم «أيلاند»، كما توضح الوثائق المنشورة فى الكتاب، أن إسرائيل نجحت بجهود سرية فى إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط على العرب للاشتراك فى حل إقليمى للصراع الفلسطينى- الإسرائيلى، يقوم على استمرار سيطرة إسرائيل على مساحات ضخمة من الضفة الغربية مقابل تعويض الفلسطينيين بمساحات ضخمة من شبه جزيرة سيناء لإنشاء دولة فلسطينية مستقرة وقادرة على النمو والمنافسة.

وكان أخطر ما كشفه «أيلاند» هو أن عملية الانسحاب الأحادى الجانب من غزة فى عام ٢٠٠٥ كانت الخطوة الأولى فى هذا الاتجاه، وهو ما رفضته مصر ولا تزال.