الأربعاء 23 يونيو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

فى ذكرى رسامة بطريرك جليل

عندما يحل علينا شهر مايو- من كل عام- نتذكر أمجاد الكنيسة القبطية الرائعة المذّخرة فى آبائها العظماء. ففى 8 مايو نحتفل بذكرى أستشهاد القديس مرقس فى شوارع الإسكندرية، وفى 15 مايو نحتفل بذكرى نياحة (رحيل) البطريرك الرسولى حامى الإيمان القديس أثناسيوس البطريرك العشرون، وفى 10 مايو نحتفل بذكرى جلوس أيقونة المصريين المقدسة البابا كيرلس السادس البطريرك 116، على كرسى القديس مرقس- كرسى الإسكندرية- طبقًا للتقاليد العريقة للكنيسة القبطية، والذى كان بحق خليفة للقديس مرقس وأكمل رسالته على أرض مصر، كما أنه حمل فى شخصه روح كل آباء الكنيسة العظماء، ومن هنا أضاءت الكنيسة بتعاليم الآباء الأولين. كرز القديس مرقس بكرازة الأنجيل (أى البشارة المفرحة)، كما كان القديس أثناسيوس- بحق حاميًا للإيمان، وكان البابا كيرلس السادس رجل الصلاة الذى علم شعبه الانخراط فى الصلاة الصادقة بعيدًا عن أعمال السياسة الخادعة. لقد حمل فى شخصه روح آباء الرهبنة العظماء، وجهاد القديسون الأمناء، وفقر الذى جاهدوا الجهاد الحسنة دون أن يكون لهم أى رصيد فى البنوك بقدر ما كان لهم رصيد فى السماء. من هنا فرح الشعب بأبيهم البار الذى صار لهم قدوة فى كل شيء: أحتضن الضعيف، وقوّم أرجل المخطئ، وسد عوز الفقير، وأضاء بوجهه أوجه الذين تلطخوا بطين الحياة!!  
وتمر الأيام ويشاء الله أن يختار الراهب المتوحد مينا البراموسى ليجلس على الكرسى المرقسى فى 10 مايو 1959 فكان يوم ذو رنين خاص، فقد أُذيعت صلوات السيامة من محطات الإذاعة مباشرة أثناء تأديتها (لم يكن التليفزيون قد أُدخل بعد فى مصر). لقد كانت سيامته حدثًا جليلًا تهلل له قلوب المصريين إذ كانت رسامة قانونية بعد العديد من المخالفات التى حدثت منذ ديسمبر 1928 عند تنصيب البابا يؤانس 19 البطريرك 113. وحين علم الشعب كله بأن البابا الجديد اسمه "كيرلس" كتب عباس محمود العقاد مقالًا فى جريدة الأهرام، قال فيه: (إن اسم كيرلس ذو رنين خاص فى تاريخ الكنيسة القبطية: فـ"كيرلس الأول" عامود الدين، والثانى مشرّع حكيم، والثالث مُرشد يقظ، والرابع أبو الإصلاح، والخامس زعيم روحى قومى من الطراز الممتاز). بدأ عمله البابوى بإعادة إحياء مدينة القديس مينا الأثرية بمريوط والتى يعود تاريخها إلى القرن الرابع الميلادى والتى كانت- حتى القرن التاسع الميلادى- محجًا مسيحيًا عالميًا، فكشف بذلك عن صفحة مجيدة فى تاريخ كنيسة الإسكندرية تؤيدها الآثار، فبادر بوضع حجر أساس دير مارمينا بمنطقة مريوط فى 27 نوفمبر 1959- وقد حضر كاتب هذا المقال تلك المناسبة التاريخية وهو يبلغ من العمر 9 سنوات- وأسند البابا كيرلس السادس إلى خبير رسم الخط الهيروغليفى والرسم الفرعونى بالمتحف اليونانى الرومانى بالإسكندرية الأستاذ بديع عبدالملك (1908 – 1979) مسئولية كتابة اللوحة التذكارية لحجر أساس الدير باللغة العربية وأيضًا كتابة اسم القديس "مينا" باللغة القبطية على المنارة الشاهقة التى تعلو كنيسة الدير الحديث، والتى ما زالت قائمة بشموخ تشهد على روعة الإبداع فى الكتابة وحُسن التنسيق. وعندما أيقن أن كنائس إفريقيا ستتلفت نحو كنيسة الإسكندرية بدأ بإنشاء كاتدرائية كبرى تتفق ومركز مصر المرموق فى العصر الحديث، وحضر حفل وضع حجر أساسها الرئيس جمال عبدالناصر فى يوم السبت 24 يوليو 1965، ثم فى يوم الثلاثاء 25 يونيو 1968 قام الرئيس جمال عبدالناصر بافتتاحها مع الإمبراطور هيلاسلاسى فى حضور بطاركة وجميع ممثلى العالم فى مشهد رائع يليق بمكانة مصر ومكانة كنيسة الإسكندرية بين بقية كنائس العالم. 
البابا كيرلس السادس البطريرك 116 هو أول بطريرك قبطى منذ عام 1928 يتم إقامته طبقًا للقوانين الكنسية السليمة، والتى استقرت فى الكنيسة منذ القرن الرابع الميلادى- مع قرارات مجمع نيقية المسكونى عام 325م- إذ أن قائمقام البطريرك فى ذلك الوقت (عام 1959)- وهو الأنبا أثناسيوس مطران كرسى بنى سويف والبهنسا- كان مدققًا فى الالتزام بقوانين الكنيسة وكان حازمًا وكان واعيًا. فحل السلام والاستقرار على الكنيسة والوطن أيضًا. البابا كيرلس كان كل همه هو تحصين شعبه بالصلاة بعيدًا عن الفلسفات الهدامة، وأن يوطد العلاقة بين أبناء الشعب الواحد، فكم كانت هناك علاقات متميزة بينه وبين جميع رجال الطوائف المسيحية الأخرى ورجال الدين الإسلامى. فكانت حياة التقوى حقيقية وكانت المحبة سائدة بين جميع المصريين. كان البابا كيرلس السادس يتميز بالتواضع الشديد فى مأكله وملبسه وتعاملاته مع أولاده. كنا نراه بملابس بسيطة جدًا خالية من الزخارف والبهرجة دليل على صدق حياته الرهبانية، كما كان مأكله بسيطًا جدًا وكثيرًا من الأحيان كان يُرسل طعام إفطاره إلى مرتل الكنيسة الضرير الذى كان يحضر مبكرًا فى الرابعة صباحًا لأداء الصلوات مع البطريرك الجليل. كان البابا كيرلس السادس يحرص أن يقيم الصلوات اليومية فى الخامسة صباحًا ثم فى الخامسة مساءً، كان دائمًا يردد علي مسامعنا عبارته الشيقة "دارى على شمعتك تنور"، فكثير من الأعمال العظيمة التى قام بها كانت فى الخفاء. ربطته بالرئيس عبدالناصر علاقة محبة شديدة وحقيقية، كما كان يعتز جدًا بالدكتور كمال رمزى أستينو- أشهر وزير تموين عرفته مصر- والذى كان شاهدًا على القرعة الهيكلية الحقيقية فى أبريل 1959- بدون تزوير- التى أتت بالراهب مينا البراموسى المتوحد. كما أنه عاش قريبًا جدًا من فقراء مصر بل وأكاد أقول إنه عاش بينهم، فكان يوزع عليهم طعامه اليومى، وكان طعامًا بسيطًا للغاية. حدث أنه بعد عام من سيامة البابا كيرلس السادس- سجل د. كمال رمزى استينو حوارًا بجريدة "مصر" بعدد الثلاثاء 10 مايو 1960- حيث قال: (ها نحن اليوم نحصد ما زرعناه. رئاسة مُصلحة، اختارتها عناية السماء، وانعقدت عليها إرادة الأقباط قاطبة، واجتمعت حولها قلوبهم إكليروسًا وشعبًا. رئاسة تجمع بين الوقار والقداسة، وبذلك قامت بدورها التاريخى فى شحذ الهمم وتصفية النفوس وأعادت للحركة الاصلاحية سيرتها من العمل لمجد الوطن وخدمة الأقباط فى أمانة كاملة واستقامة تامة. وها نحن نلمس أثرها فى حل المشكلة الإثيوبية وإيجاد مجتمع قبطى يقوم على أسس روحية سليمة ورعاية مُنزهة عن الأغرض والأهواء إلى جانب العناية بالأديرة والأكليروس). وأعتقد أنه لو كان البابا كيرلس السادس موجودًا بيننا فى هذه الأيام ما كانت تحدث أي مشكلة أو خلافات مع إخوتنا الإثيوبيين. ولكن!! عاش البابا كيرلس السادس حياته مسنودًا بنعمة الله. فى 9 مارس 1971 رحل البابا العظيم، وكان الوداع أسطوريًا من الأقباط والمسلمين والمسئولين. وتشهد جريدة "الأهرام" أنه يوميًا كانت الجريدة تفتح صفحات تعازى فى البابا استمرت أربعين يومًا حتى أن كثيرًا من مدارس القطر قدمت تعازيها. إنه بالحقيقة صفحة مشرقة من تاريخ الوطن والكنيسة أيضًا. إن سجله الرائع نقدمه لأبناء مصر فى ذكرى سيامته العطرة، وفاءً لصاحب الذكرى وتكريمًا لصفحة ناصعة من تاريخ مصر.