الثلاثاء 22 يونيو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أ.د الهلالى الشربينى الهلالى يكتب: تمكين المرأة المصرية.. مدخل لتحقيق التنمية المستدامة

لقد أثبتت المرأة المصرية على مدار التاريخ أنها شريك أساسي في معادلة الوطن وجميع معاركه وتحدياته؛ من منطلق أنها تمثل نحو 48.8% من تعداد السكان، أي ما يقرب من نصف المجتمع الذى يعد الركن الحصين فى كل البيوت المصرية، وتعد قضية تمكين المرأة من الأمور المهمة في تحقيق التنمية المستدامة، نظرًا للدور الجوهري التي تقوم به إلى جانب الرجل في صنع القرارات واتخاذها على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد بدأت هذه القضية تطفو على السطح في العالم وتحتل أهمية بارزة فى منتصف سبعينيات القرن الماضى بعد أن أثبتت التجارب أن تهميش المرأة يمثل هدرًا للطاقات وعرقلة لسياسات التنمية المستدامة، ومن ثم عقدت الأمم المتحدة مؤتمر المرأة الأول فى عام 1975 بالمكسيك تحت شعار (مساواة - تنمية – سلام). 

ويعد التمكين من المفاهيم الحديثة التى انتشرت مع نهاية تسعينيات القرن الماضى وأصبحت أكثر تداولاً واستخدامًا في سياسات وبرامج معظم المنظمات غير الحكومية الأكثر اهتمامًا بحقوق المرأة باعتبارها عنصرًا من الممكن توظيفه وتفعيله في عمليات التنمية المستدامة، ويعد هذا المفهوم من المفاهيم المركبة التى يمكن النظر إليها من زوايا متعددة نظرًا لتعدد أبعادها وكثرة المفاهيم المرتبطة بها، الأمر الذي يجعل من الصعب الاتفاق على تعريف محدد وموحد لأي منها.

وفى هذا السياق يرتبط مفهوم تمكين المرأة بمفاهيم أخرى مثل زيادة الوعي، والقوة، والنفوذ؛ بمعنى زيادة وعيها وتنمية قدراتها فى الحصول على الموارد وإدارتها واتخاذ القرارات الواعية بشأنها في إطار فهمها للمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، وكذا زيادة قوتها ونفوذها بما يمكنها من المشاركة الفاعلة في شتى مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ وبالطبع فتمكين المرأة  بهذا الشكل لا يعنى فقط إكسابها قدرات فردية جديدة، وإنما يعنى أيضًا ظهور وسيادة أفكار ومعتقدات تدعم حقها في ممارسة هذه القدرات والاستفادة من الفرص المتاحة في مجتمعها شأنها شأن الرجل، الأمر الذى يعطيها الشعور بقيمة الذات والقدرة علي التحكم في حياتها الخاصة داخل بيتها وخارجه، ويجعل منها قوة فاعلة في التغيير الاجتماعي والسياسي وتحسين الظروف الاقتصادية .

وقد مرت قضية تمكين المرأة على مستوى العالم بعدة مراحل تغيرت فيها المفاهيم والمناهج والسياسات والمداخل التنموية المتبعة؛ فكان منها ما يركز على إطلاق مشاريع تنموية خاصة بالمرأة لمواجهة الفقر وحل مشاكلها، إلا أن هذا المدخل بهذه الطريقة- للأسف- أبعد المرأة عن مسار التنمية ككل، وعمل على تكريس الفجوة النوعية بين الذكور والإناث، وكان من تلك المداخل  أيضًا  ما ركز على تحسين مهارات المرأة للعمل في كل المجالات دون اللجوء إلي مشاريع خاصة بها، الأمر الذى غالبًا ما أدى إلى قيام المرأة بأدوار متعددة في آن واحد داخل الأسرة وخارجها دون أن يكون هناك مردود فعلي لهذا العبء في ضوء علاقات النوع السائدة التي تميز بين الرجل والمرأة، وكان منها كذلك ما يركز علي المساواة بين الجنسين وعدم تقسيم العمل، استنادًا إلى مفاهيم خاطئة خاصة بأدوار وإمكانات وصلاحيات كل من الذكور والإناث في المجتمع . 

وفى إطار تعاطيها مع قضية تمكين المرأة كعنصر فاعل في تحقيق أهداف التنمية المستدامة أطلقت منظمات الأمم المتحدة مبادرة "التعليم للجميع 2000 ــ 2015"، ومبادرة "عقد الأمم المتحدة لمحو الأمية 2003 ــ 2012"، ومبادرة "الأهداف الإنمائية للألفية 2000 ــ 2015"، ومبادرة "عقد التعليم من أجل التنمية المستدامة2005 ــ 2014"، كما أصدرت الأمم المتحدة في سبتمبر 2000 "إعلان الأمم المتحدة للألفية" الذي وقعت عليه أكثر من 23 منظمة دولية ونحو 189 دولة- كان من بينها مصر- وكان من بين أهدافها جميعًا تمكين المرأة من خلال توفير التعليم الأساسي للجميع وإزالة أوجه التمييز بين الجنسين في فرص الالتحاق بمؤسسات التعليم والعمل، وخفض معدلات الفقر، وتحسين نوعية الحياة للفئات المحرومة، وتحقيق الديموقراطية والمواطنة الفعالة، وتأمين حقوق الإنسان، فضلاً عن تحقيق المساواة بين الجنسين في تولي مواقع القيادة وصنع القرار واتخاذه علي جميع المستويات.

وقد نجحت مصر في هذا السياق في تحقيق العديد من الأهداف الإنمائية للألفية علي المستوي القومي بشكل يعزز الأبعاد المختلفة لتمكين المرأة على الرغم من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مصر خلال السنوات القليلة الماضية؛ فقد كانت الحقوق الدستورية التى تضمنها دستور 2014 وكذا إرادة القيادة السياسية التي دعمت تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين في مختلف المجالات بمثابة حائط صد فى الدفاع عن ملف تمكين المرأة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وتوفير كل أوجه الرعاية والحماية له، الأمر الذى ترتبت عليه ترجمة تلك الحقوق الدستورية والإرادة السياسية إلى قوانين واستراتيجيات وبرامج تنفيذية تقوم بها جهات حكومية وغير حكومية في كل محافظات الجمهورية.

ويتضح ذلك بجلاء فيما وافق عليه البرلمان من قوانين، وما أقرته القيادة السياسية من قرارات في السنوات القليلة الماضية بما يعزز تمكين المرأة المصرية ؛ نذكر منها: وضع المرأة على منصة القضاء؛ حيث تم تعيين أول قاضية منصة فى محكمة الجنايات، وتعيين مساعدة لوزير العدل لشئون المرأة والطفل فى عام 2015، وتعيين رئيسة للمحكمة الاقتصادية فى عام 2018، ودخول المرأة قضاء مجلس الدولة في عام 2021، وتخصيص الدستور 25% من مقاعد البرلمان  للمرأة ، الأمر الذى ترتب عليه حصول النساء على 162 مقعدًا من مقاعد مجلس النواب الحالي فى سابقة لم تحدث في تاريخ الحياة النيابية المصرية، كما ازداد عدد النساء في السلطة التنفيذية حتى وصل إلى 24% من أعضاء الحكومة الحالية وتعيين أول سيدة  في منصب محافظ بالبحيرة  فى عام 2017، ثم تعيين سيدة أخرى بعدها فى منصب محافظ دمياط فى عام 2018 ، وتعيين نائبة لرئيس البنك المركزى وتعيين أول امرأة  مستشارة للأمن القومى المصرى فى عام 2014، وتمثيل ذوي الاحتياجات الخاصة والمرأة الريفية فى تشكيل المجلس القومي للمرأة، وإعلان القيادة السياسية عام 2017 عامًا للمرأة المصرية والذي كان بمثابة سابقة لم تحدث من قبل فى مصر، هذا بالإضافة إلى عدم التمييز فى المعاملات البنكية بين الجنسين، وتمثيل المرأة في مجالس الإدارات العامة، ووضع برامج للحد من الغارمات ومساندة الريفيات، والاهتمام بقانون الأحوال الشخصية وتوجيه القيادة السياسية بإعادة النظر فيه بهدف تقديم تسهيلات للمرأة، ووضع تشريعات لحمايتها من العنف والزواج المبكر للفتيات.

والواقع أنه على الرغم من أن ما تحقق بالنسبة لقضية تمكين المرأة في السنوات القليلة الماضية يمثل إنجازًا غير مسبوق في مصر، إلا أنه لم يحقق بعد كل الأهداف المرجوة للتنمية المستدامة سواء في إطار من الرؤية الوطنية أو الدولية للتنمية المستدامة، ومن ثم فالنظرة المستقبلية لتمكين المرأة تطلب منا مزيدًا من التركيز على تنمية الوعي لدى المجتمع بأهمية وضرورة تمكين المرأة تحقيقًا للتنمية المستدامة، وتفعيل مجالات تمكين المرأة على كل المستويات والقطاعات اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا وتعليميًا  في إطار من الإصلاح المجتمعي الذى يركز على تجاوز تمكين المرأة من مجرد تقلد مجموعة من النساء لمواقع قيادية إلى الانتقال إلي القاعدة العريضة من نساء المجتمع ، وكذا التركيز على التنمية المستدامة بما تتضمنه من بناء اقتصاد قوي يشمل الجميع ويفضي إلي عملية التمكين، وإجراء إصلاح مجتمعي يتضمن تنقية العقل المصري من كل ما من شأنه زرع بذور التمييز بين الجنسين انطلاقًا من المقاصد الكلية للشريعة والرغبة في إحداث تغيير في نمط التنشئة والتربية ، وإزالة جميع أشكال التميز التشريعي ضد المرأة، وتعزيز دور منظمات المجتمع المدنى المهتمة بتمكين المرأة في إطار من الشفافية والمساءلة، وتبني رؤية شمولية لعملية التمكين تشمل التمكين  الاقتصادي والتمكين السياسي والتمكين الصحي، والتمكين التعليمي، والتمكين التكنولوجي للمرأة، بما يصب نحو تحقيق الأهداف الدولية والوطنية للتنمية المستدامة 2030.

  • وزير التربية والتعليم والتعليم الفني السابق