رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

سيرة المنسيين.. أوراق سرية من أرشيف الثقافة المصرية

سيرة المنسيين
سيرة المنسيين

فى كتابه «حكايات من الأرشيف»، الصادر مؤخرًا عن دار الرواق للنشر والتوزيع، نقّب الباحث والكاتب الصحفى طاهر عبدالرحمن فى صفحات الأرشيف محاولًا استخراج كنوز قد تبدو أنها قد عفى عليها الزمن لكنها أبدًا لا تموت، إذ تحدث طاهر عن أسماء ما زالت تلمع فى حياتنا الثقافية إلى اليوم، بل نحن فى أشد الحاجة الآن للعودة إليها، عظماء أمثال: توفيق الحكيم، محمد حسنين هيكل، طه حسين، السادات ويوسف إدريس وغيرهم الكثير، وكذلك تحدث عن مجهولين أيضًا لكننا أردنا أن نخالف السائد ونتحدث عن أربعة من المجهولين، وبرغم الجهل بهم فلكل منهم تأثيره.

 

أحمد لطفى السيد.. الشاب الذى ابتدع «أرشفة الصحف»

بدأت فكرة تأسيس أرشيف صحفى للمجلات والصحف على يد شاب يدعى «أحمد لطفى السيد» وهو شخص مختلف عن «أستاذ الجيل» وأحد رواد التنوير فى مصر، والقصة ينقلها لنا طاهر عبدالرحمن من كتاب «أسرار صحفية» الصادر عام ١٩٧٥عن مطبوعات دار الشعب للكاتب الصحفى حافظ محمود، إذ لم تكن الصحف المصرية تعرف فكرة «الأرشفة» حتى ثلاثينيات القرن العشرين، وكان للأستاذ حافظ محمود صديق يعمل موظفًا فى دار الكتب المصرية هو الشاب أحمد لطفى السيد، وكانت هوايته الشخصية المفضلة هى عمل أرشيف خاص بجريدة الأهرام.

وفى أحد الأيام خطر ببال الشاب أن يستفيد من هوايته فذهب إلى جريدة الأهرام ليعرض عليهم شراء أرشيفه الخاص، وأن يستكمل لهم جمع أرشيف الجريدة، اندهش جبرائيل تقلا، مالك الأهرام حينها، بالفكرة وصاحبها العبقرى، وكما يقول حافظ محمود وافق «تقلا» بعقلية رجل الأعمال قبل الصحفى وعرض على الشاب وظيفة بنصف دوام فى الأهرام، ولكن بشرط أن يدرب مجموعة من الصحفيين معه، وهو ما تم بالفعل لتصبح جريدة الأهرام أولى المؤسسات الصحفية التى تمتلك أرشيفًا خاصًا بها فى مصر، ثم تبعها فى ذلك باقى المؤسسات، وهذا الأرشيف ما زال يُدر دخلًا على كل المؤسسات الصحفية منذ وقتها إلى الآن، كل ذلك بفضل فكرة لمعت فى رأس شاب موهوب لا يعرفه أحد يدعى أحمد لطفى السيد، والغريب والمؤسف أيضًا أن الأهرام طردته بعد عام واحد فقط من توظيفه.

 

حسام حازم.. «عمود من الضحك»

 

فى كتابه «كنت صبيًا فى السبعينيات» يذكر الكاتب والناقد محمود عبدالشكور اسم صحفى يدعى «حسام حازم»، كتب فى أعقاب حرب أكتوبر ١٩٧٣ كتابًا صغيرًا بعنوان «أسرار حرب أكتوبر» وقال إنه، عبدالشكور، أعجب جدًا بأسلوبه السلس.

ويحكى طاهر عبدالرحمن فى كتابه «حكايات من الأرشيف» عن حسام حازم وعلاقته به فيقول عنه إنه «كاتب ساخر أو هكذا عرفته، وقرأت له فى جريدة الدستور (الإصدار الأول)، وكان يكتب عمودًا قصيرًا تحت عنوان «عمود من الضحك»، وفى الفترة نفسها قرأت له مقالًا فى العدد الوحيد الذى وقع تحت يدى من مجلة «الكاريكاتير» التى كان يرأس تحريرها الفنان الراحل مصطفى حسين، وبعد إغلاق الدستور بعام علمت بوفاته وطبقًا لذلك فقد توفى حسام حازم فى عام ١٩٩٩.

تزوج حسام حازم من الفنانة حنان سليمان، وألف عددًا من المسرحيات الكوميدية، وهو مؤلف الفيلم الشهير «الشيطانة التى أحبتنى» من بطولة محمد صبحى ولبلبة، لكن يبدو أن هذه الشيطانة التى أحبته هى «الصحافة» فاستهوته وحرمتنا من أفلام سينمائية أخرى، ويسرد طاهر عبدالرحمن فى كتابه واحدة من المعلومات الغريبة عنه أنه كان ضابط شرطة، ووصل إلى رتبة اللواء، الأكثر غرابة أنه حينما كان يعمل فى قطاع السجون التقى الكاتب الصحفى الكبير مصطفى أمين، حين كان الأخير يقضى عقوبة السجن المؤبد فى قضية التجسس الشهيرة.

 

لست أقوى على هواك ومالى.. أول أغنية جمعت بين أم كلثوم وعبدالوهاب

 

رابع المجهولين ليس شخصًا وإنما أغنية كتبها الشاعر الكبير كامل الشناوى وجمعت بين قطبى الغناء فى مصر أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب عام ١٩٤٥، وهو ما يعنى أن أغنية «أنت عمرى» التى خرجت للنور فى عام ١٩٦٤ لم تكن هى الأولى التى جمعت القطبين، فى لقاء وصفه الكاتب الصحفى جليل البندارى بـ«لقاء السحاب».

والقصة كما يرويها الكاتب الصحفى يوسف الشريف فى مجلة الهلال مايو ٢٠٠٤ فيقول إن عبدالوهاب وأم كلثوم وتوفيق الحكيم وفكرى أباظة ومصطفى أمين لبّوا دعوة أحد أصدقاء كامل الشناوى لحضور حفلة عيد ميلاده، والمفاجأة أن الشناوى اصطحب معه الفنانة الشهيرة «كاميليا»، وكان مهتمًا بها وبأخبارها الفنية، وهو ما لفت الأنظار وجعل البعض يتوقع وجود علاقة غرامية بينهما.

وفى أثناء الحفل، داعبت كوكب الشرق كامل الشناوى قائلة له إنه منحاز فنيًا وصحفيًا لـ«كاميليا»، فما كان من الشناوى إلا أن قال بصراحة إنه أيضًا منحاز لها «عاطفيًا»! لم تسكت أم كلثوم، بل استغلت رد الشناوى الجرىء، فقالت له: إذا كانت عاطفتك تجاهها صادقة، فقل فيها شعرًا من وحى اللحظة، دخل عبدالوهاب على الخط قائلًا إنه مستعد لتلحين القصيدة هنا.. والآن، فتحمست أم كلثوم كذلك، وأبدت استعدادها لغناء اللحن، ومع إجماع بقية الحضور وحماسهم، لم يجد كامل الشناوى مفرًا من أن يتخذ رکنًا ويؤلف قصيدة، كان مطلعها:

(لست أقوى على هواك ومالى

أمل فيك، فارفقى بحالی 

إن بعض الجمال يذهل قلبى

عن ضلوعى فكيف كل الجمال؟!).

قرأ محمد عبدالوهاب القصيدة ولحنها بالفعل وغنتها السيدة أم كلثوم، ولأن «كاميليا» لم تكن تتقن اللغة العربية كان توفيق الحكيم يترجم كلمات الأغنية لها بالفرنسية، لكن للأسف الشديد وفى أغلب الظن أن هذه الأغنية لم تسجل، ولم يعرفها الكثيرون لتبقى أغنية «أنت عمرى» وكلمات الشاعر أحمد شفيق كامل هى «لقاء السحاب» كما أطلق عليه العم جليل البندارى. 

 

عبدالحميد جلال.. لم يستطع أن يعيش عاقلًا ولا أن يموت مجنونًا

 

فى جريدة «أخبار اليوم» بتاريخ ١٤-٥-١٩٥٥، نشر الشاعر الكبير كامل الشناوى مقالًا تحت عنوان «لم يستطع أن يعيش عاقلًا ولا أن يموت مجنونًا» ينعى فيه أحد زملائه وهو صديقه الأديب «عبدالحميد جلال» الذى لن تجد عنه شيئًا على محركات البحث ولو مجرد صورة شخصية.

وحسب ما نقله لنا طاهر عبدالرحمن، فقد كتب الشناوى أن عبدالحميد جلال عمل بالصحافة سواء اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية على مدار خمسة وأربعين عامًا، وكان فى بداياته يكتب القصة القصيرة، وينتمى إلى أسرة ميسورة الحال، لكنه بدد كل ما ورثه على الحشيش والكوكايين والأفيون، وحاول كثيرًا أن يعالج نفسه ولكنه فشل للدرجة التى جعلته يحاول فى مرة أن يفعل ما يدخله السجن، وفى عام ١٩٤٠ ادعى «جلال» الجنون كى يقبلوه فى مستشفى الأمراض العقلية، لأنه حسب «الشناوى» أراد أن يتخلص من عقله.

كان عبدالحميد جلال يعتقد أن اسمه هو ما يسبب له الشقاء، فالسلطان «عبدالحميد» خلعه الأتراك عن العرش، و«عبدالحميد» الديب كان الشاعر البائس، ظل «جلال» فى تخبط إلى أن ساءت حالته النفسية بعد وفاة صديقه المقرب منذ أن كانا معًا فى المدرسة الابتدائية، وكان هو الوحيد الذى يقف بجواره فى كل أزماته، المدهش أن هذا الصديق هو الفنان «سليمان نجيب».

بعد وفاة صديقه سليمان نجيب عاد عبدالحميد جلال للمرة الثانية وبكامل إرادته لمستشفى الأمراض العقلية حتى مات بعد صديقه بثلاثة أشهر فقط، وكتب صديقه الآخر الشاعر كامل الشناوى ينعيه فقال: «لقد استراح من الشقاء والكدح والمرض والعقل.. وأيضًا من (الصحافة)».