الثلاثاء 22 يونيو 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

فيلتمان يتجول.. يتجول فقط!

فى جولته الأولى، بعد تعيينه مبعوثًا أمريكيًا خاصًا للقرن الإفريقى، وصل جيفرى فيلتمان، أمس الأربعاء، إلى القاهرة، ومنها سينطلق إلى الخرطوم وأديس أبابا والعاصمة الإريترية أسمرة، بحثًا عن «تسوية سلمية» لعدد من القضايا العالقة أبرزها الوضع المتردى فى إقليم تيجراى الإثيوبى، والاشتباكات الحدودية بين إثيوبيا والسودان، وملف «سد النهضة» الإثيوبى.

فيلتمان، دبلوماسى أمريكى مخضرم، كان مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الأدنى فى إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، وعمل رئيسًا للشئون السياسية فى الأمم المتحدة، منذ سنة ٢٠١٢ إلى ٢٠١٨. وفى بيان تعيينه، قالت الخارجية الأمريكية إنه «سيسعى لحل أزمات المنطقة بالحوار قبل أن تتحول إلى صراعات»، مع أن الصراعات، مشتعلة بالفعل فى إقليم تيجراى وعلى الحدود السودانية الإثيوبية، وعلى جبهات متعددة، داخل إثيوبيا، بفعل ممارسات حكومة أبى أحمد التى تقمع وتحاول إبادة أى فصيل عرقى يعارض خططها التى تزعم أنها إصلاحية!

تماديًا فى غيّها، رعونتها أو جنونها، استبقت الخارجية الإثيوبية جولة المبعوث الأمريكى بأن اتهمت السودان، أمس الأول الثلاثاء، بـ«انتهاك المبادئ الدولية والاتفاقيات الثنائية وآليات الحدود المشتركة». وأكدت أنها ماضية فى الملء الثانى لخزان السد خلال موسم المطر فى شهرى يوليو وأغسطس. وردًا على تلميح الخارجية السودانية بأنها قد تلجأ إلى إعادة النظر فى سيادة إثيوبيا على إقليم «بنى شنقول»، الذى يقام عليه السد حال استمرت أديس أبابا فى التنصل من الاتفاقيات الدولية، زعمت الخارجية الإثيوبية، فى البيان، أن «الأراضى التاريخية لإثيوبيا فى الغرب كانت ستمتد إلى ما وراء حدود إثيوبيا الحالية لولا الاتفاقيات الحدودية القائمة».

مجال العمل الدبلوماسى الحقيقى يكون، عادة، بعيدًا عن الكاميرات والميكروفونات. ونجاح الوساطة يستند إلى الربط بين القضايا محل الوساطة وقضايا أخرى مطلوب حلها. وعلى الوسيط، الموفد أو المبعوث أن يستخدم أسلوب تطويق الآخر، وأن يعرف أن القوة والتأثير الاقتصادى ورقة تفاوض رابحة، وأن يصر على المساومة والاستمرار فى المساومة، لأن حسابات المصالح تكون، دائمًا، فوق، وقبل وبعد، أى رغبات أو حسابات سياسية. 

لا نعتقد أن هذه البديهيات غائبة عن الدبلوماسى الأمريكى المخضرم، كما لا نعتقد أنها كانت غائبة عن الإدارة الأمريكية السابقة، حين تدخلت فى أزمة السد الإثيوبى، ورعت واستضافت جولة مفاوضات، أواخر ٢٠١٩ وبداية ٢٠٢٠، وتولت مع البنك الدولى صياغة المسودة النهائية، أو شبه النهائية لاتفاق، نص على قواعد محددة لملء وتشغيل السد، و... و... وآلية ملزمة لفض النزاعات، ثم اكتفت بالإعراب عن شعورها «بخيبة أمل شديدة» لغياب إثيوبيا عن الاجتماع الأخير، الذى كان من المفترض أن يتم خلاله التوقيع على مسودة الاتفاق، التى لم تتضمن إلا البنود التى وافقت عليها الدول الثلاث. وجاء توقيع مصر، منفردةً، بالأحرف الأولى، على تلك المسودة، ليؤكد جديتها فى التفاوض ونيتها الحسنة ورغبتها المخلصة فى إنهاء الأزمة.

مع الإعراب عن خيبة أملها الشديدة، قررت الإدارة الأمريكية السابقة، ربما حفظًا لماء وجهها، تجميد ١٣٠ مليون دولار من مساعداتها لإثيوبيا، ثم أفرجت عنها الإدارة الحالية. وفى الإدارتين، لم تتوقف هبات الوكالة الأمريكية للتنمية، التى قدمت لإثيوبيا خلال السنوات الست الماضية نحو ٥ مليارات دولار، لتعزيز «الحكم الرشيد»، إضافة إلى مليارات أخرى لدعم الاحتياجات الإنسانية الطارئة والأمن الغذائى والصحة والتعليم و... و... وتحسين مناخ الاستثمار. 

من قام بتحضير العفريت يمكنه صرفه بسهولة، لو أراد. ولا نعتقد أننا نفضح سرًا لو قلنا إن كل مشروعات إثيوبيا لإقامة سدود، أمريكية المنشأ، وأن مكتب استصلاح الأراضى بالولايات المتحدة هو الذى قام بتحديد موقع «سد النهضة» خلال مسح للنيل الأزرق تم إجراؤه سنة ١٩٦٤، ولو عدت إلى عدد مجلة «السياسة الدولية»، الصادر فى أكتوبر ٢٠١٩، ستجد أستاذنا الدكتور مفيد شهاب، رئيس جامعة القاهرة الأسبق، أستاذ القانون الدولى فيها، وزير التعليم العالى الأسبق، يتهم الولايات المتحدة، بشكل صريح، بأنها حرّضت إثيوبيا على إقامة السد، لأن لديها عقدة نتيجة بناء مصر السد العالى، وتريد الانتقام منها لأنها رفضت، وقتها، مشروع البنك الدولى، فانتهزت الفرصة لتنكل بمصر، وساعدت إثيوبيا من خلال المنح والقروض.

أخيرًا، وإلى أن تصدر الإدارة الأمريكية قرارها بصرف العفريت أو بتوقيع الحكومة الإثيوبية على المسودة النهائية للاتفاق، الذى تم التوصل إليه فى واشنطن، سيظل «فيلتمان» يتجول ويتجول حتى ينفد صبر مصر والسودان، أو يتم إنهاء خدمة أبى أحمد، باعتباره حلًا وسطًا، يرجئ الملء الثانى لخزان السد، ويسهم فى تهدئة الأوضاع الداخلية، التى ازداد اشتعالها بدخول حكومته فى مواجهات عسكرية مع ثلثى الشعب الإثيوبى تقريبًا.