رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

النيل والسين.. والجدل الحضاري

منذ أن داست أقدام نابليون بونابرت وجنوده أرض مصر، منذ أكثر من مئتي عام، ونشأ جدل حول هل كانت فرنسا غازية أم ناشرة فكر وحضارة، وما تزال تلك الحملة غير الناجحة عسكريا، والناجحة فكريا، تحظى باهتمام ثقافي منقطع النظير، وقد كشفت الحملة النقاب عن ثورة العلم في أوروبا، وفتحت أعين محمد علي على الحضارة الأوروبية، وجذبت تلك الحضارة أنظار المفكرين التنويريين، فكتبوا عنها، صحيح أن هناك ناقلين للتقدم والعلوم وهم أفراد البعثات، وهناك مفكرون لفتت أنظارهم العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانون، فكان رفاعة الطهطاوي أول من لفت أنظارنا إلى الحضارة الفرنسية في كتابه الرائع "تخليص الإبريز في تلخيص باريس"، وهو أول من فتح الطريق في بلاده نحو العلم والديمقراطية واعتبره المثقفون علما من أعمال النهضة والتنوير وله دور بارز في مسيرة تقدمنا الحضاري بما كتب وألف وترجم. 

كما كان آخر كتاب تنويري قرأناه هو كتاب "بين السين والنيل" للكاتبة الدكتورة فتحية الفرارجي، أستاذة الأدب الفرنسي، منشور عام 2018 من دار السراج للنشر والتوزيع، في 250 صفحة باللغة العربية، وهو من الكتب النادرة التي تدير حوارها صاخبا مع القارئ، وتجعله يقف مشدوها من تلك المقارنة الرائعة بين نهرين عظيمين، نهر السين ونهر النيل، من حيث الحضارة التي نشأت حول النهرين، وهي وإن كانت مقارنة قاسية علينا كمصريين، ربما لأن حضارتنا كانت الأسبق والأقدم، ولكنها كانت كغيرها من حضارات الشرق ذات قيم متنوعة اتجهت للجانب الروحي والإنساني وأهملت الجانب المادي، فكانت حضارتنا تحيل الإنسان للحياة بعد الموت، بينما الحضارة الغربية تحيل الإنسان للتمتع بلحظته الحالية التي يعيشها، وتركت الجانب الروحى لتأملات المفكرين وانحازت إلى جانب الماديين، وكان هذا سببا رئيسا في انبهارنا بالحضارة الغربية.  

ونعود إلى كتاب الدكتورة الفرارجي لنناقشه باعتباره واحدا من كتب أدب الرحلات، التي تنقلنا دائما إلى الجانب الآخر، حيث نتجول مع الكاتبة في الأماكن التي زارتها، وجعلتنا نراها بعينيها المتأملتين الفاحصتين لكل شيء، كما شاهدتها وفهمتها، ولا يسعنا إلا أن نصدقها في كل ما تقول.
 

كتب أدب الرحلات بدأت في اطراد مستمر وزيادة في السنوات الأخيرة، فقد ناقشنا في شعبة أدب الرحلات باتحاد كتاب مصر أكثر من خمسة عشر كتابا في أدب الرحلات.
 

غير أن هناك ملاحظة نود أن ننوه إليها وهي أن الكثير من تلك الكتب سافر أصحابها من أجل الحصول على شهادة دراسية، أو في عمل، وقليل منها من كان في مهمة رسمية، وهو ما أضفى على تلك الكتب الطابع الأكاديمي، فلم تخرج موضوعات تلك الكتب إلى خارج المجتمع الأكاديمي أو المكتبات أو المدرجات والفصول الدراسية، كما أنه من الملاحظ محدودية التعامل مع أفراد المجتمع في تلك البلاد التي زاروها.

ومن تلك الكتب التي نحن بصددها كتاب بين "النيل والسين" تأليف الدكتورة فتحية الفرارجي، صادر عام 2018، في 250 صفحة. 

الكتاب يقدم لنا بأسلوب سلس ولغة عصرية راقية وبسيطة مشاهد معاصرة عن مصر وفرنسا، في آن واحد، من خلال موضوعات ثرية نابعة من الثقافة الفرنسية والتعريف بالمجتمع الباريسي.

من بين الموضوعات التي حفل بها كتاب "بين السين والنيل" الموضوعات التي تعبر عن المجتمع الأكاديمي بطريقة مباشرة، مثل سكنى المدينة الجامعية، المدينة الجامعية الدولية، بناء الطفل وقطوف من الثقافة الفرنسية، المنهجية الفكرية، المكتبة والحديقة، الجامعة والتحام الشواطئ، متاحف الكتب والصالونات، الترفيه والأنشطة الثقافية، وهكذا تسير موضوعات في مجتمع شبه مغلق.

 كما تضم صفحات الكتاب موضوعات شيقة وثرية تعكسها العناوين الداخلية، من بينها: الخبز المكيف ومتحف الجبن، وداعا لمحصل الحافلة، حموضة الموضة، الإسلام ورمضان في الغربة، عندما يأخذ الحيوان مكانته، رومانسية التسول وشحاتة مثقفة.        
 

تخبرنا الكاتبة أن أول مرة أطلت فيها على نهر السين كانت عام 1997، بعد الترشح للسفر من قبل المركز الثقافي الفرنسي وحضورها دورة في مدينة بوزنسون بمركز اللغويات التطبيقية لمدة شهر، في هذه المدينة الرائعة التي ولد بها الكاتب الكبير فيكتور هوجو، كما قامت بزيارة خاطفة إلى سويسرا وستراسبورغ ثم قضت بضعة أيام في باريس. 
 

الكتاب عبارة عن لوحة فنية تظهر المقارنة بين واقع الحياة على ضفاف النيل وما تراه في رحلتها إلى فرنسا ونهر السين بفرنسا، وتصور واقع الحياة الاجتماعية والثقافية بفرنسا بكل دقة، وخلال وصفها تستحضر واقع الحال في مصر والمصريين كأصحاب حضارة، كما أنها تذكرنا بين آن وآخر بكتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريس" للعلامة المصري رفاعة الطهطاوي، كما تستعرض العصور التاريخية العريقة المختلفة التي مرت على النهرين، وأن أهمية نهر النيل لا تقل عن أهمية نهر السين، ولا تنسي الكاتبة خلال كتابها أن تأخذنا في رحلة تاريخية إلى سيرتها الذاتية، لتطلعنا على رحلات تخصها هي ككاتبة مصرية المولد.. في رحلات افتراضية إلى ماضيها وبيتها، تستوقف القارئ قليلاً أو كثيرا بما رسمته وتركته على جدران صفحات كتابها، حيث تأخذنا سريعا على الدراجة، التي كانت الحارس الأمين على صحة جدها رحمه الله، عن عمر يناهز التسعين، تلك اللمحات الخاطفة لفتاة تعشق الترتيب والنظام والألوان الطبيعة الزاهية، وما يفوح بطيب الكلام، وكل ما هو جميل ويسر عين الأنام، إلا ما ساقها القدر إليه، وكتب عليها في لحظة ليس فيها رجعة، وفي حصالتها الصغيرة الخشبية، المنقوش عليها بجع راقص، ادّخرت بعض النقود لشراء مجلات من مكتبة قصر الثقافة التي لا تبعد كثيرا عن منزلها، لتقرأ مجلات الدنيا وميكي وسمير وماجد، وتسعد باكتشاف عامل جديد في هذه الصفحات التي كلفتها عشرة قروش كاملة، أو خمسة عشر قرشا، تلك الرحلة الثانية بعد رحلتها الأولى لمشربية جدها، يتلوها رحلة ثالثة في عالم الألوان، أعلى البيت، كان يقطن الرسامون من الإسكندرية، الذين يرسمون أروع اللوحات.

 بالطابق الأسفل، يقوم العامل بصناعة أروع الإطارات المذهبة، والبيضاء، والحمراء، والخضراء، والوردية، والسوداء ويلفونها في سطور مائلة من الشرائط البيضاء ويخطون كلماتهم وإبداعاتهم على سطور بيضاء، والفنانون يبدعون ويلفون لوحاتهم بهذه السطور، لكلٍ أدواته في إبداعه ولكلٍ نبرته ولونه الخاص وبصمته التي لا بد ألا تتكرر حتى يخلد الإبداع بأصالته وتفرده، وكان البيت فنارا ومنارا لكل من في الأنحاء، اشتهر الجد والعائلة بصناعة أروع الإطارات والمرايات، والكتابة عليها والرش بالألوان، تلك الرحلة كانت انطلاقة للتميز أثناء الدراسة بمدرسة عمر زعفان حينما كنا نتعلم مسك القلم وتأتي اَلْمَدْرَسَة للبيت لتعلمنا وتراجع واجباتنا، وكانت فنانة في أعمال الكروشيه وتصنيع علب التقديم، فكانت خريجة مدرسة المعلمات.     
 

كما تحدثنا الكاتبة من خلال كتابها عن الانتخابات في فرنسا، فهي تستغرب عدم وجود الرموز الانتخابية المعروفة مثل الانتخابات عندنا، وتقول: "الانتخابات في فرنسا ليس لها رموز، غريب ألا يوجد فيها جمل، ولا هلال ولا نجفة ولا نجمة ولا فانوس ولا سيف ولا تليفون ولا تليفزيون ولا طائرة ولا طبق ولا سيارة ولا حدوة حصان ولا مركب ولا قارب شراعي ولا دراجة ولا حتى شمسية ولا نظارة ولا سلم نقالي ولا مسدس ولا مضرب تنس ولا سمكة ولا ممحاة ولا فيل ولا فراشة ولا ميزان ولا فأس ولا شاكوش ولا فنجان ولا كأس ولا كتاب ولا هدهد ولا غزال ولا ورق شجر ولا زهرة ولا عنقود عنب ولا نخلة، انتخابات من غير رموز بجوار صور المنتخبين!". 

هنا تتعجب الكاتبة، لأن الرموز عندنا للأميين الذين لا يقرأون، لكنها تختفي في مجتمع يتقن القراءة والكتابة ويتمتع بنهمه للثقافة، وتقول: "يا ربي ما هذا الحفل الراقص الذي يتناظر فيه المنتخبون في جو من البهجة، بينما عندنا كانت تتدافع الشوم والتوابيت والصناديق الخشب المملوءة ببطاقات الترشح".        
 

ولا تنسي أن تذكرنا بالمصلح الديني والاجتماعي المعروف، الإمام محمد عبده، وتقول: "ما زال صوت نداء الإمام محمد عبده إلى الأمة المصرية لمعرفة حقها على حاكمها موضحا أن ارتقاء المعارف في الأمم هو سبب رقى الأمم في الثروة والقوة، وأكد ضرورة تطهير المناصب الحكومية من ضعاف النفوس، كما أكد ضرورة المشاركة والحوار في التعليم، وتذكرنا بأقواله الشهيرة: إنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه والتربية هي السبيل القويم للإصلاح السياسي.. رحمة الله عليه". 


تسير الكاتبة على نهج العلامة المصري رفاعة الطهطاوي، في كتابه الرائع "تخليص الإبريز في تلخيص باريس"، فتحدثنا عن الثورة الفرنسية الشهيرة عام 1789، وشعارها الشهير: الحرية، المساواة والإخاء، وهي الشعارات التي أفزعت دول أوروبا المجاورة، فتصور مونولوجا أو حوارا بين المصرية نهى وجدتها الفرنسية، وتشرح من خلاله الكاتبة كيف قامت الثورة الفرنسية وكيف ارتفعت وانتشرت مبادئها في كل دول العالم.     

    
وفي ختام كتابها تعقد المؤلفة مقارنة بين مصر وباريس، تقول: "بالقاهرة النيل بباريس السين، بالقاهرة برج القاهرة بباريس برج إيڤل، بالقاهرة المتحف المصري بباريس متحف اللوفر، بالقاهرة جامعة القاهرة بباريس جامعة السوربون، ربما اختلف تاريخ الإنشاء، ومن المنهجية في بناء التفكير العلمي والثقافة المكتبية والثقافة البيئية وتنمية الحس الأدبي والتربية الجمالية وتأخير الازدواجية الثقافية ينمو أطفال وأطفال؛ مصر وِلَادَة بأبنائها الحاصلين على نوبل: السادات عام 1978م ونجيب محفوظ عام 1988م وأحمد زويل عام 199م وغيرهم.. بباريس النظافة وليس عليهم الوضوء خمس مرات، والقاهرة ما حالها رغم أنها تتوضأ خمس مرات؟! سخرية مبطنة، تصور حالنا، رغم أننا أولى بالنظافة منهم".

في النهاية تضع الكاتبة كتابها في قوائم مكتبة التنوير الرائعة، التي تضم كتب كل المفكرين المصريين الذين بهرتهم باريس بصخبها وضجيجها وحضارتها، الذين نقلوا لنا قبسا من حضارة السين والتايمز، رفاعة الطهطاوي ومحمد حسين هيكل، وطه حسين، وأحمد عبدالمعطي حجازي والدكتورة منى الناموري، ووفاء عواد والبقية في الطريق.