رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

لواء حمدي البطران يكتب: «الاختيار» بين الدراما والتاريخ

قليلة تلك الأعمال الدرامية التي تتابع التاريخ وتحكيه، فقد خلدت أمريكا انتصاراتها في الحرب العالمية الثانية، والتي جسدت فترة تاريخية هامة من تاريخ أمريكا وأوروبا والاتحاد السوفيتي، ليتنافس جميع المخرجين والمنتجين والكتاب لإنتاج أفلام وروايات تضع تصورا لتلك الحقبة الهامة في تاريخ العالم، ومنها الأفلام التي تحكي عن المعارك البحرية ف بيرل هاربور، ومعارك ستالينجراد، والهبوط على شواطئ النورماندي، وغيرها من الأفلام التي جسدت وبمهارة فائقة، وإمكانيات فنية هائلة تلك المعارك، وكأنها تمت بالأمس القريب.

كما دخلت تركيا على خط الدراما التاريخية من خلال مسلسل شهير انتشر على القنوات الفضائية العربية، وهو مسلسل إعادة البعث، والذي يسجل قصة حياة القائد التركي «أرطغرل» والد سليم الأول مؤسس الدولة العثمانية، وهو مسلسل طويل جداً، ولكن المستوى الفني الهائل للقصة والإمكانيات المبهرة، قضت على بادرة ملل، وهو ما تفتقد إليه معظم مسلسلاتنا، ربما لأن أساسها الدرامي لا يتقبل أي تعلية أو زيادة.

لطالما كان للمناخ السياسي الأيديولوجيات لهما علاقة مباشرة في التأثير في عقلية كاتب الدراما التلفزيونية عبر مختلف الطرق، كما أن هناك فاعل آخر له تأثير أقوى، وهو الرقابة التي تسمح أو لا تسمح، وهو ما يهدف إلى خدمة التوجه السياسي الحالي.

ونعود إلى اهتمام مصر بفكرة كتابة التاريخ بالدراما، والتي برع فيها مجموعة من الكتاب، من مختلف التوجهات؛ يسري الجندي، ومحفوظ عبد الرحمن، وأسامة أنور عكاشة، ومحمد السيد عيد، في الكتابة عن فترات تاريخية ماضية، وقد صبغها كل كاتب بلونه السياسي الذي يعتنقه، فكان محفوظ عبد الرحمن وأسامة أنور عكاشة قوميان وناصريان، وهو ما جعل مصداقيتهما في كتابة التاريخ بالدراما تبدو مجروحة.

ونعود إلى الموضوع الذي قصدت الكتابة عنه وهو مسلسل «الاختيار 1» و«الاختيار 2» وهو إنتاج ضخم بإمكانيات فنية هائلة، عبر عن حروب مصر ضد الإرهاب الديني، وأيضا فيلم «الممر»، الذي كان أكثر واقعية وتعبيراً عن الحالة المصرية في مواجهة العدو الإسرائيلي.

جسدت أفكار المسلسلين الحقبة التاريخية القريبة منا، وتشمل فترة الصراع الديني على الحكم، ومحاولات تنظيم الإخوان المسلمين حكم مصر رغماً عنها باستخدام العنف، وجلب العناصر الإرهابية من الشمال العربي سوريا والعراق وتركيا، لأجل معاونتهم في تخريب مصر تمهيداً لحكمها.

في المسلسلين كان الخيط الرفيع الفاصل بين أفكار الإرهابيين والجنود، هو المساحة التي تحرك فيها المؤلف، وهي مساحة ضيقة للغاية، فقد حاول المؤلف أن يكسب التعاطف الشعبي بإبراز الجانب الديني لدى المقاتلين، وهو هدف نبيل في حد ذاته، ولكن تتلاشى معه قيمة الوطن، وهي القيمة الجديرة بالتركيز عليها، في محاولة منه لإبراز التدين الحقيقي عن التدين المزيف الذي يعتنقه الإرهابيون، العقيدة الدينية للمقاتلين ترتكز على حماية الأرض وحماية الأرواح والممتلكات العامة والخاصة، ولكن لا أدرى إن كان المؤلف أو المخرج قد نجح في ذلك أم لا.

وإن كنا من جانبنا نرى أنه لا ينبغي عرض أفكار الإرهاب في الدراما، لأنه في دراما التليفزيون، يعتبر عرض الأفكار الإرهابية إعادة تدوير لها وانتشار لها، وقد فعلتها بعض البرامج الدينية القديمة في مطلع الثمانينات، في أوج انتشار الأفكار المتطرفة، التي حاولت مناقشة الإرهابيين، فأحضرت لهم علماء الدين وفي حضور رجال الدين طلب المذيع من الإرهابيين عرض أفكارهم، وأداروا ظهورهم لرجال الدين، دليل على عدم ثقة الإرهابيين في رجال الدين، فانتشرت في برنامج ندوة الرأي في الثمانينات، ظهر الإرهابيون في القناة الأولى، وعرضوا أفكارهم، فعرفها من لم يعرفها.

المهم أن «الاختيار 1»و«2» نجحا في إبراز بشاعة الحرب، التي خاضها الجيش من خلال معاركه في سيناء، وذلك في مسلسل «الاختيار 1» وكذا بشاعة التدمير والقتل الذي تعرض له رجال الشرطة في داخل مصر.

استخدام اللقطات الحية في المسلسلين، جعل منهما برنامجاً إخبارياً أقرب إلى البرامج السياسية التي تنتجها القنوات أو بعض المراكز المعنية بالحركات الجهادية، صحيح أن تلك اللقطات أضفت نوعاً هائلاً من المصداقية، التي عاصرها المشاهدون، ولكن المشاهد يعرف مسبقاً أنها وجهة نظر غير حيادية، ولكنها نزعت قوة الدراما والخيال من المسلسلين.

عموماً هي تجربة جديدة في الإنتاج الدرامي المعني بقضية الدولة المصرية، والتي ينبغي أن تُعالج ثقافياً بصورة أكثر وعياً وشمولاً، من خلال خطط ثقافية يقتنع بها كتاب الدراما والروايات والشعر والمسرح وباقي وسائل النشر والتعبير، حتى لا يقتصر الأمر على الدراما فقط.