رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

قتلوه أثناء الصلاة

أثناء أداء صلاة العشاء، فى أكبر مساجد مدينة «بينى»، شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، قام إرهابيون ينتمون لجماعة «القوى الديمقراطية المتحالفة»، السبت الماضى، بإطلاق الرصاص على إمام المسجد الشيخ على أمين، فأردوه قتيلًا. ولم نجد معلومات عن الضحية، غير أنه كان يلقى خطبًا ضد الإرهاب على منبر ذلك المسجد، وفى إحدى المحطات الإذاعية المحلية.

العمليات الإرهابية فى الكونغو الديمقراطية أسفرت، هذا العام، عن سقوط مئات الضحايا، وإصابة الآلاف، وتشريد أكثر من مليون ونصف المليون مواطن، وتواجه القوات الحكومية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة صعوبات بالغة، دفعت الرئيس فيليكس تشيسكيدى، خلال زيارته إلى فرنسا، الثلاثاء الماضى، إلى طلب المساعدة من نظيره الفرنسى لمحاربة «القوات الديمقراطية المتحالفة»، التى وصفها بأنها جماعة إرهابية مسلّحة. ومساء الجمعة، أعلن تشيسكيدى حالة الطوارئ، أو «حالة الحصار»، فى إقليمى شمال كيفو وإيتورى، فى شرق البلاد للتصدى للفظائع التى ترتكبها تلك الجماعة.

تشكلت جماعة «القوى الديمقراطية المتحالفة»، Allied Democratic Forces، منتصف تسعينيات القرن الماضى، باندماج عدة فصائل، أبرزها الجيش الوطنى لتحرير أوغندا، وجيش تحرير أوغندا المسلم، وجماعة التبليغ والدعوة، تحت قيادة جميل مولوكو، الذى كان مسيحيًا كاثوليكيًا ثم اعتنق الإسلام، وأنشأ مؤسسة السلف Saalaf Foundation، وأطلق على جناحها المسلح اسم «مقاتلى الحرية المسلمين»، والتقى أسامة بن لادن أثناء وجودهما فى السودان، وتلقى دعمًا من جماعة الإخوان عبر نظام الرئيس السودانى المخلوع عمر البشير، كما تلقى التدريب العسكرى فى معسكرات تنظيم القاعدة وحركة طالبان فى أفغانستان وباكستان.

بدأ نشاط الجماعة فى غرب أوغندا، لكن منذ أواخر التسعينيات، بدأت تتوغل فى مقاطعة شمال كيفو بجمهورية الكونغو الديمقراطية، مستغلة صلات القرابة والأصول المشتركة. ورغم وضوح البعد الدينى فى خطاب الجماعة منذ نشأتها، إلا أنها لم تتحول من تنظيم انفصالى متمرد، إلى جماعة دينية تريد إقامة «دولة إسلامية»، إلا سنة ٢٠١١، وأصبحت أكثر استهدافًا للمدنيين. وفى سبتمبر ٢٠١٦ أكدت بعثة منظمة الأمم المتحدة فى الكونغو الديمقراطية أن لتلك الجماعة صلات واسعة بجماعات إرهابية دولية مثل تنظيم القاعدة، حركة الشباب الصومالية، حزب الله اللبنانى، أو الإيرانى، القاعدة فى المغرب العربى، بوكو حرام وحركة طالبان الأفغانية. 

بخسارته أعدادًا كبيرة من المقاتلين على الجبهتين الأوغندية والكونغولية، وبعد إلقاء القبض على مؤسسها وقائدها جميل مولوكو فى تنزانيا فى أبريل ٢٠١٥، بدأت عناصر «القوى الديمقراطية المتحالفة»، فى إقامة روابط مع تنظيم داعش، وتغيير مصدر الدعم المالى من الاعتماد على الاقتصاد المحلى فى مناطق التمركز، إلى تلقى الدعم عبر شبكات دولية لتحويل الأموال، وتبنى قائد الجماعة الجديد، موسى بالوكو، توجهًا أكثر تطرفًا من سلفه، غير أن نشاط التنظيم تراجع مؤقتًا نتيجة ضربات أمنية قوية، قبل أن تشهد سنة ٢٠١٨ موجة جديدة من تصاعد النشاط بعد أن أصبحت الجماعة أكثر ارتباطًا بداعش فكريًا، تنظيميًا وماليًا. وفى يونيو ٢٠١٩، نشر تنظيم داعش مقطع فيديو يبايع فيه موسى بالوكو التنظيم. 

منذ ٨ سنوات، وبمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، التى تغير اسمها، لاحقًا، إلى الاتحاد الإفريقى، تعهد قادة وزعماء دول القارة بـ«إنهاء جميع الحروب فى إفريقيا بحلول سنة ٢٠٢٠» وأطلقوا مبادرة «إسكات البنادق»، غير أن ذلك لم يحدث، ولم تتمكن دول القارة من الالتزام بالإطار الزمنى المحدد للمبادرة، أو بخارطة الطريق التى وضعها الاتحاد، وخلال رئاستها الاتحاد الإفريقى، طرحت مصر رؤيتها لمواجهة التحديات المتعلقة بانتشار بؤر الإرهاب والجريمة المنظمة، وطرحت فكرة إنشاء قوة إفريقية مشتركة لمكافحة الإرهاب. 

حدث أيضًا أن اجتمعت «لجنة التعاون والعلاقات الدولية وفض النزاعات» بالبرلمان الإفريقى، فى ٧ أغسطس ٢٠١٩، داخل مجلس النواب بالقاهرة. وخلال هذا الاجتماع، قال إدمور كامبودزى، المسئول عن إعداد تقرير الأمن والسلم فى إفريقيا، إن دول القارة لن تتمكن من «إسكات البنادق»، لأنها لا تستطيع اتخاذ قرارات بمفردها ولا تحاول إيجاد حلول لصراعاتها. وطالب البرلمان الإفريقى بإعلان أسماء الدول التى تقوم بتهريب السلاح وتقف وراء استمرار النزاعات، متهمًا بعض الحكومات الإفريقية بالتستر على تلك الدول.

المتغيرات الداخلية فى الكونغو الديمقراطية والمتغيرات الإقليمية فى غالبية دول البحيرات العظمى وشرق إفريقيا، أفقدت جماعة «القوى الديمقراطية المتحالفة» الدعم الذى كانت تتلقاه من دول عديدة. لكن دون استجابة كل الحكومات الإفريقية، ودون وجود تحرك دولى أكثر حسمًا فى مواجهة الإرهاب، لن تسفر كل جهود «إسكات البنادق» عن أى شىء، وستستمر الصراعات وستتصاعد التوترات وستتعقّد النزاعات، وستتمدّد الجماعات والتنظيمات الإرهابية، التى تنطق غالبيتها، كما غالبية بنادقها، بلسان إخوانى، تركى، قطرى وإسرائيلى، زاعق وناعق.