رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الانتخابات الوهمية الفلسطينية

الانتخابية التشريعية الفلسطينية كان من المقرر إجراؤها فى ٢٢ مايو الجارى، على أن تتبعها انتخابات رئاسية، ثم انتخابات المجلس الوطنى التابع لمنظمة التحرير، لكنها تأجلت إلى أجل غير مسمى، أو إلى «حين ضمان مشاركة القدس وأهلها فى هذه الانتخابات»، بعد عدم موافقة سلطات الاحتلال الإسرائيلى على إجرائها فى المدينة المحتلة.

لا معنى أو تفسير لعدم الموافقة على إجراء الانتخابات فى القدس، غير محاولة استبعادها من النسيج السياسى والوطنى الفلسطينى، وانتهاك اتفاقية المرحلة الانتقالية، أو «أوسلو ٢»، الموقعة سنة ١٩٩٥، بحضور الرئيس الأمريكى «بيل كلينتون» وممثلين عن الاتحاد الأوروبى، التى تضمنت مادتين أو بندين عن إجراء الانتخابات بالقدس: البند الثانى فى الاتفاقية، والمادة السادسة فى الملحق الانتقالى الثانى. ومع ذلك، اتفق الإعلامان الحمساوى والإسرائيلى وبعض الوسائل الغربية، على إرجاع التأجيل إلى وجود مخاوف من فوز حركة «حماس» بأغلبية المقاعد! 

إجراء الانتخابات فى القدس يلخص مواجهة سياسية وقانونية تتعلق بالسيادة. لكن حركة «حماس» رأته مجرد «ذريعة» لتأجيل الانتخابات وأعلنت عن رفضها التأجيل «ولو ليوم واحد». وبعد صدور قرار التأجيل، قال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسى لـ«حماس»، فى خطاب تليفزيونى إن القرار «لم يكن مقنعًا على الإطلاق»، واتهم الرئيس الفلسطينى محمود عباس بأنه رهن حل الخلافات الفلسطينية بـ«قرار الاحتلال أو الرضوخ لرغبته»، مع أن المرسوم الرئاسى بتأجيل إجراء الانتخابات أكد على «مواصلة العمل على تعزيز الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة، ومواصلة المقاومة الشعبية السلمية».

الانتخابات المؤجلة هى الثالثة: الأولى جرت، مع الانتخابات الرئاسية، سنة ١٩٩٦، والثانية كانت سنة ٢٠٠٦ وبينهما جرت الانتخابات الرئاسية الثانية والأخيرة، فى ٢٠٠٥، ثم توقف كل شىء بعد أن سيطرت حركة «حماس» على قطاع غزة سنة ٢٠٠٧، و«قررت التخلى عن القدس، والانقلاب على مشروع الدولة الفلسطينية الواحدة الموحدة، والانفصال عن الوطن، وتقسيم الشعب، وإقامة إمارتها الإخوانية الظلامية فى قطاع غزة». وما بين التنصيص ننقله من بيان صدر منتصف مارس ٢٠١٩ ويحمل توقيع على أبودياك، وزير العدل الفلسطينى. منذ ذلك الانقلاب الحمساوى، فشلت كل محاولات إجراء الانتخابات، بسبب خلافات حول الآلية، المرجعية، وبعض القوانين، وإلى الآن، لا تزال هناك أسئلة، بلا إجابات، بشأن المرجعية القانونية للانتخابات المؤجلة، أو الملغاة، لكون المحكمة الدستورية تمثل الضفة الغربية فقط، والسؤال لا يزال قائمًا، أيضًا، بشأن القدس، والآليات التى يمكن اعتمادها، لضمان إجراء الانتخابات فيها، بعد الاعتراف الأمريكى بها عاصمة لإسرائيل. والسؤال الأهم هو: كيف يمكن إجراء انتخابات نزيهة، أو شبه نزيهة، تحت الاحتلال؟! المهم أن حركة «فتح» رفضت أى انتقادات متعلقة بتأجيل الانتخابات. وقال «أبوردينة»، المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية، إن القدس من أبرز الثوابت الوطنية الفلسطينية، وأضاف: «القضية ليست انتخابات، القضية هى القدس»، مطالبًا كل أولئك الذين كان لديهم بعض الملاحظات بـ«أن يفهموا أن اللعبة الإسرائيلية- الأمريكية.. إقامة كيان هزيل لا يمكن أن نسمح به». وشدد «أبوردينة» على أن القيادة لا تريد الذهاب إلى المجهول، وقال: «لا نريد الذهاب إلى متاهات وإلى مجهول، وخطواتنا واضحة، والعالم أصبح يقف معنا»، مشيرًا إلى أن هناك «عملية تضليل مستمرة تقوم بها جهات مشبوهة للنيل من القرار الوطنى الفلسطينى».

تشكيل حكومة وحدة وطنية سيكون واحدًا من عدة إجراءات مرتقبة هدفها ترتيب البيت الفلسطينى. ومن أبوردينة عرفنا أن «الطريق بعد قرار تأجيل الانتخابات الذى حدده الرئيس "عباس" واضح: حوار مع الفصائل، وحكومة وحدة وطنية، وتعزيز منظمة التحرير». كما دعت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية إلى حوار وطنى شامل، يضم القوى السياسية والمجتمع المدنى والفعاليات المختلفة، لإيجاد معالجات جدية للوضع الداخلى، و... و.. تعزيز مكانة ودور مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطينى. حكومة الوحدة الوطنية، فى رأينا، قد تكون البديل لما كانت ستنتجه الديمقراطية الشكلية أو الزائفة. لكن تجديد الشرعية الشعبية والقانونية لمجمل النظام السياسى الفلسطينى، التى تآكلت، لن يتحقق إلا بإنهاء الخلافات ومعالجة الانقسام، بعد أن ثبت بشكل قاطع أن الرهان على حسن نوايا الأوروبيين والأمريكيين، والمجتمع الدولى إجمالًا، حسن نية زائد عن الحد. أما من كانوا يرون أن الانتخابات ستكون مدخلًا لإنهاء الانقسام، فقد رأوا بأعينهم كيف تسببت فى انقسامات جديدة، وكيف تم تصنيف القوائم الانتخابية إلى محترمة وغير محترمة!

.. وأخيرًا، كيف يصدق العاقل، أو نصف العاقل، الشعارات الأمريكية الأوروبية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو يرى بعينيه دعمًا مستمرًا، ظاهرًا ومستترًا، لكيان عنصرى غاصب، لا يحترم أى اتفاقيات وقع عليها، ويضرب بالمواثيق الدولية والقرارات الأممية عرض الحائط، ولم يترك جريمة، سياسية أو جنائية، إلا وارتكبها؟!