رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

خبيئة آدم (17).. رسالة من السماء

 يمسك "آدم الحفيد" برأسه" ويقول: "دماغي يكاد ينفجر من الصداع.. ما بال الرأس لا يرسو على حال.. هل أواصل حياتي بالمسكنات".. ينظر إليه جده ويقول: "كل جرح ولا بد له من لحظة سكن.. ومن لا يجد السكن في الإيمان يتوه في الدنيا.. يعيش حياته يبحث ويبحث ولا يصل إلى شىء".

كذلك عاش "مصطفى" يبحث عن عظام أبيه دون أن يصل إلى شىء.. يتحسس أخبار غريمه الأول الجركسي عزالدين الألفي دون أن يصل إلى شىء.. قال لنفسه: لا بد أن أفكر أولاً في القريب من يدي.. التركي سليمان باشا رأس المؤامرة ضد أبي.. كل يوم كان يحصل فيه على معلومة عن "سليمان" يعود إلى أمه فرحاً ويبشرها باقتراب ساعة القصاص.. كانت أمه تقابل فرحته بصمت حزين.. حتى دخل عليها يوماً وقد انعقد لسانه بصمت الحزن.

-  الشامية: مالك يا مصطفى؟.

-  مصطفى (بحزن): لا شىء يا أمي.. لا شىء.

-  الشامية: عيناك دامعتان.. وأثقال الحزن تحني ظهرك.. ماذا جرى؟

-مصطفى: ضاع من يدي يا أمي.. ضاع من يدي.

- الشامية: مَن؟

-مصطفى: التركي.. سليمان باشا قاتل أبي.. (وهو يضرب بقبضة يده على رأسه): الذنب ذنبي.. أنا الذي تباطأت.

-  الشامية (وقد أحست بالراحة): قل لي ماذا حدث بالضبط؟

- مصطفى: عزله الخديو الجديد "إسماعيل" من عمله وسافر إلى إسطنبول.. أصبحت أطارد شبحين، واحد في الشام والثاني في عاصمة السلطنة.

- الشامية: إنها رسالة من السماء يا ولدي بأن تكف عما في رأسك.. وتعيش حياتك كما يجب لشاب مثلك أن يفعل.

- مصطفى: رأسي يكاد ينفجر.. لكنني لن أسكت على حق أبي.. سألتمس وسيلة أخرى للعقاب.

-  الشامية: لا تعاند الأقدار يا مصطفى.

لم يرد عليها "مصطفى" وتركها وذهب للقاء شيخ العربان "أبوزيد الجعفري". وهو واحد من كبار زبائنه.. كان بحاجة إلى البارود والسلاح الذي يضعه في يد جماعته وأتباعه لتأديب الأمراء والباشوات ورجال البوليس- الذي أنشأه الخديو إسماعيل- ممن يهددون أوضاعهم أو يحولون بينهم وبين الأراضي والثروات التي يضعون أيديهم عليها. رحب "مصطفى" بضيفه الذي سارع إلى القول:

-  الجعفري: المطلوب هذه المرة كبير.

-مصطفى: أنا تحت الأمر يا شيخ العرب.. (ثم بصوت منخفض): عملية جديدة.

-الجعفري (ضاحكاً): نعم.. مجموعة من العصاة نريد تأديبهم.

- مصطفى: تركي أم مملوكي؟.

- الجعفري: تركي.

- مصطفى (ضاحكاً): عفارم.. سأعطيك بضاعة وارد بلاد الإنجليز وبسعر يعجبك.

-الجعفري: تكرم يا كبير التجار.. لكن أريد أن أسألك لماذا تفرح عندما نهاجم الترك أو المماليك؟.

-مصطفي: مكوي بنارهم.. ربنا يزيحهم، عاجلا غير آجل.

-الجعفري: افتروا على ناس كثيرة.

-مصطفى: لهم يوم أسود من قلوبهم.

 كانت أمتع صفقات مصطفى تلك التي يبرمها مع العربان.. وخصوصاً قبيلة الجعافرة التي لم يستطع أحد إخضاعهم، بمن فيهم الوالي الكبير محمد علي.. خلافاً لغيرهم ممن تصالحوا مع السلطة فانضم شبابهم إلى الجيش الذي نظمه الوالي.. أما كبارهم فشغلتهم النفحات التي ينفحهم بها الكبار من حين إلى آخر.

تنهد الجد آدم الكبير ثم قال: "ما أطول عذاب الإنسان حين يقسو قلبه".