رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

أدهم العبودي.. المبدع الساحر

يعتز القاص والروائي النابغ أدهم العبودي بعمله في المحاماة اعتزازا يجاوز كونها مهنته التي "يأكل منها عيشا"؛ والظاهر أنه ليس محاميا عاديا كما أنه ليس بكاتب عادي، من ذلك النوع الذي يتخطاه القارئ بسهولة، وإنما يتمكث قارئه عنده طويلا، ولا يغادره إلا قد تركت السطور فيه آثارها الوافرة الحميمة..
بروح القاص والروائي النابغ، يحكي الأديب الذي وُلِد في الأقصر بجنوب مصر في 17 أكتوبر من عام 1981(على مشارف الأربعين من عمره الآن) حكاياته المثيرة الجذابة في عالم المحاماة المليء بالمغامرات والمفارقات والأحداث المضحكة والمبكية وما دونها؛ يكتسب جمهورا جديدا، فوق محبيه الطبيعيين من جيله والأجيال التي سبقته وتلته، بطريقته الفريدة في سرد حكاياته، ويبدو غرامه بأجواء المحاكم واضحا وافتتانه بظلال القانون صداحا.. أصلا هو يعمل بالمحاماة منذ تخرجه من جامعته، جامعة أسيوط، في عام 2003، يعمل محاميا بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، بالإضافة إلى عضويته باتحاد المحامين العرب.
قبل أن يغادر الأقصر إلى القاهرة، بصفة نهائية، كان أمَّن مستقبله العاصمي فاستأجر شقة في وسط البلد، وافتتحها كمكتب للمحاماة، دعا إليه أصدقاءه هناك، ولولا حبه الذي أشرت إليه آنفا للمحاماة وتمسكه بها ما فعل؛ ففرصه في العمل بالقاهرة لا حدود لها، في الإعلام ودور النشر وسوح المكتبات والهيئات المعنية بالإبداع عموما، فله خبراته العريضة بمجالي الأدب والثقافة، وعلاقاته جيده، بمعنى أنه شخص مُرَحَّب به من الجميع في كل الأحوال! 
وقبل أن يغادر بلده الأصلي كان ترك فيه تاريخا عمليا جميلا؛ إذ أسس نادي القصة هناك، وأسس اتحاد المثقفين المصريين، وأسس، قبلهما، محبته واحترامه في النفوس. أصلا هو عضو نقابة اتحاد الكتاب ومقرر لجنة القصة فيها، لديه إنتاجه الروائي المقدر، ومشهور عنه أنه يباع بكثافة لافتة (كثيرا ما يكون البيست سيلر بمواسم الكتب): باب العبد (2012)، متاهة الأولياء (2013)، الطِّيبِيُّون (2014)، خطايا الآلهة (2015)، الخاتن (2016). صدر له أيضا: جلباب النبي (مجموعة قصصية- 2011) ونوستالجيا (أدب ساخر - 2017). 
تُرجمت أعماله الروائية إلى عدة لغات، وحصل باحثان بجامعة جنوب الوادي على
رسالتي ماجستير عن روايتين له (باب العبد، الطِّيبِيُّون)، واختار المعهد العالي للسينما روايته (الخاتن) كي يدرِّسها لطلابه، كما قام نقاد كبار بإلقاء الضوء على بعض أعماله، لعل من أهمهم الدكتور الراحل شاكر عبد الحميد الذي احتفى بأعماله وقدم قراءات نقديه في بعضها.
نال العبودي عددا من الجوائز الرفيعة محليا وعربيا: جائزة إحسان عبد القدوس في القصة القصيرة (2011)، جائزة الشارقة للإبداع الأدبي في الرواية (2012)، جائزة دبي الثقافية في الرواية (2015)، جائزة النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر في الرواية (2016). وتم تكريمه في مؤتمر أدباء مصر أيضا، ومثَّل بلده الأقصر كشخصية عامة في نفس دورة تكريمه، ويملك مشاركات واسعة بفعاليات في الداخل والخارج. 
يقودنا الحديث عن الأديب النايغ إلى الحديث عن الإنسان الكريم، والكرم إحدى أبرز صفاته التي يعرفها كل من عاملوه، مهما يكن بعدهم أو قربهم، كما أنه جسور ولا يبالي وحقاني وذو مروءة.
لا أعرف لماذا اتخذ صاحبنا قرار الإقامة في القاهرة، بعد أن عاش زمنا طويلا في محل ميلاده الأقصر، وصحيح أن القاهرة بلد منشئه، غير أنه أطال البقاء في الأقصر، تزوج فيها، وأنجب، وتفتحت زهور أولاده، واستقروا بمدارسهم الأقصرية؛ لذا عانى في مسألة الانتقال الكلي إلى القاهرة، وقد كنت واحدا من الشهود على ذلك، أنا ابن منطقته السابق له في الانتقال للعاصمة بظروف تتشابه بعض نقاطها.. لكنني، لعلم عميق بطباعه وتركيبته النفسية، لم أستغربه كما استغربه آخرون كثيرون؛ فهو شخص ألمعي يحسب خطواته جيدا ويتوخى الدقة فيما يتصل بعمله وحياته، مهما بدا مغامرا أو مستهترا كظن الجاهلين بحقيقته!
يرسم أدهم العبودي البورتريه بمحبة وإتقان، له بصمته الشخصية في المجال المدهش وله توقيعه الخاص، ويبدو لي كأنه ساحر الوقت الذي كلما برز للرائين أبهرهم، هو الساحر لا محالة، وهو الراسخ من قبل في إنسانيته ووظيفته وأدبه وفنه، وحساب ما بين يديه من الرقي الشخصي والاستقرار المهني وحصائل المواهب مع ما بداخله من الطاقة المتوهجة الهائلة؛ يؤهله باستمرار لاعتلاء القمة.