رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

العارف.. هنا خلوة الشيخ على جمعة فى رمضان

جريدة الدستور

 

فى رمضان، شهر النفحات الإيمانية، يدخل عدد من شيوخ وعلماء البيت الصوفى فى خلوات، يلتمّسون من خلالها الوصول إلى حالة من الصفاء الروحانى والشفافية، وانتظار العطايا الربانية التى تتنزل عليهم فى صورة إلهامات وكشوفات يستعينون بها على فهم جوهر الحياة والدين، ويبثون تلك التعاليم فى عقول وقلوب تلامذتهم وإخوانهم فى الطريق إلى الله.

وتعد خلوة الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية السابق شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية، أشهر الخلوات المعروفة بين أبناء الطريقة، التى يقضيها داخل مسجد «فاضل» بـ٦ أكتوبر، الذى يشهد توافد المريدين والمحبين إليه، لينهلوا من الأجواء الرمضانية الروحانية المصاحبة لفيوضاته ومحاضراته ونصائحه التى يلقيها على هامش خلوته.

وفى السطور التالية، تستعرض «الدستور» تفاصيل خاصة عن أجواء خلوة الشيخ على جمعة، والبرنامج اليومى الذى ينفذه خلال تلك الفترة، كما تستعرض آراء عدد من العلماء حول آداب وتجليات الخلوة لدى شيوخ الصوفية، والأدبيات الخاصة بأهل الطرق التى تتم مراعاتها خلال تلك الفترة الإيمانية. 

 

الشيخ يقضى الليل فى مناجاة الله والنهار فى قراءة القرآن

يعتبر الدكتور على جمعة من أشهر شيوخ الصوفية فى زمننا الحالى الذين يلتزمون بمبدأ الخلوة خلال الشهر الكريم.

وقالت مصادر مقربة منه إن الشيخ يقضى أيام شهر رمضان داخل الخلوة، للتعبد إلى المولى سبحانه وتعالى، ويقضى وقته فى قراءة القرآن والذكر والدعاء له ولجميع المسلمين بصلاح الأحوال.

وأضافت المصادر أن تلاميذ الشيخ على وأتباع الطريقة الصديقية الشاذلية يلتزمون أيضًا بالخلوة، سيرًا على نهج قطبهم الأكبر الشيخ محمد بن الصديق الغمارى المغربى المدفون فى مدينة طنجة بالمغرب. 

وذكرت أن الشيخ يتخذ من مسجد «فاضل» فى ٦ أكتوبر مكانًا لخلوته خلال شهر رمضان، ويقوم الليل كله يناجى المولى سبحانه وتعالى، ثم يخلد إلى النوم فى صباح اليوم التالى، ثم يستيقظ ويواصل برنامجه اليومى، الذى يتمثل فى قراءة القرآن الكريم، حيث يختم قطب الشاذلية القرآن خلال الشهر.

ولفتت إلى أن الخلوة تمثل للدكتور على جمعة وكبار شيوخ التصوف حالة إيمانية وروحانية مقدسة، مشيرة إلى أن الخلوة عند الصوفية تعتبر وقاية للروح والجسد من الذنوب والمعاصى وغير ذلك من الأمور.

وقالت إن الشيخ على دأب على هذه الخلوة، ولا يتحدث مع أحد بشأن تفاصيلها، حيث يعتبر من أهم واجبات الخلوة عند الصوفية عدم المجاهرة بهذا الأمر، وقد دأب على هذا الطقس منذ أخذ العهد على يد شيخه المغربى محمد بن الصديق الغمارى.

ونوهت إلى أن الدكتور على جمعة يعتبر الخلوة واجبًا مقدسًا طوال أشهر العام، ولكنها تختلف فى شهر رمضان على وجه الخصوص، لأنه شهر فرض الله فيه على عبده الصيام والقيام والتقرب إليه.

 

 تختلف عن الاعتكاف.. و٢٦ شرطًا لدخولها أبرزها قلة تناول الطعام

قال خالد الشناوى، الباحث الإسلامى، إن الخلوة أمر متعارف عليه عند العلماء والشيوخ ذوى التوجه الصوفى، فلا يوجد شيخ أو عالم له خلفية صوفية إلا ويطبق الخلوة، سواء أكان ذلك فى شهر رمضان المعظم أو غير هذا الشهر.

وأضاف «الشناوى» أن الغالبية العظمى تحبذ إقامة الخلوة فى رمضان، للبعد عن شهوات الطعام والشراب وغيرها من الأمور، فتكون الخلوة فى هذا الشهر بمثابة الجائزة الكبرى، لافتًا إلى أنه يوجد اختلاف كبير بين خلوة كبار رجالات الصوفية من الشيوخ والأقطاب وخلوة المريدين، حيث إن خلوة الأقطاب أصعب بكثير من الخلوة الخاصة بالمريد، فالكثير من الخلوات الصوفية التى يختلى فيها مشايخ الطرق بالأسابيع والأشهر يذكرون الله فيها ليل نهار، بعيدًا عن مريديهم وأتباعهم.

وذكر أن من أبرز الشيوخ الذين يلتزمون بالخلوة وذكر الله الدكتور على جمعة، والشيخ محمد مهنا، شيخ مقدم الطريقة المحمدية الشاذلية، وله خلوة صوفية أسفل مسجد الإيمان بالمقطم، والشيخ محمد عبدالخالق الشبراوى، شيخ الطريقة الشبراوية، وله خلوة فى مسجده بصلاح سالم، والشيخ سيف الدين الكردى، وله خلوة فى مسجد الكردى مقر طريقته، والشيخ سالم الجازولى، شيخ الطريقة الجازولية، وخلوته فى جبل حميثرة بالبحر الأحمر، والشيخ يسرى جبر، مقدم الطريقة الصديقية، وخلوته فى المقطم.

من جهته، قال الدكتور سيد مندور، نائب الطريقة السمانية الخلوتية، إن الخلوة أمر مقدس عند كبار رجال التصوف الإسلامى، والدكتور على جمعة قطب طريقته، والخلوة بالنسبة له أمر ضرورى وواجب.

وذكر «مندور» أن غالبية رجال التصوف من الشيوخ الربانيين يقومون بواجب الخلوة، وهذا يعلمه القاصى والدانى فى الطرق الصوفية، وتأدية الخلوة فى شهر رمضان أعظم بكثير من تأديتها والقيام بها فى أى شهر آخر، لأنه فى رمضان الجسد يصوم عن الطعام والشراب، مما يجعل العبد مهيئًا للدخول إلى الخلوة وممارسة طقوسها وفروضها.

وبيَّن أن الفرق بين الخلوة والاعتكاف واضح جدًا، فالخلوة تكون مبيتة بنية مسبقة لكن الاعتكاف معروف، ينظم خلال شهر رمضان فقط والفرد لا يكون وحده، بل مع جماعة من الناس، والخلوة تكون زهدًا وتقشفًا وعبادةً، وهى مختلفة تمامًا عن الاعتكاف، ولا يقوم بها إلا كبار الزاهدين من أهل الصوفية.

وذكر الشيخ طلعت مسلم، الداعية الصوفى، أن للخلوة شروطًا وواجبات معينة عند أهل الصوفية، سواء أكانت فى شهر رمضان المعظم أو فى أى شهر آخر من شهور العام، وتشمل ٢٦ شرطًا كما ذكرها كبار العلماء.

وأوضح أن من أهم الشروط أن يعوّد الشيخ أو المريد نفسه قبل دخولها على السهر والذكر وقلة الأكل والعزلة والصيام إذا أمكن، وأن يكون دخول الخلوة بحضور الشيخ ومباركته له وللمكان أيضًا، وأن يدخلها كما يدخل المسجد مبسملًا متعوذًا بالله تعالى من شر نفسه، مستعينًا مستمدًا من أرواح مشايخه بواسطة شيخه المباشر.

ومن بين الشروط أن يعتقد عند دخوله الخلوة أن الله تعالى ليس كمثله شىء، وألا يتلهف كثيرًا على كثرة ظهور الكرامات، وأن يكون غير مستند إلى جدار الخلوة ولا متكئًا على شىء، مطرقًا رأسه تعظيمًا لله تعالى، مغمضًا عينيه، ملاحظًا قوله تعالى: «أنا جليس من ذكرنى»، ثم يجعل خيال شيخه الحى أو المتوفى بين عينيه، فإنه معه وإن لم يره المريد، وأن يشغل قلبه بمعنى الذكر على قدر مقامه.

وتضم أيضًا أن يراعى معنى الإحسان وأن يعبد الله كأنه يراه، وأن يداوم الصوم؛ ليصفو القلب، وأن تكون الخلوة مظلمة لا يدخل فيها شعاع الشمس وضوء النهار، فيسد على نفسه طرق الحواس الظاهرة، وسد طرق الحواس الظاهرة شرط لفتح حواس القلب، ودوام الضوء لتلألؤ الأنوار فيها بعد ذلك، دوام السكوت إلا عن ذكر الله تعالى  إلا عند الضرورة القصوى فيتكلم بحذر شديد، وأن تكون الخلوة بعيدة عن حس الكلام وتشويش الناس عليه، لتوفير الهدوء والسكينة خلال الخلوة. 

وتابع: «إذا خرج المختلى للوضوء والصلاة، يخرج مطرقًا رأسه إلى الأرض غير ناظر إلى أحد، ويحذر كل الحذر نظر الناس إليه، مغطيًا رأسه ورقبته بشىء؛ لأنه ربما يتعرض للعرق من الذكر فيلحقه الهواء فيضره، وأن يحافظ على صلاة الجمعة والجماعة، وإذا خرج لصلاة الجماعة فليتأخر حتى يكبر الإمام تكبيرة الإحرام فإذا انتهى من الصلاة رجع فورًا إلى خلوته.

واستشهد بقول الإمام «السهرورى»: «وقد رأينا من يتشوش عقله فى خلوته، ولعل ذلك لشؤم إصراره على ترك صلاة الجماعة»، والمحافظة على الأمر الوسط فى الطعام لا فوق الشبع ولا الجوع المفرط.

وقال إن من الشروط أيضًا ألا ينام إلا إذا غلبه النوم ونفى الخواطر عن نفسه خيرها كانت أم شرها، والبعد عن تلبيسات النفوس وخداع الشيطان، وكذلك الإخلاص وحسم مادة الرياء، وألا يحدد مدة يخرج بعد كمالها، فإن النفس يصير لها بذلك تطلع إلى انقضاء المدة، بل يدخلها وهو يحدث نفسه بأنه قد انتهى من الحياة ودخل القبر.

هدفها أن يتحول المسلم إلى عبد ربانى

 

يهدف المتصوف من الخلوة لأن يتحول من مسلم عادى إلى عبد ربانى، عملًا بالحديث الشريف الذى يقول «وما زال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، وقدمه التى يمشى بها، وإذا سألنى لأعطينه، وإذا استغفرنى لأغفرن له، وإذا استعاذنى لأعيذنه»، ووفقًا لهذا الحديث يعتقد الصوفية أن الخلوة تجعل المريد يتحول لعبد ربانى وتظهر له كرامات وعجائب إذا كان من المطلوبين عند الله تعالى.

ويسعى الفكر الصوفى فى كل مكان لتلبية حاجة سامية من حاجات النفس البشرية، ألا وهى النزوع نحو السعادة والكمال، وإن اختلف التعبير عن هذه الفكرة وعن طرق بلوغها، ولكنها فى كل الحالات اتخذت الدين، والذات الإلهية بالتحديد، منطلقًا لها، لأن الإنسان بقواه الفكرية والجسدية المحدودة، غير مؤهل لأن يكون هو غاية الحياة لأن مصيره الفناء.

والفكر الصوفى يرى أن الإنسان، على ضعفه، يمثل طورًا من أطوار الإلوهية، وعلى السالك أن يتجاوز كل ما يحول دون ارتقائه فى تلك الأطوار، وإلا فمصيره الفناء المطلق، لذلك قالوا: إن طريق الصوفى ما هو إلا محطات يقطعها السالك ليصل إلى السعادة فى الاتحاد بالله، والخلوة عند الصوفية لها قواعد وأصول، لا تختلف كثيرًا عن الرهبنة فى المسيحية، فالاثنتان هدفهما واحد، وهو العمل على طاعة الله والبعد عن شهوات وملذات الدنيا.