رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

محمد عبدالعزيز يكتب : إنهم السادة يا سادة.. الإمام الشافعي



إنه طالب العلم المهاجر الرحال وهو الإمام الذي أسس علم أصول الفقه، يقول عنه الإمام أحمد: "ليس هناك أحد يكتب شيئا في أي علم إلا للشافعي فضل عليه.. إن الله قصر في عمره و لكن قدم له في عقله".
يعود نسبه الشريف إلى نسب الرسول صلى الله عليه وسلم فهو هو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي، ولد عام 150هـ وتوفى عام 204، كان جده مشركًا وحارب ضد الرسول وتم أسره في معركة بدر، ولكنه لما رأى حسن تعامل المسلمين مع الأسرى دخل الإسلام وحسن إسلامه.
اشتد الفقر على الناس فهاجر أبوه إلى فلسطين طلبا للرزق فولد الشافعي في غزة، ولكن مات أبوه بعد ميلاده بسنتين فتولت أمه تربيته، ودعت الله أن يصلح الله به الأمة وأن يجمع شمل الأمة به، عادت به إلى مكة المكرمة ووجهته إلى بعض حلقات العلم فحفظ القرآن الكريم، لم يكن مع أمه من المال ما يكفي لتدفع لشيوخه في الكتاب فنصحته أمه بملازمة بعض الطلاب الأغنياء في حلقات الدرس ليلتقط من الشيوخ ما يلقنونه لهؤلاء الطلاب وأخذ الشافعي بنصيحة أمه الواعية حتى صار يدرس لزملائه حال غياب شيخه حتى إن أحد شيوخه جعل أجرته نظير تدريسه للشافعي هي تدريس الشافعي للطلاب عند غيابه.
حفظ الشافعي القرآن وجوده في الثامنة من عمره وفي سن الثالثة عشرة حفظ الحديث الشريف على يد إمام الحرم مسلمة بن خالد، كانت عنده مشكلة في توفير ثمن الورق الذي يكتب عليه ما يسمعه من أهل العلم فنصحته أمه أن يذهب عند بيت الوالي ليجمع الورق الزائد الذي يكتب عليه الناس الشكاوى للوالي أو الأوراق المكتوب عليها ليكتب على ظهرها، فلما لم يكفه هذا مضت به أمه إلى حيث تذبح الإبل فكانت تجمع عظم كتف الإبل وتجففه ليكتب الإمام عليه، الأمر الذي جعله موضع سخرية زملائه من أبناء الأغنياء فهم يحملون الكراريس بينما هو يحمل عظم الحيوانات ليكتب عليه ولكن سخريتهم لم تزده إلا إصرارا على تلقي العلم.
وفي عمر الثالثة عشرة التقى بالإمام الليث بن سعد الذي جاء من مصر للحج فجلس يحدث الناس وتلقى الشافعي العلم على يديه ذهبت به أمه إلى قبيلة هذيل وأقام بها أربعة سنوات حيث تعلم هناك اللغة والرماية وكان الشافعي شديد الحفظ فإذا فتح الكتاب كانت تتداخل الصفحتان في الحفظ فكان يضع يده على الطرف الثاني للكتاب لكيلا يحدث له هذا التداخل . يقال إنه نظر ذات مرة إلى طرف كعب امرأة فبدأ ينسى ما يحفظ فشكى إلى أستاذه- أو صديقه- وكيع وفي هذا قال أبياته الشهيرة:
- شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي.
- وقال أعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي.
حين ظهرت نجابته واشتهر بالعلم والذكاء طلب منه الناس أن يفتيهم، لكن أمه رفضت أن يكون له ذلك قبل أن يتلقى علم الإمامين مالك وأبوحنيفة، فأخذ يدرس "موطأ" الإمام مالك فحفظه كاملاً في اثني عشر يومًا إذ لم يكن معه مالا ليشتريه و لهذا استعاره من أحد زملائه فحفظه في تلك المدة القصيرة.
وسط وإلى مكة ليتمكن من تلقي العلم على يد الإمام مالك فكتب له رسالة ليسعى أمير المدينة معه ويكون شفيعه عند الإمام مالك وسعى بالكتاب إلى والي المدينة فمضى به الوالي إلى الإمام مالك فرفض الإمام مالك أن تكون هناك وساطة في العلم وألقى بالرسالة، فتحدث الشافعي إلى الإمام مالك وأخبره أنه يتيم رهن بيته ليتلقى العلم حفظ القرآن والتفسير والموطأ فمال الإمام إلى الشافعي لما رأى فيه نجابة وذكاء وحفظًا ونورا في وجهه فقبله تلميذا له وفي تسع سنوات لازم الشافعي مالك حفظ خلالها علم الإمام مالك كاملا واستأذن الشافعي إمامه ليتلقى علم الإمام أبوحنيفة في العراق فزوده مالك بالمال الذي يعينه على ذلك، وقال في كثرة أسفاره لتلقي العلم:
-  سأضرب في طول البلاد وعرضها أنال مرادي أو أموت غريبـا.
- فإن تلفت نفسي فلله درها وإن سلمت كان الرجوع قريبا.
مضى إلى اليمن فتعلم هناك أيضًا وقبض عليه ونقل إلى الخليفة هارون الرشيد فعرف الرشيد مكانته ومقامه ووعظه فقبل الرشيد رأسه أمام الحضور ثم وهبه الرشيد خمسين ألف درهم وأخذ يجمع علم الإمام أبي حنيفة وبعدها بدأ يؤلف كتاب الرسالة في علم أصول الفقه، عاد إلى مكة وأخذ على عاتقه مهمة التقريب بين أصحاب المذاهب وفي سن الخمسين قرر الذهاب إلى مصر ومكث بها سنتين ألف فيهما عددا كبيرا من الرسائل والكتب ودرس للناس في جامع عمرو بن العاص، فانتشر خبره بين المصريين وزادت محبتهم له.
مرض الإمام في آخر حياته فأراد أن يذهب إلى الإسكندرية ليرابط في قتال المسلمين ضد الرومان، دخل المزني عليه وهو في مرضه الأخير فسأله: كيف أصبحت يا أبا عبدالله؟ فقال له:
- أصبحت من الدنيا راحلا وللإخوان مفارقًا ولسوء عملي ملاقيًا ولكأس المنية شاربًا وعلى الله واردًا ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها أم إلى النار فأعزيها
وهكذا مضت حياة الإمام الشافعي بين تلقي العلم وتعليمه للناس مؤكدا بصورة عملية ما قاله شعراً:
- تعلم فليس المرء يولد عالما وليس أخو علم كمن هو جاهـل.
- وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه الجحافل.
- وإن صغير القوم إن كان عالما كبير إذا ردت إليه المحفل.