رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«استرخ».. كلمة أبهج أديب التي تحولت لأشهر مقالات أحمد خالد توفيق

أحمد خالد توفيق
أحمد خالد توفيق

في حديث سابق للراحل أبهج أديب صديق طفولة أحمد خالد توفيق مع الدستور ذكر فيه بعض المواقف من طفولة العراب الراحل.

قال أديب إن خالد توفيق لم يكن يحب الرياضة بجميع أنواعها، وكان يكرهها جميعا وفي فترة سابقة لم يكن يتابع أي رياضة سوى بعض المباريات العالمية، أو الدوريات الأوروبية.

يكمل أديب، عبثأ حاولنا تعليمه أي شيء، في مرة مثلا حاولنا تعليمه ركوب الدراجة، وبمجرد أن يضع قدماه على بدالي السرعة حتى نقول له استرخ وبهدوء، وباءت كل محاولاتنا بالفشل.

يكمل أديب، وغيرها الكثير ففي مرة حاولنا لعب تنس الطاولة وأن يكون شريكا لنا في اللعب، فأمسك بالمضرب فقال لي ماذا أفعل، فقلت له "استرخ" فضحك بقوة.

وبسبب هذه الأفعال فإن الكلمة ظلت تدوي في رأس أحمد خالد توفيق حتى قام بكتابة مقال عنها، ونشر كاملا في كتابه الصادر عن دار كيان للنشر والتوزيع تحت عنوان “استرخ من فضلك”.

يقول خالد توفيق في مقاله:" فشلت تماما في طفولتي ومراهقتي أن أتعلم قيادة الدراجات، أنت تجلس على المقعد ويداك على المقود وهناك من يمسك بك من الخلف يدفعك بضعة أمتار ثم يقول لك".

- "هيا!"

ويتركك تندفع للحظة حاسباً أنك فهمت اللعبة وصرت ملكاً أو نسراً محلقاً، في اللحظة التالية انت على الأرض تنزف من عدة مواضع وكل عظامك مهشمة، بينما من كان يعلمك يقول لك

-" أحمق! .. كان يجب أن تسترخي!.. لا تشد نفسك تصرف كأنك كنت تفعل هذا طيلة حياتك!"

الاسترخاء!.. هذا الفن الذي لم أستطع قط فهم مفاتيحه ولا ممارسته بنجاح، لكن من الواضح أنك لا يمكن ان تفعل أي شيء في هذا العالم من دونه، انا من الطراز العصبي الذي لا ينام قبل أن ينهض عشرين مرة ويشد سروال منامته على بطنه عشر مرات، ولو وجد تجعيدة واحدة في الملاءة فهي النهاية.. لا أجلس للقراءة إلا وأسعل عشرين مرة وأنهض ألف مرة.. شخص مثلي لا يُمكن أن يسترخي..

الآن يأتي دور تعلم السباحة.. أنزل في الماء واستعد.. هنا يقول لي المدرس السباحة:

- " استرخ"

أنظر له في شك.. استرخاء هنا ايضاً؟.. مطلوب مني أن أسترخي إلى حد التحول إلى قطعة خشب طافية أو جثة غارقة.. أجرب هذا فأكتشف انني انزلق لأسفل بلا توقف.. فجأة صار رأسي يلامس القاع وقدماي في الهواء.. هكذا أجرب مئات المرات حتى نجحت في أن أطفو كالطحالب، وقد اعتبر المدرس هذا نصراً مؤزراً..

-"مشكلتك هي أنك لا تسترخي بما يكفي.. لو فعلت هذا لحملك الماء حملا"

فلأجرب رياضة مثل التنس قررت أن ألقي بالمضرب وأرحل لو طلب مني المدرس أن أسترخي.. لكنه لم يقلها لحسن الحظ.. راح يشرح لي طريقة تلقي الضربات وصدها، ثم قال ضاحكاً:

"نلعب الآن مباراة قصيرة معاً.."

حمدت الله على أن هذه أول رياضة تحتاج إلى شخص متوتر عصبي يثب مترين في الهواء لو عوى كلب جواره، وضحكت ورفعت المضرب.. هنا قال المدرب بنفس الضحكة المعسولة:

-"والنصيحة الأخيرة لك هي أن .. تسترخي!"

هكذا ألقيت المضرب على الأرض وأنصرفت

مادامت كل الرياضات ترغمك على الاسترخاء فلابد أن الرياضات هي هواية الكسالى، لابد أن ما يناسبني هو الاندماج في العمل أكثر..

لما تخرجت صرت طبيباً.. جربت أن أمارس الجراحة، ووقفت فخوراً لأول مرة في حياتي أمام جرح مفتوح في بطن مريض بالتهاب الزائدة الدودية.. مددت إصبعي لأستخرج الزائدة، فقال الطبيب المقيم المسؤول عن تدريبي:

-"أهم شيء يجب أن تتقنه في الجراحة هو الاسترخاء!.. تنفس من فمك بهدوء واخرج كل هذا التوتر!.. سوف تجد أن الجرح يغلق نفسه بنفسه!"

كنت أحسب الجراحة هي فن المتوترين، فأتضح أن الاسترخاء اللعين يطاردني هناك.. توتر كما تريد قبل الجراحة، لكن عندما تقف هناك على يمين المريض ويداك تمسكان بالمبضع فأنت فنان هادئ الجنان..

قررت أن أتعلم مناظير الجهاز الهضمي الضوئية، فكان أول درس تلقيته هو أن الاسترخاء مهم جداً.. سوف يجد المنظار طريقه بنفسه.. التوتر يجعل الأمر عسيراً ويدمي معدة المريض..

طبعاً لابد من الاسترخاء في قيادة السيارات.. قال لي أحد مدربي القيادة إن علي أن أريح ساعدي على النافذة اليسرى وأمسك المقود بيد واحدة في استرخاء. هذا بالطبع يتناقض مع كل ما نعرفه عن وضع الإمساك بعجلة القيادة، دعك من أنه خطأ.. المرة الأولى التي استرخيت فيها بهذا الشكل هشمت مؤخرة السيارة التي كانت امامي موشكة على الانحراف لليسار.. للأسف لم يكن سائقها مسترخياً مثلي..

هكذا قالوا لي إن علي أن اتعلم الاسترخاء قليلاً قبل أن ينفجر رأسي.. نصحني العالمون ببواطن الأمور بأن أدرس فلسفة (زن) اليابانية، بينما أهداني أحدهم كتاباً عن اليوجا حجمه يقرب من حجم الخروف الصغير، شعرت بتوتر عندما فكرت في أن علي قراءة هذا كله.. لكن لابد منه..

يبدو لي أن الحياة أعدت خصيصاً لمن يسترخون.. لا مجال لأمثالي. فتحت الكتاب وبدأت أقرأ الفصل الأول:

-" قبل أن تدرس اليوجا يجب أن تسترخي.. تسترخي إلى أقصى حد!"

هذا يعني أن علي أن أسترخي كي أتعلم طريقة الاسترخاء.. هكذا تخلصت من الكتاب بكثير من العصبية، وجلست لأكتب هذا المقال، على الأقل لم تطالبني إدارة هذه المجلة الغراء بأن استرخي قبل أن أكتب مقالي وأدعو الله ألا يفعلوا.