رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الرقمنة خلقت حالة من الطمأنينة بمعرفة طبيعة كورونا

عزة محمد شبل: الرقمنة أتاحت الفرصة لإعادة إحياء التراث الشفاهي من منظور عصري (حوار)

عزة محمد شبل
عزة محمد شبل

عزة محمد شبل هي أستاذة اللغويات المساعدة بقسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، عضو لجنة التحكيم في جوائز الدولة التشجيعية التي قدمتها وزارة الثقافة عام 2019، ومحكم خارجي في عدد من المجلات العلمية الدولية، وعضو لجنة خبراء مفوضية اللغة العربية بجامعة القاهرة، وصاحبة العديد من الدراسات والأبحاث الأكاديمية والتي جاء على رأسها كتاب «من الجمهور من الشفاهية إلى الرقيمة» حول  الدور البارز الذي لعبته وتلعبه الرقمنة في راهن ما نعيشه من أزمات وعلى رأسها جائحة كورونا.

في السطور التالية تحاور «الدستور» عزة محمد شبل حول كتابها الجديد ودور الرقمنة في المجتمع بشكل عام ودورها كذلك في إثراء المشهد الثقافي والإبداعي العربي.

ما الأسباب التي دفعتك للاشتغال على موضوع هذا الكتاب؟

هناك العديد من الدراسات الآن على الساحة تتناول تحليل خطاب الجمهور من وجهات نظر مختلفة؛ حيث إن وسائل التواصل الاجتماعي الآن أصبحت تخلق مناخًا جمعيًّا عامًّا، وتجعل الفرد منساقًا إلى حد كبير وراء السلوك الجمعي المتكرر على صفحات التواصل الاجتماعي. فالتكرار وفقًا للنظريات العلمية الحديثة يعدُّ من أهم عوامل تشكيل الوعي الجمعي للأفراد.

وإذا نظرنا للثقافة العربية على امتداد عصورها سنجد حضور الجمهور بشكل لافت بدءًا من الثقافة الشفوية في العصر الجاهلي، وفكرة الأسواق الأدبية، وظهور فن الخطابة بأنواعها الاجتماعية والدينية السياسية المستهدفة جمهور بعينه، وإذا ما انتقلنا إلى القرن الرابع الهجري وجدنا ظهور فن المقامات على يد بديع الزمان الهمذاني، الذي انتشر وذاع صيته، وأصبح الأدباء يحاكونه في كل الأمصار، في المشرق، وفي الأندلس، وفي مصر، فكان هناك مقامات الحريري الأدبية، ومقامات السيوطي، ومقامات الحريزي، وحكايات الشطار، أو فن البيكاريسك في الأندلس، وغيرها من المقامات. وفن المقامات يعد من الفنون التي تخاطب الجمهور بالدرجة الأولى، فالمقامة حكاية تحكي في جلسة واحدة، وتؤدي أغراضًا كثيرة، أهمها نقد سلبيات في المجتمع، وتحقيق عنصر التسلية والفكاهة. 

أما الفن الجماهيري بامتياز، فهو ذلك الفن الذي تنتجه الجماعة الشعبية، وفقًا لاحتياجات العصر، وهو السير الشعبية، ذلك الخطاب الذي تنتجه الجماعة؛ لتعبر عن فكرة البطل الجمعي، وسماته، وكيف يقضي على الخصوم، ويلهب فن السيرة مشاعر الجمهور بما يقدمه من مزج لعوالم الغرائب والعجائب داخل العالم الواقعي للبطل الشعبي، وما تحيكه من أجواء حكائية تحلق في عالم الأساطير، إلا أنها تعود لا تفارق أرض الواقع.

وهكذا استمرت الأنواع الأدبية من شعر ونثر، ومن تأليف فردي، وتأليف جماعي، ومن أدب رسمي وأدب شعبي تغازل الجمهور؛ لتعبر عن وظائف تواصلية متعددة على مر العصور، ثم في الآونة الأخيرة وجدنا ظهور أنواع أدبية جديدة استفادت استفادة كبيرة من التكنولوجيا، فراح يظهر على صفحات التواصل الاجتماعي ما يسمى بالأدب الرقمي، وراحت الدراسات من مختلف العلوم تدلي بدلوها في الكشف عن سمات هذا الأدب ووظائفه في المجتمع من وجهات نظر جمالية، واجتماعية، ونفسية، وباتت تدرس أثره على الفرد، وما يلبيه من احتياجات العصر. من هنا جاءت فكرة هذا الكتاب التي تتناول استعراض أهم المحطات الرئيسة التي مرت بها الثقافة العربية من مرحلة الشفاهية حتى مرحلة الرقمنة.

حول الرقمنة ودورها المؤثر في حياتنا، هل نحن مجتمعات استهلاكية لمفهوم الرقمنة، وهل مفهوم الرقمنة فتح المجال لقطيعة مع تراثنا الشفاهي وخلق مفردات حداثية؟  

الرقمنة متطلبات عصر لا يستطيع شعب من الشعوب الانسلاخ منها أو العيش بعيدًا عنها، فهي طور طبيعي من أطوار الحياة.

ولا أستطيع القول بأننا من المجتمعات الاستهلاكية لمفهوم الرقمنة، لأن إطلاق الأحكام ليس من المعقول دون وجود دراسات وإحصائيات ومقارنات توضح نسبة استخدام الرقمنة في المجتمع، وشيوعها بين شرائح معينة، وما الشرائح الأعلى استخدامًا، وأظن أنها ستكون شريحة الشباب، وشريحة الأطفال أيضًا. 

أما بالنسبة لمفهوم الرقمنة وهل فتح المجال لقطيعة مع تراثنا الشفاهي، وخلق مفردات حداثية جديدة، فإنني أرى على العكس تمامًا، فقد أتاحت الرقمنة الفرصة لإعادة إحياء التراث الشفاهي من منظور عصري، وقد ساهمت وسائل التكنولوجيا في ذلك بشكل كبير، فراينا العديد من فنون الشعر والحكي يُعاد تقديمها على صفحات التواصل الاجتماعي مستفيدة من تقنيات المونتاج والسينما، ورأينا القصائد المسموعة والمصورة، والحكي المصور الذي أصبح حاسة الرؤية والسمع لدى المتلقي، وليس القراءة فقط لما هو مكتوب، بشكل يجذب بدرجة كبيرة، معتمدًا على الألوان والموسيقى والحركة، والتجسيم، وغيرها من وسائل الإخراج الحديثة.

ماذا عن دور الرقمنة في الأزمات وكيف لعبت دورًا مهمًّا وبارزًا في جائحة كورونا؟

لا شك أن الرقمنة لعبت دورًا كبيرًا ومهمًا في نشر التوعية الصحية، وخلق حالة من الطمأنينة بمعرفة طبيعة ذلك الوباء العالمي، وكيفية التعامل معه.

ولكن الأمر اللافت للنظر، والذي يجب التأكيد عليه هو أن الشعب المصري شعب له طبيعة خاصة على مر العصور، وقد رأينا ذلك على مدار فترات الأزمات كيف استطاع التغلب عليها وتحقيق النصر، وتعد الفكاهة أحد وسائل المقاومة الشعبية. الفكاهة ليست مجرد وسيلة للتسلية، وإنما الفكاهة للشعب المصري سمة من سمات المجتمع، ويظهر دورها في وقت الأزمات، فهي المعادل النفسي لوجود الأزمة، وإخراج المصري للنكتة والفكاهة والسخرية، والكوميكس يعد شكلاً من أشكال المقاومة، والتفريغ النفسي الانفعالي؛ لذا رأينا أنه في فترات اشتداد أزمة كورونا باتت الكوميكس تظهر بصورة كبيرة جدا، وأصبح تقريبا كل حدث جديد، وكل خبر جديد يصاحبه كوميكسات عديدة، وهذا يعكس حالة القلق والتوتر التي عاشها أفراد المجتمع، وحاولوا التغلب عليها بإنتاج الكوميكس التي راحوا يتفننون في إنتاجها بالاستعانة بكل مظاهر الكوميديا من الثقافة الموروثة، من الأفلام الكوميدية، ومقاطع المسرحيات الكوميدية، ووجود شخصيات كوميدية، ومواقف متكررة سجلتها الذاكرة الجمعية، فأصبحت الفكاهة والنكتة أحد أهم وسائل المقاومة في الأزمات، وقد ساعد على ذلك سرعة انتشارها على صفحات التواصل الاجتماعي، وسهولة إنتاجها، فأصبح أى فرد يستطيع عمل نكتة أو كوميكس. 

كيف يمكن للرقمنة أن تلعب دورًا في إثراء المشهد الثقافي والإبداعي العربي مع العلم أن مصر أول من قام بعمل مؤتمر أدبي عربي حول الأدب الرقمي؟ وهل هناك جديد في هذا المجال؟

الرقمنة بالفعل أصبحت الآن تلعب أدوارًا كثيرة في إثراء المشهد الثقافي والإبداعي العربي، ليس فقط على مستوى المؤتمرات التي باتت تعقد حول الأدب الرقمي، ولكن كما قلنا، فلقد تسببت جائحة كورونا في فرض سيطرة الرقمنة على مستوى العالم كله، في جميع المجالات، فأصبح التعليم عن بعد، وأصبحت الندوات والمؤتمرات تعقد بشكل أيسر وربما أفضل بشكل غير مكلف ومؤديًا الهدف الأساسي من التواصل، وتنعقد المسابقات الشعرية والأدبية والثقافية بشكل دائم، وأصبح التواصل عن بعد سمة حياتية اعتاد عليها الناس، وأتوقع أنها ستستمر حتى بعد انقشاع وباء كورونا بإذن الله. 

WhatsApp Image 2021-04-18 at 2.35.03 PM
WhatsApp Image 2021-04-18 at 2.35.03 PM

WhatsApp Image 2021-04-18 at 2.34.33 PM
WhatsApp Image 2021-04-18 at 2.34.33 PM

WhatsApp Image 2021-04-18 at 2.37.29 PM
WhatsApp Image 2021-04-18 at 2.37.29 PM