رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

خالد الطوخى يكتب: مصر تواجه «الشح المائى»بتطبيقات التكنولوجيا الحديثة

كنت وما زلت وسأظل على يقين تام من أننا ومن خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة وتطويعها بالشكل الصحيح، قادرون على تجاوز جميع الصعاب وتخطى الأزمات مهما كانت حدتها، ومهما كانت تبدو صعبة ومعقدة ومتشابكة.

ويؤكد هذا الاعتقاد الذى أردده دائمًا ما قاله المهندس محمد غانم، المتحدث باسم وزارة الموارد المائية والرى، مؤخرًا فى تصريحات صحفية مهمة له، حول مشكلة نقص المياه التى نعانى منها، فما جاء فى هذه التصريحات أمر فى منتهى الأهمية، وجدير بأن نتوقف أمامه طويلًا بالبحث والدراسة المتأنية، وألا نمر أمامه مرور الكرام. ففى تقديرى الشخصى هذا الكلام يضع أيدينا على مسألة فى غاية الأهمية، وهى أننا قادرون بإذن الله على تخطى المرحلة الصعبة وتجاوز مشكلة ما يعرف بـ«الشح المائى»، تلك المشكلة التى تشير بعض الدراسات المتخصصة إلى أننا نسير نحوها بشكل سريع ما يتطلب وبشكل عاجل أن نتخذ جميع الاحتياطات التى من شأنها تجاوز هذه الأزمة.. فحسب تصريحات المتحدث باسم وزارة الموارد المائية والرى، فإن مصر تواجه شحًا مائيًا نتيجة الزيادة السكانية والتغيرات المناخية، وهو ما يستلزم من الدولة اتخاذ إجراءات جديدة ومختلفة حتى تتمكن من نشر ثقافة الترشيد فى عملية استخدام المياه، مشيرًا إلى أن منظومة الرى الحديث إحدى أهم الأدوات التى نسعى لها ونحاول تعميمها لترشيد استهلاك المياه.

وهنا فإننى أتوقف أمام ما يسمى بمنظومة الرى الحديث، تلك المنظومة التى تتضمن العديد من النظم، ولكن أكثرها شيوعًا ما يعرف بالرى بالتنقيط، الذى تبذل الدولة قصارى جهدها من أجل تعميمه الآن، وعلى وجه الخصوص فى الأراضى القديمة، فهذه التجربة للتحول إلى الرى الحديث أثبتت بالفعل نجاحها فى جميع الأراضى التى تم تنفيذ الرى الحديث فيها، وثبت بالدليل القاطع أنه يسهم فى ترشد المياه وتزيد من الإنتاجية المحصولية بحوالى ٣٠٪، وبالتالى فإن ذلك ينعكس على ربحية المزارع، حيث مثل له ذلك أحد أهم مصادر المكسب الاقتصادى، كما أن فى نظام التنقيط توفيرًا للطاقة وللسماد وللعمالة، حيث يستخدم ٤٠٪ فقط مما كان يستخدمه فى الرى بالغمر، وهو ما ينعكس اقتصاديًا وبكل تأكيد على المزارع، هذا بالنسبة لأنظمة الرى الحديث التى بدأت الدولة بإجراءات حثيثة للتوسع فى تطبيقها فى الأراضى القديمة.

وعلى الجانب الآخر فهناك تطبيقات للرى الذكى متعددة ومتنوعة، ولكننا نتحدث عن التطبيق شديد البساطة الذى تحاول الدولة تعميمه بين المزارعين، وهذا التطبيق عبارة عن مقياس الرطوبة، وهو جهاز يدوى يتم وضعه داخل التربة وهذا الجهاز بسيط جدًا ويساعد الفلاح على معرفة الكثير من التفاصيل المتعلقة بدرجة رطوبة التربة، فهذا الجهاز وحسبما أعلنت عنه وزارة الموارد المائية والرى مكون من ٣ درجات «جافة- مشبعة- متوسطة الرطوبة»، فهذا الجهاز قادر وبكل سهولة على أن يحدد مدى احتياج النبات، فلو كانت الرطوبة جافة سيعرف المزارع أنه لا بد أن يبدأ فى عملية الرى، ولو مشبعة سيعرف أن الأرض مملوءة بالمياه، وبالتالى لا بد من إيقاف عملية الرى على الفور، لأن استمراره فى ضخ المياه لا فائدة منه، بل إنه إهدار للمياه بلا داعٍ، وهنا تكمن قيمة وأهمية هذا التطبيق، فالمزارع قبل ذلك كان يعتمد على خبرته الذاتية فى تحديد متى يقوم بعملية الرى ومتى يتم الانتهاء منها، لكن هذا الجهاز يمكنه بدقة شديدة من تحديد ذلك بشكل عملى، وبالفعل التجارب التى أجريت لقياس دقة التطبيق أثبتت أن المزارع أحيانًا كان يروى أكثر من احتياجه، لكن بمقياس الرطوبة يمكن أن يروى يومًا بيوم، وهذا يعطى صورة أكثر دقة يعلم من خلالها متى يبدأ ومتى ينتهى، وهذا الجهاز جارٍ تطويره وربطه بالموبايل، بحيث عندما تصل التربة إلى حالة التشبع أو الجفاف يتم إرسال رسالة عبر الموبايل بحالة التربة، ومن خلال الموبايل أيضًا هناك أبليكيش آخر يعلم المزارع التوقيت المناسب لبدء وإنهاء عملية الرى الحديث، وبالتالى إذا وجدها مشبعة يوقف عملية الرى، وإذا وجدها تحتاج للمياه يقوم بتشغيلها، وهذا يمكّن المزارع من التحكم بشكل دقيق فى عملية الرى وترشيد استهلاك المياه.

والحق يقال فإن ما أتحدث عنه الآن لم يكن معقولًا قبل عدة سنوات، ولكن الآن وفى ظل هذه الطفرة الكبيرة فى مجالات الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية التى أصبحت جزءًا أساسيًا وضرورة داخل كل بيت سواء فى المدن أو القرى على حد سواء جعل النظرة إلى هذا الجانب من استخدام التكنولوجيا فى الزراعة والرى أمرًا طبيعيًا وعاديًا، وهو ما ترتب عليه أن وزارة الموارد المائية والرى أصبحت لديها إدارات للتوجيه المائى فى جميع المحافظات، وظيفتها الجلوس مع المزارعين والتحدث معهم لمعرفة أى طلبات أو استفسارات وتنظيم ندوات واجتماعات مع الروابط والمزارعين بهدفين الأول عرض التجارب الناجحة للرى الحديث وعرض تطبيقات الرى الذكى ومدى سهولتها، وربط كل ذلك مع مشروع تبطين الترع، فهى منظومة متكاملة، رى حديث ورى ذكى، فلا يمكن أن نعمل فى جانب ونترك الآخر، فهو من أهم المشروعات التى سوف تغير شكل الريف المصرى والدور الرئيسى لعودة الترع لشكلها الطبيعى وإزالة المخلفات منها، سوف نتمكن بكل سهولة من توصيل المياه للمزارعين بالكمية والوقت المناسبين.

ومما سبق يتضح لنا أنه باستخدام التكنولوجيا الحديثة فإننا قادرون على تجاوز أى مشكلة مهما كانت صعوبتها ومهما كانت عصية على الحل، فلا شىء فى هذه الحياة مستحيل حتى ولو كان يبدو صعبًا، إلا أنه بالتفكير والبحث والدراسة سيكون تحت السيطرة، ولكن الأمر فى تقديرى يحتاج إلى تضافر بعض العناصر الأساسية فى الشخص الذى سيقوم باستخدام الوسائل والأساليب التكنولوجية الحديثة، وأهمها بل أبرزها على الإطلاق هو الإيمان بأهمية هذه المنظومة، لأن الإيمان بأهمية الشىء هو أساس التعامل معه بشكل يعود بالنفع التام علينا، لذا فإننى أرى أنه قبل أن نطالب بتطبيق منظومة معينة فى الرى، فإن ذلك يتطلب رفع درجة الوعى وتثقيف الفئات المستهدفة وهما المزارع والفلاح بأهمية هذه التكنولوجيا، وكيف أنها سوف تعود عليه بالنفع، وسوف تنعكس بشكل مباشر على تحسين مستواه الاقتصادى، لأنها ستوفر الكثير من الجهد والوقت والمال أيضًا.

وأعتقد أن مسألة التدريب والتثقيف ليست شيئًا جديدًا أو غريبًا خاصة فى التدريب على كيفية استخدامات التكنولوجيا الحديثة والتوعية بأهميتها ودورها الفاعل فى تغيير وجه الحياة بالكامل، خاصة حينما يتعلق الأمر بنظم حديثة من شأنها تغيير أنماط وسلوكيات قديمة ظلت قرونًا طويلة عالقة فى الأذهان وكأنها ثوابت غير قابلة للتعديل.