رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

هكذا روى المؤرخون تاريخًا خرافيًا لمصر

التاريخ المصري القديم
التاريخ المصري القديم

كان لفك رموز حجر رشيد ومن بعده التمكن من قراءة التاريخ المصري القديم ثورة حقيقية في علوم التاريخ والآثار، حيث إماطة اللثام عن آلاف السنين من تاريخ مصر القديمة مكثت في ظلال الجهل والخرافة، وأصبح متاحًا لنا معرفة حضارة مصر القديمة والتعرف على تفاصيلها الحقيقية بشكل علمي موثق.

فكان المصريون القدماء على دراية كاملة بفكرة تسجيل الأحداث وتوثيق تاريخهم فيما يعرف بقوائم الملوك والتي تحدد حكام مصر ومدة حكمهم مثل حجر باليرمو من الأسرة الخامسة وقوائم الجيزة من الأسرة السادسة والكرنك من الأسرة الثامنة عشرة وأبيدوس وسقارة وبردية تورينو من الأسرة التاسعة عشرة، في حين قام المؤرخ المصري القديم مانيتون السمنودي بحصر تاريخ مصر القديم بأمر من الملك البطلمي بطلميوس الثاني في كتاب غاية في الأهمية عرف باسم "ايجيبتيكا "Aegyptiaca وأودع الكتاب في مكتبة الإسكندرية، ولكن للأسف تعرض للحرق ووصلنا منه بعض مقتطفات، فقد نجح مانيتون من خلاله تقسيم تاريخ مصر القديم إلى مجموعة أسرات بلغت نحو ثلاثين أسرة وهو التقسيم الذي نسير عليه حتى الآن.

ولكن خلال حكم البطالمة لمصر، فُرض على المصريين استخدام اللغة اليونانية، ومع دخول المسيحية لمصر اختفت اللغة المصرية القديمة شيئًا فشيئًا، ولم تعد تستخدم سوى على نطاق ضيق، وحل محلها القبطية ذات الحروف اليونانية، وأصبح هناك شبه حاجز كبير بين المصريين وبين تاريخهم القديم، خاصة مع وفاة آخر قارئ للغة المصرية القديمة في القرن الرابع الميلادي، وصاروا عاجزين عن فهم النقوش والمناظر المدونة على جدران المعابد والمقابر، وانفصلوا عن تاريخهم القديم ولغة أجدادهم، وأصبح يُنظر لتلك اللغة القديمة بأنها لغة وثنية.

وبعد دخول المسلمين إلى مصر انقطع الحبل بينهم وبين تاريخهم القديم تمامًا بعدما حلت اللغة والثقافة العربية لتكون لغة الدولة والشعب، حينها لجأ المصريون إلى اختراع الكثير من القصص التي يعتمدون فيها على تفسيرهم الشخصي للرموز الهيروغليفية التي كانوا يعتقدون أنها ليست حروفًا، وإنما طلاسم ذات قوى سحرية وأدلة ترمز لأشياء خفية. ومن هنا ظهرت العديد من الأساطير التي ارتبطت بالتاريخ المصري، ومع مرور الوقت، تجمعت هذه القصص والروايات، لتشكل تاريخًا موازيًا لمصر القديمة، ولكنه في حقيقة الأمر تاريخ أسطوري لا أساس له يضم أحداثًا غير حقيقية وأشخاصًا وهميين، ومن هنا جاء مصطلح "تاريخ مصر الخرافي".

وكان المصدر الأساسي الذي بُني عليه هذا التاريخ الأسطوري هو ما ورد في القصص الديني، سواء في القرآن الكريم أو الكتاب المقدس بشقيه العهد القديم والجديد، فأي رواية تتعلق بمصر ذكرت في الكتب السماوية كان المؤرخون يعتمدون عليها كأساس لقصصهم فيضيفون إليها استنتاجاتهم وتفاسيرهم وما يتناقله العامة عنهم، ويضعون لها نهايات درامية مؤثرة من وحي خيالهم تتناسب مع العظة والعبرة التي يعتقدون أن القصة الدينية تريد إيصالها. ومن هذه القصص، قصة النبي إبراهيم وزوجتيه سارة وهاجر، وقصة يوسف وبني إسرائيل ودخولهم إلى مصر وموسى وفرعون، وقصة قارون، وغيرها من القصص الديني.

وبالرغم من اقتراب بعض الرحالة والمؤرخين الكلاسيكيين مثل هيروديت وبلوتارخ وبلليني واسترابون من مصر القديمة من الناحية الزمنية، إلا أن الكثير من مؤلفاتهم وآرائهم حول تاريخ مصر حملت قدرًا كبيرًا من المبالغات والحواديت التي تميل للخرافة. أما العرب فلم يكونوا ينظرون إلى آثار مصر على حقيقتها نظرًا لاختلاف الثقافة واللغة، بل كانوا يرونها عجائب ومخابئ سحرية لكنوز دفينة تحرسها التماثيل والمناظر ذات الطابع السحري، وهو ما أثَّر في رواياتهم وتصوراتهم للتاريخ المصري القديم الذي كانوا يجهلونه بشكل كامل، فنرى مؤرخًا كبيرًا مثل المقريزي والذي يعتبر مرجعًا في تاريخ مصر الإسلامية، ويُشهَد له بالحيادية البالغة والتزامه أسلوبًا علميًا ولغويًا لا يتكرر، عندما كان يكتب عن تاريخ مصر القديمة كانت قصصه مليئة بالخرافات والأساطير، وكان لغياب الأدلة العلمية أو المصادر الأثرية أثرًا في جعله ينقل العديد من الروايات الوهمية التي يرددها عامة الناس. ونتيجة لذلك ظهرت سلالة كاملة من الملوك الأسطوريين والخرافيين الذين لم يوجدوا أبدًا، اعتقد العرب لسنوات أنهم هم حكام مصر قبل آلاف السنين، وذلك حسبما ذكر الدكتور شريف شعبان في كتابه "أشهر خرافات الفراعنة"، والذي صدر عن دار "ن" للنشر والتوزيع.