رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

"الهروب من كوبنهاجن".. كيف نجا أغلبية يهود الدنمارك من الهولوكوست؟

النازيون في الدنمارك
النازيون في الدنمارك

ليس مطلوبًا منك أن تكون خارقًا لتكون بطلًا، لا يحتاج الأمر إلى قدرات فائقة لتقوم بإنقاذ غيرك، كل ما يتطلبه الأمر بعض الشجاعة وبعض الإصرار والكثير من الإيمان.

عام 1943، كانت قد بدأت عملية "مذهلة" عندما قام سائق سيارة إسعاف دنماركي بمراجعة دفتر هاتف في كوبنهاجن، وبدأ يجمع الأسماء اليهودية. بمجرد أن سمع الأخبار - أن النازيين سيرحلون جميع يهود الدنمارك في اليوم التالي - عرف أنه يجب عليه تحذيرهم، كان قد فهم أن هذا الطريق سيقودهم للهلاك.

كان الرجل مجرد واحد من مئات وربما الآلاف، من الدنماركيين العاديين الذين انطلقوا في العمل في أواخر سبتمبر 1943، و كان هدفهم بسيطًا: مساعدة أصدقائهم وجيرانهم اليهود.

بعد فترة وجيزة، تسلل اليهود من كوبنهاجن ومدن أخرى في الدنمارك، متجهين نحو الشواطئ الدنماركية إلى مخازن قوارب الصيد الصغيرة المزدحمة.

كانت الدنمارك على وشك تحقيق إنجاز مذهل – وهو إنقاذ الغالبية العظمى من سكانها اليهود. في غضون ساعات من علمهم أن النازيين يعتزمون القضاء على يهود الدنمارك، اختفى جميع اليهود الدنماركيين تقريبًا، في غضون أيام، هرب معظمهم من الدنمارك إلى السويد، وجاء الإنقاذ الخارق لما يزيد عن 90% من اليهود الدنماركيين بفضل الدنماركيين العاديين، الذين رفض معظمهم الاعتراف للنازيين بالأرواح التي أنقذوها.

الغزو النازي للدنمارك
في أبريل 1940، غزت القوات الألمانية الدنمارك. لم يواجهوا مقاومة كبيرة. وبدلًا من المعاناة بعد هزيمة مؤكدة، تفاوضت الحكومة الدنماركية لعزل الدنمارك عن الاحتلال. في المقابل، وافق النازيون على التساهل مع البلاد، واحترام حكمها وحيادها. لكن بحلول عام 1943، وصلت التوترات إلى نقطة الانهيار.

بدأ العمال الدنماركيون في مهاجمة القوات النازية، وكانت المقاومة الدنماركية قد كثفت جهودها لمحاربة النازيين، ردًا على ذلك، طلب النازيون من الحكومة الدنماركية فرض حظر تجول صارم، ومنع التجمعات العامة، ومعاقبة المخربين بالإعدام. رفضت الحكومة الدنماركية، وردًا على ذلك حل النازيون الحكومة وأقاموا الأحكام العرفية.

وبدأ النازيون يتحركون كما تحركوا في باقي الدول، وكان اليهود الدنماركيون من بين أهدافهم الأولى، فكانت المحرقة بالفعل على قدم وساق في جميع أنحاء أوروبا المحتلة، وكانت الحكومة الدنماركية تبذل قصارى جهدها لحماية اليهود من النازيين، ولكن بدا أن السكان اليهود في الدنمارك في خطر.
حان وقت تخليص الدنمارك من يهودها

في أواخر سبتمبر 1943، تلقى النازيون كلمة من برلين مفادها أن الوقت قد حان لتخليص الدنمارك من يهودها. كما كان معتادًا بالنسبة للنازيين، فقد خططوا للغارة لتتزامن مع عطلة يهودية مهمة وكان في حينه رأس السنة اليهودية الجديدة، وتلقى ماركوس ملكيور، الحاخام، أخبارًا عن المذبحة القادمة.

قال "ملكيور" : "ليس لدينا وقت الآن لمواصلة الصلاة، لدينا أخبار أن ليلة الجمعة القادمة، الليلة بين الأول والثاني من أكتوبر، ستأتي الجستابو "القوات الألمانية" وتعتقل جميع يهود الدنمارك". أخبر "ملكيور" المصلين أن النازيين لديهم أسماء وعناوين كل يهودي في الدنمارك، وحثهم على الفرار أو الاختباء.

مع اندفاع السكان اليهود في الدنمارك إلى أعمال مذعورة، بدأ المئات من الناس بشكل عفوي في إخبار اليهود بالعملية القادمة ومساعدتهم على الاختباء، لقد كان، على حد تعبير المؤرخة ليني ياهيل، "جدارًا حيًا أقامه الشعب الدنماركي خلال ليلة واحدة".

نجاح مذهل بدون خطة

لم يكن لدى الشعب الدنماركي خطط مسبقة مصممة لمساعدة اليهود. لكن السويد المجاورة قدمت ملاذًا واضحًا لأولئك الذين كانوا على وشك الترحيل، كانت السويد محايدة، وغير مأهولة من قبل النازيين، وكانت حليفًا شرسًا. كما أنها كانت قريبة من الدنمارك، كانت على بعد ما يزيد قليلاً عن ثلاثة أميال من الساحل الدنماركي. إذا تمكن اليهود من العبور، فيمكنهم التقدم بطلب للحصول على اللجوء هناك.

كانت الثقافة الدنماركية تهتم بالملاحة البحرية منذ عصر الفايكنج، لذلك كان هناك الكثير من قوارب الصيد والسفن الأخرى، وهو ما تم استخدامه لتوجيه اليهود نحو السويد، وكان بعض الصيادين الدنماركيين يخشون أن يفقدوا مصدر رزقهم وأن يعاقبهم النازيون إذا تم القبض عليهم، وبدلًا من ذلك، تمكنت مجموعات المقاومة التي تشكلت بسرعة لمساعدة اليهود من التفاوض بشأن الرسوم للركاب اليهود، ثم تم تجنيد متطوعين لجمع الأموال للمرور، وكان متوسط سعر العبور إلى السويد يكلف ما يصل إلى ثلث الراتب السنوي للعامل.

كتب المؤرخ بو ليديجارد: "من بين الصيادين، كان هناك من استغل الموقف، وكان هناك أيضا ممن تصرفوا دون اعتبار للمكاسب الشخصية".

كان العبور محنة مرعبة، حيث تجمع اليهود في مدن الصيد، ثم اختبأوا في قوارب صغيرة، وأعطوا أطفالهم حبوبًا منومة، ومهدئات لمنعهم من البكاء، وواجهوا صعوبة في الحفاظ على سيطرتهم خلال العبور الذي دام ساعة، وأحيانا كانت بعض القوارب، ترى دوريات الجستابو التي كانت تحضر الغاز استعدادا للمحرقة.

لم تكن عمليات الإنقاذ ناجحة دائمًا. في إحدى بلدات الصيد، التي بها مئات اللاجئين قام أحد المتعاونين بخيانة مجموعة من اليهود المختبئين في كنيسة المدينة، وأخبر القوات الألمانية عن مكانهم، وتم اعتقال ثمانين يهوديًا، بينما الآخرون لم يتلقوا معلومات عن عمليات الترحيل المقبلة أو كانوا كبارًا في السن أو عاجزين عن طلب المساعدة، وهؤلاء لم يتمكنوا من الهرب، حيث تم ترحيل حوالي 500 يهودي دنماركي إلى الحي اليهودي في تيريزينشتات، استعدادا لدفعهم داخل غرف الغاز.

ومع ذلك  كانت عملية "الدنمارك" أنجح عمل من نوعه خلال الهولوكوست، حيث تم نقل حوالي 7200 يهودي دنماركي إلى السويد، ومن بين 500 تم ترحيلهم إلى الحي اليهودي في تيريزينشتات ، لم ينج سوى 51 منهم من الهولوكوست.

بدت عملية الإنقاذ معجزة، وكانت هناك بعض العوامل التي أدت إلى نجاحها، مثل فيرنر بيست، الألماني الذي تم تعيينه مسئولًا عن الدنمارك، والذي قام على ما يبدو بإخبار بعض اليهود بالعملية القادمة وقوض بمهارة محاولات النازيين لمنع الدنماركيين من مساعدة اليهود الدنماركيين.

كانت الدنمارك واحدة من الأماكن الوحيدة في أوروبا التي نجحت في دمج سكانها اليهود. على الرغم من وجود معاداة للسامية في الدنمارك قبل وبعد الهولوكوست ، إلا أن حرب النازيين على اليهود كان يُنظر إليها إلى حد كبير على أنها حرب ضد الدنمارك نفسها. بعد الحرب، رفض معظم الدنماركيين الاعتراف بأعمالهم التي قام بها الكثيرون تحت أسماء مستعارة.

كان إنقاذ يهود الدنمارك إنجازًا غير عادي، لم يكن ممكنًا بدون الناس العاديين.