رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلس الإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

نهر النيل وسد النهضة


قال هيرودوت «مصر هبة النيل».. نعم مصر هبة النيل وهذا لا يتناقض البتة مع مقولة «مصر هبة المصريين»، فالنيل والمصرى هما من تحديا التاريخ وصنعا الحضارة والهوية المصرية قبل الزمان بزمان والتى ما زالت وحتى الآن.
فالنيل قدّم للحضارة المصرية دعمًا لمدة ٣٠٠٠ سنة، حيث ساعد على تحويل الأراضى الصحراوية الجافة إلى رطبة، ما ساعد على تحسين المناخ الصحراوى الذى كان مسيطرًا على عموم الجغرافيا، كما أنه هو الذى فجّر الإبداع المصرى فى إيجاد الزراعة وتطورها، ما أدى إلى ازدهار المجتمعات البشرية والعمرانية.
النيل هو الذى كان، بطريق مباشر وغير مباشر، سببًا فى تطوير تقويم لتتبع الأيام اعتمادًا على الفيضان الذى يحدث بشكل دقيق كل عام، حيث احتوى هذا التقويم على ٣٦٥ يومًا مقسمة على ١٢ شهرًا ويحتوى كل شهر على ٣٠ يومًا.
حديثًا أعطى النيل مصر دورًا مهمًا حيث تمركز السكان على ضفافه فى أسوان والأقصر والقاهرة، حيث أسهم فى دعم الزراعة ونقل البضائع، ولذا كان من الطبيعى أن يكون النيل، وطوال التاريخ، هو النيل المقدس بالأساطير وهو مصدر الحياة بالواقع والملهم للفن كلمةً ولحنًا وإبداعًا، فهل يستغنى المصرى عن النيل؟ أى هل يستغنى المصرى عن الحياة؟
وعلى ذلك فالحديث عن سد النهضة وما صاحبه من هذا التعنت الإثيوبى حتى وإن كان من حيث الشكل مشكلة سياسية تخضع للمفاوضات والمساومات ونضعها على الطاولة طارحين الاتفاقيات الثنائية أو الاتفاقيات الدولية أو القانون الدولى المنظم لتوزيع المياه على الدول المشاركة فى الأنهار- لكنه من حيث المضمون مشكلة حياة أو موت. أى بكل المقاييس أولًا وأخيرًا هى مشكلة صفرية من حيث النتائج النهائية.
وإن كانت فى إطار التبادلية المصلحية يجب أن تكون مشكلة تحل فى إطار تبادل المصالح حسب العلاقات بين الدول، فهل إثيوبيا تتعامل مع القضية على أنها مصلحية تبادلية أم أنها مشكلة صفرية وتريد القضاء على الخصم بالضربة القاضية؟
حسب الواقع المعاش، فإن تأثير سد النهضة على مياه نهر النيل يعتبر أحد التحديات الكبرى التى تواجه مصر حاليًا، خاصة فى ظل الإجراءات الأحادية من الجانب الإثيوبى فيما يخص ملء وتشغيل السد، تحت حجج وأوهام لا علاقة لها بالواقع والحقائق. فالحقائق تقول إن حجم الأمطار فى إثيوبيا يتجاوز ٩٣٥ مليار متر مكعب سنويًا. و٩٤٪ من أراضى إثيوبيا خضراء مقابل ٦٪ فقط فى مصر، كما أن إثيوبيا تمتلك ١٠٠ مليون رأس من الماشية تستهلك ٨٤ مليار متر مكعب من المياه سنويًا، أى ما يعادل حصة مصر والسودان مجتمعين، فماذا بعد؟
لا شك لقد طال أمد المفاوضات وطالت معه سخافة المراوغة والاستقواء من جهة إثيوبيا، وذلك لأن إثيوبيا لا تعتمد على قدراتها ولا إمكاناتها لأن تأخذ موقف التعنت هذا.
نحن نعلم أن وراء الموقف مواقف لا تُخفى على أحد، فأمريكا التى ادعت الحل ظهر موقفها فى تشجيع وزير خارجيتها السابق «بومبيو» لإثيوبيا على عدم التوقيع على الاتفاق الذى تم فى واشنطن. وهذا يتوافق مع موقف أمريكا التاريخى من السد، حيث إن هذا السد وغيره من السدود هو فكر وتصميم أمريكى تم فى مواجهة عبدالناصر عند بناء السد العالى.
أما إسرائيل فهى الحليف والشريك الأساسى، وقد أعلن جهارًا على لسان نتنياهو فى البرلمان الإثيوبى عام ٢٠١٨، أما ما يخص الاستثمارات الأجنبية فى إثيوبيا وفى السد هناك استثمارات لإيطاليا والسعودية والإمارات وهناك مصالح مباشرة وغير مباشرة لدول أخرى. فهل سنواصل المفاوضات السيزيفية بلا نهاية حتى نصبح أمام أمر واقع لا فكاك منه؟ الأمر جد خطير.
الأهم هنا هو الجبهة الداخلية المصرية، فالاختلاف مع النظام لا بد أن يُطرح جانبًا. ونكون شعبًا واحدًا فى مواجهة قضية مصيرية غير مسبوقة تواجه مصر والمصريين. حفظ الله مصر وشعبها وجيشها العظيم.