رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

«طمع وتشرد».. مآسي «عمارة الموت» بجسر السويس تحصد حلم ومستقبل أطفال وعرائس

عمارة الموت
عمارة الموت

«إهمال.. طمع.. ابتلاء.. قضاء وقدر.. لعنة»، اختلفت الأسباب حتى وقعت الواقعة في لمح البصر وبدون أي مقدمات وفي غيام الليل حضر ملاك الموت ليحصد أرواح 23 شخصًا بينهم أطفال ورجال وشباب وسيدات جمعتهم جدران واحدة وقدر واحد أنهى حياتهم، وترك الآخرين مصابين ومشردين وآخرين تحت الأنقاض.


عمارة الثلاجة

كل هذه المآسي وقعت نتيجة صوت انفجار ضخم استيقظ عليه أهالي منطقة الحرفيين، تبين أنه «انهيار عقار بجسر السويس»، في شارع جمال عبدالناصر، تقسيم عمر بن الخطاب، بمنطقة السلام.. «العقار يسمى عمارة الثلاجة» لأن كان به مخزنًا لحفظ اللحوم.


تشرد ويأس

العقار مكون من 10 طوابق بينهم طابقين مصنع ومخزن، وباقي الطوابق سكنية مستأجرة، وكل طابق يحتوي على ثلاثة شقق يسكن بها أكثر من 113 مواطنا، بينهم مصريين وسوريين وسودانيين وآخرين مختلفي الجنسيات ومختلفي الأعمار جمعهم قدر واحد وهو الموت والتشرد بسبب مصنع ملابس في الطابقين الأرضي والأول وتعديلات في أساسات العقار ليتحول المشهد من سكون لواقع مبكي وحلم يائس.


حاضنة رضيعها

وفي أكثر اللحظات إيلامًا هو مشهد خروج 8 جثث بينهم سيدة تحتضن رضيعها والتي كانت لا تعلم أن الشقة التي تقطن فيها هي وأسرتها ستتحول إلى «كوم تراب»، ليضيع حلم الأم في تربية طفلتها، ويضيع مستقبل فتاة وأدت تحت التراب.. فهي لم تفكر منذ عامًا عندما كانت تضع طفلها في المستشفى أنها في أقل من عام لن تكون وفاتهما في الولادة ولكن في انهيار عقار بسبب طمع وجشع إنسان انعدم منه الإحساس بالآخرين ولم يفكر في حياة العشرات.

«مريم وجون».. «خطيبتي هنا»

«يا فرحة ما تمت».. جملة اتفق عليها جون ماجد، و«مريم جميل» بحثا عن «نادين» حيث استيقظ الأول ليجد خبر انهيار عقار في منطقة جسر السويس فلم يتوانِ في مهاتفة خطيبته التي لم ترد، فحاول الاتصال بوالدها فلم يجيبه أحد فلم يشعر بنفسه سوى مرتديًا ملابسه والتوجه إلى منزله وطول المسافة وهويمني نفسه بأن لن يجد مكروه يصيبها، ولكن لم تصل صلواته إلى السماء فما خاف منه وجده أمامه وجد منزله مدكوكًا على الأرض.

وأمام الجميع صرخ:«خطيبتي هنا وأبوها وأمها وعمها كلهم فين.. ماتوا طب خرجوا.. حد يرد عليا إحنا فرحنا بعد شهرين.. خلاص مفيش فرح.. مفيش نادين..» حتى أنه لم يجد من يطمأنه بأنهم أحياء.

أما «مريم» فدموعها مكتومة تبحث عن أي دليل يثبت وجودها تحت الأنقاض: «مش قادرة أصدق فكرة إني ممكن مشوفهاش تاني.. كانت فرحانة إن فرحها قرب».


«يوسف»: «إحنا من السودان وعائلتي كلها تحت الأنقاض

«هربنا من الموت في السودان.. فمتنا هنا بالحيا.. هذا ما قاله الطفل محمد يوسف، طالب بالصف السادس الابتدائي، فبدموع تزخ من عينه على والده وأعمامه الذين لم يراهما منذ كانا في العقار، والذين جميعهم تحت الأنقاض، ولم يصبح عنده أي أمل في استخراجهم سوى جثث.

وقال الطالب وملامح السواد تتشح على ملامحه أن والده يوسف أحمد، عامل من السودان وأعمامه الثلاثة «أبوبكر ٣٠ عامًا، وصديق ٢٥ عامًا، حسين ٢٩ عامًا، مازالو تحت الانقاض وأنه ليس له أي عائل سوى والده ومن بعده أعمامه الذين يرقدون تحت التراب» مشيرًا إلى شقة واحدة من العقار العملاق نعيش فيها جميعًا ونرضى برفقة 8 من أبناء الجالية السودانية ولم نشتكي سوء الرزق، وجميعهم يعملون في مصنع مجاور، ولكنهم جميعًا لم يراهم خاصة أن العقار سقط في الليل والجميع كانوا نائمين ولم يكونوا في العمل أو الخارج.


«سامح وإسراء.. ناجيين بفضل زيارة العيلة»

«ألف مبروك يا موحة أنت وإسراء القمر.. ربنا يسعدكم ويرزقكم بالذرية الصالحة.. ويبعد عنكم الشر».. هذا كل ما تبقى من شقة الزوجية التي استأجرها المهندس سامح رمضان، وعروسته إسراء زيدان، الذي لم يمر على زواجهما سوى خمسة أشهر، وكأن أبواب السماء كانت مفتوحة وقت الدعاء لهم الذي نجاهم من الموت المحقق بسبب زيارة عائلتهما في طنطا في العطلة الرسمية.

«تحويشة العمر ضاعت.. بس إحنا بخير.. أثاث المنزل والمفروشات والأجهزة يتعدى النصف مليون جنيه، لكن إحنا أفضل من غيرنا ربنا يعوض علينا» هكذا استقبل الاثنين خبر انهيار منزلهما بكل صبر ورضا خاصة أنهما تركا العقار قبل ساعات من انهياره، فكان القدر رحيمًا بهما حتى ولو فقدا كل أحلامهم فهما معًا قادرين على الحلم مجددًا وتحقيقه.


«سيف» رضيع يواجه الحياة بـ 6 أشهر وحيدًا

أما الرضيع «سيف»، لم يمر على وجوده في الدنيا سوى 6 أشهر قضاها في حضن والدته ولكن أيامه القادمة سيواجها وحيدًا وغريبًا في الدنيا لا يجد من يحن عليه أو يطعمه أو يسقيه الحنان خاصة عقب استخراج جثة والداته وأبيه وشقيقته «جنى» وحتى الآن ما زال شقيقه «مصطفى» تحت الإنقاض.

كان هو الوحيد على قيد الحياة حينما نجحت قوات الحماية المدنية أن تشيل عنه الغبار والحجارة المكسرة ليجدوا طفل حي شاء القدر أن ينقذه وحيدًا وتوجهوا به إلى المستشفى للكشف الطبي عليه ورعايته حتى يتمكن من الاستدلال على أحد من عائلته ليعيله.


«عايزين نت.. كلمة السر في نجاة ثلاثة أطفال»

وعن الناجين لا يمكن القول سوى أن رحمة الله تتغمدهم بسبب طيبتهم وغلبهم حيث حضر ثلاثة أطفال أعمارهم من الـ 13، 14، 15 عامًا» جاءوا إلى مصنع الملابس للعمل مع أولاد عمومتهم وأقاربهم.. لكن في الليل طلبوا اللعب على الانترنت.. فنزل الثالث إلى عقار مجاور يلتقطوا إشارة من «واي فاي» خاص بأحد الجيران، وبعد 3 دقائق من نزولهم، انهار العقار أمام أعينهم، فأصيبوا بصدمة.

وقال أحدهم: « إحنا مكملناش خمس دقائق وبمجرد نزولنا لقينا العمارة بتقع أهلنا جوه نايمين إحنا مجلناش نوم وكنا بنتسابق على اللعب وبنتراهن.. إحنا مغتربين وبنشتغل بس ربنا نجانا إحنا بقالنا يوم بندور على إثنين من ولاد عمنا بس هما لسه تحت الإنقاض».