رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

منير القادري يحاضر حول الحاجة إلى التصوف ومواجهة تحديات العصر

منير القادري
منير القادري

بمناسبة مشاركته السبت 20 مارس 2021، في الليلة الرقمية الخامسة والأربعين المنظمة من طرف مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى بشراكة مع مؤسسة الجمال، تحت شعار "ذكر وفكر في زمن كورونا"، تناول الدكتور منير القادري بودشيش رئيس مؤسسة الملتقى ومدير المركز الأورو متوسطي لدراسة الإسلام اليوم  موضوع "الحاجة إلى التصوف ومواجهة تحديات العصر" .

  أبرز في بدايتها أن أهم ما يميز هذا العصر وجود المتناقضات والمُفاَرَقاتْ الشاسعة إلى حد يصعب معه التمييز بين الإيجابي والسلبي، وبين الحقيقي والمزيف وبين البَنّاءِ والهدام، نظرا للتشابك المعقد والتداخل الكبير بين كل المكونات والتفاعلات والظواهر، بالإضافة إلى اختلاف الرؤى ومنطلقات التفكير والتحليل. 

وأضاف أن هذا الأمر يشكل  تهديدا  لأمن الإنسان ويخلق  لديه قلقا وجوديا، وأنه بسبب ذلك فقد سعادته وكَثُرَتْ عُدْوانِيَتُهُ وسار ضعيفا في مواجهة العولمة وأهدافها القائمة على إقصاء الآخر وثقافته وتحطيم الجانب الخلقي والروحي في الإنسان، وزاد أن هذه الأهداف تمثل تحديا للشعوب المسلمة ولعموم الشعوب المستضعفة لكونها تُهَدِدُ في الصّمِيم الكيان المعنوي لهذه الشعوب، القائم على حقيقة الكرامة والحرية والعدل والمساواة.

 وتساءل الدكتور القادري : أين يجد الإنسان الموقع الآمن والملاذ الحصين ليضمن نجاته وسلامته أمام انحرافات العولمة وسلبياتها؟ و هل نحن في حقيقة الأمر بحاجة إلى البعد الروحي للإسلام في مواجهة تحديات العصر ؟. 

  وفي معرض إجابته أبرز  الدكتور منير أهمية البعد الروحي للإسلام  ودوره في مواجهة تحديات العصر وانحرافات العولمة، موردا مقولة لوزير الثقافة الفرنسي الأسبق أندريه مالرو، صاحب (كتاب إغواء الغرب)، "إنّ القرن الحادي والعشرين إما أن يكون روحيا أو لا يكون"، وهو ما يشكل حسب المحاضر ردا على مَن قالوا "إنّ شمس الأديان قد غَرَبَتْ"، بعد أن قالوا قبل ذلك "إنّها أفيون الشعوب"، مشيرا في -السياق ذاته- إلى إفلاس القوى المادية جراء قصورها عن تحقيق السعادة للناس. 

 وأشار إلى حتمية التواصل مع الآخر من أجل مستقبل مشترك والرجوع إلى القيم الروحية والأخلاقية للإسلام كحل واقعي لحاضرنا المريض واستشراف غد مشرق، لأن روح الإسلام وجوهره وغايته تقوم على تحقيق التوازن بين المادة والروح وبين الدنيا والآخرة، مؤكدا أن القيم الروحية مفتوحة لكل الناس دون تفرقة بين الاجناس والألوان واللغات.

ودعا رئيس مؤسسة الملتقى إلى ضرورة تفقد الأمة الإسلامية لتراثها الروحي المشرق لتصل ماضيها بحاضرها وتنتفع بما خلفه تاريخها المجيد، وتستعين بذلك في بناء نهضتها المعاصرة على أساس متين من التربية الصوفية الإحسانية للوصول بأبنائها إلى اليقين الباطني والكمال الاخلاقي والمعراج الروحي والصفاء القلبي.

وانتقد في الآن ذاته تقديم الدين للآخر على شكل إيديولوجيا أو فهم متحجر لمقاصده الشرعية الذي يخلو من أي تعبير ثقافي حضاري ملموس، داعيا إلى جعل البعد الصوفي الحضاري الإحساني والإنساني للإسلام ملموسا وقابلا للإدراك والتجسيد كثقافة حية تساهم في إرساء علاقة سليمة مع قضايا المجتمعات المختلفة وتضمن الحصانة والوقاية من كل زيغ وانحراف، وتشكل بالأساس بنية أخلاقية ومجتمعية متماسكة فتكتمل بذلك أهم شروط الأمن الروحي الذي لا مناص منه لتحقيق الأمن الحضاري.

وقد مثَّلَ لهذه النزعة الصوفية الإنسانية العالمية بأبي يزيد البسطامي الذي كان يدعو الله لجميع الناس، فهم عيال الله وهم الحجاب والباب فيهم، ليخلص المحاضر الى أن "التصوف هو الوصول إلى الحق عن طريق الخلق ".

وشدد الدكتور القادري على  ضرورة خلق جسور التواصل المثمر بين التراث الصوفي والتحديات الراهنة لاستشراف الحلول للواقع المعقد والمتشابك، لأن حياة الصوفي المحسن مبنية على التضحية في سبيل إخوانه في البشرية فالصوفي  يخدم نفسه كما يخدم الآخرين.

وأشار إلى أن التراث الصوفي بفضل أصالة منهجه يملك القوة للإسهام بفعالية في تقريب وجهات النظر واحتواء الازمات واقتراح بدائل للصراعات تقوم على الألفة والحوار وحسن الجوار والتعاون والتعارف.

وأضاف أن التصوف الذي يمثل البعد الإحساني للإسلام لم يكن انزواء، بل ظل على مر تاريخه العريق مرتبطا بالواقع متعايشا مع هموم الآخر، متفاعلا مع آلامه وآماله مبديا تعاطفه ودعمه ومقدما الخير للجميع مهما أبدى الآخر تنكره وجفاءه وإعراضه، مذكرا بالحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الترمذي : "المؤْمِنُ الذِي يُخَالطُ الناسَ ويَصْبِرُ عَلَى آذاهُمْ خيرٌ منَ الذِي لاَ يخالِطُ النَّاسَ ولاَ يَصْبِرُ علَى أذاهُمْ".

وبَيَّنَ أن التصوف كثابت من ثوابت هويتنا الوطنية والدينية هو الحصن الآمن وباب النجاة من الطغيان المادي والفراغ الروحي لاحتواء هذه القيم الروحية الإنسانية والعالمية التي تجعله يتجاوز الطابع التراثي والفلكلوري والحضور الصوري والشكلي إلى حضور أساسي وجوهري كفيل بحل مشاكل المجتمع وإعطاء الناس نفسا جديدا من أجل التخليق والفعالية والمساهمة في التنمية.

 وعرَضَ مدير المركز الأورومتوسطي لدراسة الإسلام اليوم في مداخلته بالمناقشة والتحليل قولة للمرحوم محمد حميد الله الذي درس قيد حياته في عدة جامعات دولية منها جامعة السوربون، يبين فيها تخليه عن نمط العقلانية المحضة الذي تربى عليها في دراسته وبحوثه منذ أن بدأ العيش في المجتمع الغربي بباريس، والذي أكد أن قبول النصارى للإسلام كان بفضل المتصوفة  مثل ابن عربي والشيخ جلال الدين الرومي، وليس من طرف الفقهاء وعلماء الكلام، موردا مقتطفا من نص رسالته المؤرخة في27 سبتمبر/أيلول 1967 : "والآن أنا مؤمن بأن الذي سوف يخدم الإسلام اليوم لاسيما  في أوربا وإفريقيا ليس السيف أو العقل بل هو القلب- أي التصوف-  ... وفهمت أن التصوف الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان منهج كبار متصوفة الإسلام لم يكن انشغالا بالكلام فقط أو بأشياء لا معنى لها بل كان السير في أقصر طريق بين الإنسان وربه عز وجل والبحث عن تنمية الشخصية وتطويرها حيث يبحث الإنسان بطبعه عن أسباب الواجبات التي كلف بها، لكن الشروح المادية في المجال المعنوي تبعدنا عن الهدف، أما الشروح المعنوية فهي التي تقنع الإنسان". 

وأكد الدكتور القادري أن التربية الصوفية تسعى الى بناء شخصية مسلمة تجمع بين مطالب الدين والدنيا وعالم الغيب وعالم الشهادة، تتوخى تحقيق المقاصد الحقيقية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، وهي نظام أخلاقي هدفه بناء الإنسان الكامل ليحسن اندماجه وتكيفه مع متطلبات محيطه، فالصوفي كالماء يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه.

 وفي نفس السياق أبرز أن صوفية المغرب  اعتمدوا على منهج فريد في التربية وتقويم السلوك يقوم على مبدأ التدرج والترقي حسب المتلقي وجهده مع مراعاة حال المتعلم أو المريد، وأنهم لم يركنوا إلى اعتزال هموم الناس أو الاشتغال بالعبادة فقط، ولم يكن خطابهم جامدا على نفسه أو منعزلا عن مجريات عصره وإنما اندمجوا في محيطهم الاجتماعي وخبروا مشاكله بدقة فأسهموا في حل قضاياه، وأضاف أن "التصوف المغربي حقق نجاحات متراكمة على مر العصور والأزمنة، فكان أقطابه  فاعلين ومؤثرين ومنسجمين مع واقعهم، ووصل تصوفهم إلى العامة والأميين وخاطب غير المسلمين حتى حقق نتائج ملموسة، فانتشرت زوايا الطرق الصوفية وفق هذا المنهج بكل ربوع المعمور وفي كل أنحاء الكرة الأرضية"، وقد مَثَّلَ لذلك بالشيخ الشاذلي ومولاي التهامي الوزاني.

وأبرز أدوار صوفية المغرب في نشر الإسلام واعتمادهم أساليب سلمية كالتجارة والتعليم فكان لهم الفضل في انتشار الإسلام بإفريقيا جنوب الصحراء في السنيغال ومالي والنيجر وغينيا وغانا ونيجيريا والتشاد، خصوصا الطرق القادرية والتيجانية والسنوسية والشاذلية، واستمر عطاؤهم إلى الوقت الحاضر بتشجيعهم حفظ القرآن الكريم وعلومه والفقه والحديث وتعليم اللغة العربية والعناية بتعليم الأيتام والمحرومين بل وتخصيص مساعدات مادية للأسر الفقيرة والسهر على تنظيم القوافل الطبية إلى غير ذلك من الجهود التي تعود بالنفع العام على الناس، مستشهدا بتجربة أبي العباس السبتي، الذي بلغت شهرته في الكرم والسعي لمنفعة الناس عنان السماء فكان مذهبه يتلخص في أن الوجود ينفعل بالجود.
 
وأشار في نفس المضمار إلى الدور الطلائعي لصوفية المغرب في مقاومة الاستعمار، حيث  كانوا روح الجهاد المغربي طالبين الشهادة والذود عن العقيدة والوطن وتحريض باقي المغاربة على تصحيح الأوضاع ومقاومة الأطماع، مستدلا بما تطرق إليه محمد حجي في كتابه المؤسسات الدينية بالمغرب في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ومثَّلَ لهذا الدور الجهادي  بالزعيم سيدي المختار بن محي الدين القادري بودشيش ومقاومته المستعمر في شرق المغرب وخصوصا بجبال بني يزناسن سنة 1907، وحركة الشيخ الهيبة ماء العينين بأقاليمنا الصحراوية، وغيرهم من الأقطاب المجاهدين الذين بثوا في قلوب المغاربة شحنة لا تنفذ من الإيمان واليقين بنصر الله الذي لا يخلفه للمؤمنين المجاهدين الصابرين الثابتين، والذين جمعوا بين السيف والمصحف، وبين العقل والعاطفة، وبين التسبيح في المسجد والبيت في ظلال الليل وبين التكبير في ساحات الحرب والجهاد لردع المستعمر ومقاومة الاحتلال، كما جمعوا بين الإشباع الروحي وتلبية المطالب المادية للمجتمع المغربي في أزمنة المجاعة والأوبئة وحاربوا البدع والضلالات ليحافظوا على صفاء السلوك الصوفي ونقائه.

 واختتم مداخلته بالتأكيد على  أن التصوف مقوم أساس من مقومات الهوية المغربية الاصيلة في بعدها الديني والحضاري تحت رعاية أمير المؤمنين محمد السادس نصره الله وأيده، وهو الأساس فيما حققه المغرب وما سيحققه من نجاح وتميز في تدبير نهضته البشرية والاقتصادية والصناعية وهذا واقع يشهد به كل من خَبِرَ قيمة رجالات ونساء المغرب وأخلاقهم وقيمهم الإنسانية والاجتماعية ووطنِيَّتِهِمْ الصادقة.