رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

سيد قطب وصفحات مجهولة من حياته «2 - 2»


يستكمل سيد قطب فى مقاله «لماذا صرت ماسونيًا»: «عرفت أن الماسونية ليست مبدأ أو مذهبًا يعتنق، وإنما هى الرجولة والإنسانية التى تدفع بالإنسان إلى عمل الخير دون وازع إلا وازع من وجدانه وضميره، هى روح عالية نبيلة تسمو بالإنسان عن الصغائر وتنزهه عن الترهات والسفاسف، هى المثل الأعلى لكل من ينشد كمالًا أو يبغى رفعة ومجدًا، هى الفضيلة التى تنطوى على أسمى المعانى وأشرف المقاصد وأنبلها، هى مبدأ الكمال ومنتهاه، الماسونية هى الوحدة التى تجمع بين مختلف الأديان ولا تعرف للتحزب معنى، ولن تجد لكلمة التعصب مكانًا فى شرعها، هى التعويذة السحرية التى تؤلف بين القلوب جميعها فى أقصى الشرق أو أدنى الغرب، هى المكان الوحيد الذى يستطيع فيه الجميع، الصغير منهم والكبير، أن يتصافحوا مصافحة الأخ لأخيه، ويجلسوا جنبًا إلى جنب، دون نظر إلى فارق اجتماعى أو مركز أدبى، ولا غرو فى ذلك إذ إن دعائمها وأسسها مشيدة على الحرية والإخاء والمساواة، فما أعظمها دعائم وما أقواها من أسس وما أبذلها من مبادئ».
ولك بعد هذا المقال أن تحلل التغييرات الفكرية التى أصابت شخصية قطب، وهل كانت للماسونية دور فيها؟ بل وهل كان سفره لأمريكا بناء على توجيه وإدارة ومتابعة لقطب الذى قال فى مقاله إنه أصبح ماسونيًا لأنه يحتاج إلى الصقل والتهذيب؟!.
وما هو التهذيب الذى كان يرجوه قطب؟ ويبدو أنه كان تهذيبًا من نوع خاص، لأنه بعد ذلك وفى جريدة الأهرام نشر مقالًا يعتبر إحدى الصفحات الغامضة من حياة قطب، هذا المقال هو عبارة عن دعوة أطلقها قطب يبتغى منها نشر العرى على الشواطئ المصرية! وقد أثار هذا المقال جدلًا كبيرًا، فقد أورده أحد مؤرخى الإخوان فى كتاب له، وهو الإخوانى الراحل صديق البنا «محمود عبدالحليم»، وكتابه هو «الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ» ولكن هناك من أنكر هذا المقال جملة وتفصيلًا، إلا أن الباحثين عثروا عليه واتضح أن المقال نشر فى جريدة الأهرام بتاريخ العاشر من يوليو عام ١٩٣٨ وعنوانه «خواطر المصيف: الشواطئ الميتة» ويتحدث سيد قطب فى هذا المقال عن خلو شواطئ الإسكندرية من المصطافين، على الرغم من أننا فى شهر يوليو فى الوقت الذى يتزاحم فيه المصطافون على السفر إلى الخارج، وهو الأمر الذى يؤدى إلى خسارة كبيرة للشواطئ المصرية، بينما تتدفق الأموال على شركات السفر وشركات السياحة والفنادق الأجنبية، ويلوم سيد قطب الحكومة والشركات التى لم تفعل أى شىء لتجميل المصايف المصرية وإدخال وسائل التسلية والمتعة إليها بعد أن أصبحت الشواطئ خالية من وسائل التسلية والاستمتاع، ثم يقول: «حتى الأجسام العارية الرشيقة لا وجود لها، وأن العين تتخطى عشرات القدود، حتى تقع على قد رشيق، لأن الطبقات التى قصدت المصيف فى هذا العام ليست على ما يرام»، ثم ينتقل سيد قطب للحديث عن العرى على الشواطئ فيذكر «أما حديث الأجسام العارية فقد كان لى فيه رأى منذ سنوات لا بأس من إبدائه، إن الذين يتصورون العرى على الشاطئ فى صورته البشعة الحيوانية المخيفة جد واهمين، وهم إما لم يذهبوا إلى الشاطئ ولكن قرأوا أو رأوا الصور المنشورة فى الصحف، وإما ذهبوا وفى نيتهم أن ينتقدوا فعاشوا فى الصورة الخيالية المشوهة فى أذهانهم، ولم يعيشوا على الشواطئ والأمواج، ليس فى الجسم العارى على البلاج فتنة لمن يشاهده ويراه فى متناول عينه كل لحظة، وأفتن الأجسام هناك هى المستترة فى البُرنس أو الفستان، أما فى المايوه فهى لا تجذب ولا تثير، وإن أثارت شيئًا فهو الإعجاب الفنى البعيد– بقدر ما يستطاع- عن النظرة المحفوفة المرهوبة! فالذين يدعون إلى إطالة لباس البحر وإلى ستر الأجسام بالبرانس إنما يدعون فى الواقع إلى إثارة الفتنة النائمة، وإيقاظ الشهوات الهادئة وهم يحسبون أنهم مصلحون».
وينتهى سيد قطب فى مقاله إلى الدعوة إلى: «أطلقوا الشواطئ عارية لاعبة، أيها المصلحون الغيورون على الأخلاق فذلك خير ضمان لتهدئة الشهوات الجامحة، وخير ضامن للأخلاق». وتقودنا دعوة قطب للعرى إلى الصفحات المجهولة من حياته الشخصية، فقطب لم يتزوج، ولكنه وقع فى الحب أكثر من مرة، ويبدو أن هيئته الضعيفة ووجهه الأقرب للدمامة كانا من أسباب هروب الحب منه، فقد أحب فتاة من قريته مرة ثم عندما سافر للقاهرة ليتلقى العلم فى مدرسة المعلمين، ثم فى كلية دار العلوم، ثم عند عودته إذا بهذه الحبيبة قد تزوجت، فكتم لوعته فى قلبه إلا أنه انطوى على نفسه وشعر بالنقمة على المجتمع الذى كتب عليه الفقر ثم أبعده عن حبيبته إلى أن تزوجت. وقد سجل سيد قطب قصة حب أخرى يعتبرها الحب الأكبر فى حياته، وكان تسجيله لها عبر عمل روائى أطلق عليه «أشواك»، وكانت أشواك هى قصة حبه بالتفصيل، يتضح هذا من أحداث الرواية رغم أنه غير الأسماء فيها إلا أنه سجل الأحداث كما هى، وليؤكد قطب على هذا كتب إهداءً فى الرواية لحبيبته قال فيه: «إلى التى خاضت معى فى الأشواق، فدميتْ ودميتُ، وشقيتْ وشقيتُ، ثم سارت فى طريق وسرت فى طريق: جريحين بسيف المعركة، لا نفسها إلى قرار، ولا نفسى إلى استقرار» ويبدو أنه كتب هذه الرواية لتكون رسالة يرسلها إلى حبيبته يسجل لها فيه معاناته ومكابدته، لذلك كان هذا الإهداء. ولكن سيد قطب عاد من أمريكا بغير الوجه الذى ذهب به، حيث كتب لنا بعض التصورات عن مفهومه للإسلام، وقد يظن الظانون أنه كتب أفكاره التكفيرية كرد فعل على ما رآه رأى العين من الحضارة الأمريكية، ولكن هذا القول لا يمكن أن يستقيم مع انبهاره بالحضارة الغربية، وقد سجل انبهاره هذا فى مذكراته عن فترة وجوده فى أمريكا، التى دونها وهو فى المركب عائدًا من هناك، لم يكن قطب وقتها ناقمًا على أمريكا ولا غاضبًا على حضارتها، ليأخذ موقف التضاد من ثقافات العالم وأطروحاته، ولكنه مع ذلك توجه أول ما توجه إلى جماعة الإخوان، التى كان مرشدها حسن البنا قد قُتل منذ عام، دخل قطب إلى تلك الجماعة ليجد مكانه فيها متاحًا فى أعلى قيادة بمباركة من حسن الهضيبى، المرشد الثانى، ليبدأ قطب فى كتابة «فى ظلال القرآن» على هيئة مقالات فى مجلة الإخوان، وفيما بعد يستخرج من تلك المقالات كتابه الأشهر معالم فى الطريق، ذلك الكتاب الذى وضع نظرية التكفير تحت مسمى جاهلية كل مجتمعات العالم، وكأن كلماته تلك كانت هى كلمات للشيطان الأكبر ألقاها فى روعه وأجراها على لسانه.