رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 12 أبريل 2021 الموافق 30 شعبان 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
ماجد حبته
ماجد حبته

تهديد إسرائيلى بغزو لاهاى!

الخميس 04/مارس/2021 - 08:15 م
طباعة

قبل ثلاثة أشهر تقريبًا من مغادرتها منصبها، أعلنت فاتو بنسودا، المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، أمس الأول الأربعاء، أن مكتبها سيفتح تحقيقًا رسميًا فى جرائم الحرب داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة، تأسيسًا على قرار تمهيدى سابق صدر فى ٥ فبراير الماضى، يقضى بأن الأراضى الفلسطينية تقع ضمن الاختصاص القضائى للمحكمة. وكما كل الخطوات الشبيهة، قوبلت الخطوتان بترحيب فلسطينى واعتراضات وتهديدات أمريكية إسرائيلية.

تشغل بنسودا، Fatou Bensouda، موقعها منذ منتصف يونيو ٢٠١٢، وستغادره منتصف يونيو المقبل. وعلى مكتبها، منذ سنة ٢٠١٤، ثلاثة ملفات قدمها الفلسطينيون: «العدوان على غزة»، ويشمل استخدام القوة المفرطة والأسلحة المحرمة دوليًا وارتكاب مجازر ضد مدنيين.. «الأسرى داخل السجون الإسرائيلية»، ويتضمن اتهامات بسوء معاملة الأسرى والإهمال الطبى الذى أدى إلى وفاة بعضهم. وتناول الملف الثالث «الاستيطان»، أو البناء غير القانونى على الأرض الفلسطينية المحتلة، وإرهاب المستوطنين، الذى أسفر عن مقتل مدنيين فلسطينيين. لم تلتفت بنسودا إلى الملفات الثلاثة، وقالت إن «قرار فتح تحقيق جاء بعد فحص أولى شاق» استمر قرابة خمسة أعوام. وبزعم أن المحكمة مؤسسة مستقلة، محايدة وغير متحيزة، ساوت بين الجانى والضحية، وقالت إن التحقيق لن يقتصر على طرف بعينه، وسيشمل جميع «الجرائم المشتبه فيها» سواء ارتكبها إسرائيليون أو فلسطينيون، ووصفت الجيش الإسرائيلى، والجماعات الفلسطينية المسلحة، كحركة «حماس»، بـ«الجناة المحتملين». مع أن عملية «الجرف الصامد»، مثلًا، التى قامت بها إسرائيل فى صيف ٢٠١٤، وسيركز عليها تحقيق المحكمة، راح ضحيتها ٢٢٥٠ فلسطينيًا، غالبيتهم مدنيون، و٧٤ إسرائيليًا، غالبيتهم جنود.

مع ذلك، رحبت الخارجية الفلسطينية، وحركة «حماس» بالقرار، بينما وصفه بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلى بأنه «عهر ونفاق ومعاداة للسامية»، واعتبره جابى أشكنازى، وزير الخارجية، «دليل إفلاس»، وقال إن «بنسودا وأمثالها يجعلون من المحكمة أداة لخدمة المتطرفين ودعم المنظمات الإرهابية». كما تعهد بينى جانتس، وزير الأمن، بمحاربته وتشكيل فريق خاص للتعامل معه والعمل على تغييره. والثلاثة، وفقًا للدعوى الفلسطينية، متهمون بارتكاب جرائم حرب. أما الرئيس الإسرائيلى رءوبين ريفلين فوصف القرار بأنه فضيحة، ووعد، كما وعد رئيس وزرائه، بأن حكومته «ستحمى جميع الجنود والمدنيين وستقاتل لإلغاء هذا القرار».

أيضًا، ذكرت القناة الإسرائيلية السابعة، منتصف الشهر الماضى، أن إسرائيل ستواجه المحكمة بمشروع قانون، يحظر التعاون معها ويتيح فرض عقوبات على أعضاء المحكمة وعلى أى كيانات تساعدها. وهناك مشروع قانون بالفعل تقدمت به منظمة «شورات هدين»، أو سيادة القانون، يهدف إلى إنشاء شبكة أمان قانونية، للإسرائيليين، الذين قد تتم محاكمتهم. وبموجب هذا القانون، ستضع الحكومة الإسرائيلية كل إمكاناتها تحت تصرف هذه الشبكة، و... و... وسيكون القانون نسخة من قانون «حماية رجال الخدمة المدنية»، Servicemen Protection Act، الذى أصدره الكونجرس الأمريكى، سنة ٢٠٠٢، والمعروف باسم قانون غزو لاهاى.

اتفاقية روما، التى تم بموجبها إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، فى مدينة لاهاى الهولندية، دخلت حيز التنفيذ فى أول يوليو ٢٠٠٢، وقبل مرور شهرين، صدر ذلك القانون الذى يمنح الرئيس الأمريكى صلاحيات مطلقة، بما فيها استخدام القوة وغزو هولندا لتحرير أى مواطن أمريكى تحتجزه المحكمة. وكثيرًا ما هددّت الإدارات الأمريكية المتعاقبة المحكمة وقضاتها، بملاحقتهم وفرض عقوبات عليهم، حال قيامهم بملاحقة أمريكيين أو إسرائيليين أو أى حلفاء آخرين للولايات المتحدة. وبالفعل، قامت إدارة الرئيس الأمريكى السابق ترامب، فى سبتمبر الماضى، بفرض عقوبات على بنسودا وفاكيسو موشوشوكو، مدير إدارة التكامل والتعاون بالمحكمة.

على الدرب نفسه، سارت الإدارة الأمريكية الحالية، وبينما كان أنصار جو بايدن، الأمريكيون أو المتأمركون، يساريين كانوا أو إسلاميين، يتوهمون أنه سيترجم الشعارات، التى يتغنى بها، إلى قرارات، استمرت تلك العقوبات، وأعلن نيد برايس، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، عن أن بلاده «تعارض بشدة» قرار المحكمة الجنائية الدولية بفتح التحقيق، وبالشدة نفسها اعترض على القرار التمهيدى، وسيعترض على أى قرارات لاحقة. ولعلك تتذكر أن إدارة ترامب انسحبت من «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة، فى يونيو ٢٠١٨، بزعم انحيازه ضد إسرائيل، وحين قررت إدارة بايدن العودة إلى ذلك المجلس، الشهر الماضى، اشترطت إصلاح جدول أعماله والتوقف عما وصفته بـ«التركيز غير المتناسب» على إسرائيل.

.. وأخيرًا، لسنا فى حاجة إلى ما يؤكد عجز ما يوصف بـ«المجتمع الدولى» عن فرض احترام قوانينه وقراراته، إلا على الدول الضعيفة، كما لا نحتاج إلى شواهد جديدة على أن جثة منظومة العلاقات الدولية ترقد فى سلام، إلى جوار جثث كل المؤسسات الشبيهة بالمحكمة الجنائية الدولية، التى نتوقع أن يقوم البريطانى كريم خان، المدعى العام القادم، بوضع هذا الملف فى الثلاجة، حتى يغادر منصبه أو قبل ذلك بقليل!.