رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأحد 28 فبراير 2021 الموافق 16 رجب 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

في ذكراها.. نجيب محفوظ عن أم كلثوم: «نعمة الدنيا»

الأربعاء 03/فبراير/2021 - 02:06 م
جريدة الدستور
نضال ممدوح
طباعة
في الإهداء الذي قدمت به كتابها "أم كلثوم عصر من الفن" تقول مؤلفته د. نعمات أحمد فؤاد: "أيها الصوت من السماء. يا حبيبة الملايين وكل معني كريم يا أم كلثوم. حين غنيت أوبريت "رابعة العدوية" شدا صوتك وأن وبكي ثم طار علي جناحين إلى السماء، معلنا صعود رابعة إلى الملأ الأعلى. الآن أنت في طريقها إلى عالم الحور والنور، وشقت الرؤية وانجلي البصر.

أم كلثوم والتي تحل اليوم الذكري الــ 46 لرحيلها عن عالمنا حبيبة الملايين عن حق، ويشهد على هذا تحلق الملايين من المحيط إلى الخليج حول أجهزة المذياع موعد سهرتها كل في الخميس الأول من كل شهر. شدت بأعذب الألحان لكبار الملحنين، وكلمات عشرات من فطاحل الشعراء. وفي السينما كان لها كام لها ستة تجارب هي: دنانير٬ سلامة٬ نشيد الأمل٬ فاطمة٬ وداد٬ وعايدة.

وفي كتابه "السينما المصرية.. 50 عامًا من الفرجة" الصادر عن دار كُتّاب للنشر بدبي عام 2018. يقول مؤلفه الروائي ناصر عراق: هل نجحت السينما في استثمار هذا الصوت لتقديم أفلام ناجحة ومهمة؟ الحق إن السينما في مصر كانت تحبو حين اقتحمتها كوكب الشرق، فأول أفلامها (وداد) للمخرج الألماني فريتز كرامب عرض في عام 1936، أي بعد أن نطقت السينما المصرية بأربع سنوات فقط (أول فيلم مصري ناطق كان أولاد الذوات عرض في 1932). لذا انطبعت أفلام كوكب الشرق الستة بمنطق السينما في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، هذا المنطق كان ينهض على المبالغة في القصة والزخرفة في الأداء الصوتي، والنزعة الدرامية الفجة التي تعتمد على المصادفات غير المنطقية، كما أن صناع أفلامها لجأوا إلى التاريخ ليستلهموا منه القصص التي تصلح لها، ففيلم (دنانير 1940) يرصد حكاية مطربة من العصر العباسي، وفيلم (سلامة 1945) نحا النحو نفسه، ووداد قبلهما تحدث عن جارية حظيت بصوت رائع عاشت في الفترة المملوكية بمصر.

بقيت أفلام (نشيد الأمل 1937)، (عايدة 1942) و(فاطمة 1947)، وكلها تدور في العصر الحديث. صحيح أن فيلمها الأخير كان أكثر نضجًا من حيث بساطة الأداء وسرعة الإيقاع ومتانة الحبكة وسيولة الأحداث، ومنطقيتها نسبيًا، لكن ذلك يعود في المقام الأول إلى التطور الذي لحق بصناعة السينما في وقت إنجاز الفيلم، فضلا عن أن أم كلثوم نفسها كانت قد اكتسبت قدرًا لا بأس به من مهارة التمثيل بعد كل هذه السنوات التي أمضتها داخل البلاتوهات.

ما الذي بقي من هذه الأفلام الستة؟ إنها بلا جدال الأغنيات الفاتنة التي ترنمت بها في تلك الأفلام، فقد شدت أم كلثوم بأكثر من أربعين أغنية قصيرة بسبب ضرورات السينما، كثير منها مازال يرن في أذان الملايين حتى الآن ويشجيهم ويطربهم، ومن ينسى أعمالا مثل: بكرة السفر أفرح يا قلبي على بلد المحبوب وديني بصوت عباس البليدي أولا في فيلم وداد غني لي شوي شوي قالوا أحب القس سلامة الفوازير - التي لا شبيه لها في تاريخ الغناء العربي كله سلام الله على الأغنام عن العشاق سألوني الورد جميل هاقابله بكرة ساعة القرب تهنالي مادمت معاك ظلموني الناس نصرة قوية أصون كرامتي). وغير ذلك كثير بطبيعة الحال. لاحظ أن هذه الأغنيات عمرها الآن بين سبعين وثمانين عامًا، وما زلت قادرة على الإمتاع.

ويتابع عراق: نسيت أن أخبرك أن السينما استضافت صوت أم كلثوم فقط مرة أخرى في عام 1963 في فيلم (رابعة العدوية إخراج نيازي مصطفى)، حيث قدمت لنا عدة أغنيات بالغة الرقة والعذوبة منها (حانة الأقدار الرضا والنور أحبك حُبّين)، لكن المثير حقا أن الأفلام المصرية التي تم إنتاجها منذ انطلاق هذه الصناعة المميزة وحتى الآن تحتفي بأم كلثوم على طريقتها، فمعظم هذه الأفلام تستعين بمقاطع من أغنيات كوكب الشرق تمررها في خلفية المشاهد أو يدندن بها نجم الفيلم، أو يرددها أحد الممثلين بوصفها حكمة، أو يحوّرها مطرب لكنه يحافظ على نغمتها الموسيقية، كما فعل محمد فوزي مع أغنيتها (الآهات)، حيث راح يغني في زفاف أحد أصدقائه (آه.. آه.. يا اللي في المأذون طبيت.. آه.. آه.. يا اللي هاتجرّش في البيت.. آه.. آه) في فيلم (فاطمة وماريكا وراشيل)، وهكذا، تظل أم كلثوم أو صورتها أو طيفها أو صوتها حاضرًا بقوة في العديد من الأفلام المصرية.

المثير للفخر أنني استمعت إلى أم كلثوم في كل البلاد العربية والأجنبية التي أتيح لي زيارتها، فقد سمعتها في مقهى لبناني بلندن عام 2004، وانتشيت مع (أطلالها) في المقهى العربي الوحيد بالعاصمة الكورية سيؤول عام 2006، وشملني التيه عندما رنت في أذني موسيقى (أنت عمري) في مطعم بموسكو، وفي باريس تمايلت مع (هلت ليالي القمر) في مقهى مصري، وفي بغداد وبيروت ومسقط ودبي وأبو ظبي والكويت وصنعاء والجزائر وتونس سمعتها وجلست على مقاهٍ عديدة تحمل اسم أم كلثوم.
قبل ثلاثين عامًا وصف نجيب محفوظ، في برنامج إذاعي، أم كلثوم بأنها (نعمة الدنيا)... وكان صائبًا تمامًا.
حقا... نِعْمَ الواصف والموصوف".