رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

عبدالناصر وبريطانيا و«الإرهابية»


أصبح معروفًا للجميع بلا خلاف ولا اختلاف أن جماعة الإخوان نشأت بدعم مالى من المخابرات البريطانية، لذلك فهى تلقى الرعاية من بريطانيا حتى الآن، وكانت لبريطانيا أسبابها الاستعمارية فى تلك الرعاية، وقبل منتصف خمسينيات القرن الماضى، نظرت بريطانيا إلى الجماعة باعتبارها تستطيع معارضة سياسة الرئيس جمال عبدالناصر ذات التوجهات القومية العربية، ومن ثم عقد مسئولون بريطانيون اجتماعات مع قادة الإخوان من أجل العمل كأداة ضد النظام الناصرى الحاكم فى أثناء مفاوضات إجلاء القوات العسكرية البريطانية من مصر، وكذا من أجل خلق موجة من الاضطرابات تمهد لتغيير النظام لصالح تلك الجماعة التابعة لها.
ولكى نوثق هذا الأمر فلنذهب معًا إلى مذكرات شيخ الإخوان ومعلمهم يوسف القرضاوى الذى ما فتئ يدعو على مصر وجيشها فى السنوات الماضية، وبنفس تلك الروح العدائية لمصر ورجالها وجيشها يذكر القرضاوى أنه كان يعمل فى وزارة الأوقاف عام ١٩٥٦ وقت العدوان الثلاثى على مصر، وكان قبلها قد تم إيقافه من الخطابة بسبب انتمائه لتنظيم الإخوان، إلا أن مصر وقت العدوان كانت تريد كل شعبها، تدعو الجميع، تستنهض همم أبناء الوطن، ولكن ماذا فعل القرضاوى وقت أن استدعته مصر؟، يقول الشيخ فى مذكراته: «وما هى إلا أيام حتى جاءتنى برقية من وزارة الأوقاف تطلب إلى أن أحضر بسرعة إلى القاهرة لأتسلم منبر الأزهر، لرفع الروح المعنوية فى الشعب فى هذه المرحلة الخطيرة فى تاريخ مصر، بيد أنى لم أتجاوب مع هذه البرقية، وقلت فى نفسى: إنهم يستنجدون بنا الآن، حتى إذا انكشفت الغمة طرحونا وراءهم ظهريًا!». هذا رجل بلده يتعرض لعدوان ويأبى أن يقف معه فى محنته، لأنه يرى أنه لن يحصل هو أو جماعته على أى مغنم.
لم يقف الأمر عند حد عدم المشاركة فى مواجهة العدوان، ولكن وصل إلى حد التعاون مع المعتدين، فمن داخل سجن الواحات سرب الإخوان منشورًا يؤيد هذا العدوان ويطالب الشعب المصرى بسرعة التخلص من جمال عبدالناصر حتى يكف العدوان الثلاثى يده، وقام أعداد من نساء الإخوان وشبابهم بطبع هذا المنشور ثم توزيعه فى الشوارع.
وفى غضون عام ١٩٩٥ بعد القضية العسكرية الأولى للإخوان فى العصر الحديث حدث أن اجتمعت الحاجة «زينب الغزالى» ببعض القيادات الشابة من الإخوان، وكانت تستنفر فيهم روح الغضب ضد نظام مبارك، فقالت لهم: نحن ضد من يقف ضد دعوتنا، وقد أباح لنا الشرع أن نفرح لهزيمة أعدائنا، ألم يقل الله تعالى «غُلبت الروم* فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيَغلبون* فى بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون»، واستمرت قائلة: «وكانت الروم وهم أهل كتاب قد نالت هزيمة من الفرس، ففرح الكفار لفوز الفرس وحزن المسلمون لهزيمة الروم أهل الكتاب، فأخبرهم الله أنهم سيفرحون فى بضع سنين عندما تتبدل الأوضاع وينتصر الروم»، ثم أنزلت زينب الغزالى هذا المفهوم على الواقع المصرى فقالت: «نحن نفرح عندما تنال مصر أى هزيمة طالما أن الذين يحكمونها هم أعداء الإخوان، وقد فرحنا عندما شن الإنجليز والفرنسيون واليهود هجومًا ثلاثيًا على مصر، وساندناهم بالإذاعات التى أنشأها الإخوان الذين هربوا من مصر إلى إنجلترا، وكانت هذه الإذاعات تحرض أهل مصر على الثورة على نظام عبدالناصر ليتوقف العدوان الثلاثى».
كانت هذه هى أكبر اعترافات لأكبر قيادية إخوانية عبر تاريخهم، الإخوان أنشأوا إذاعات فى إنجلترا موجهة إلى مصر لتأييد العدوان وتحريض الشعب ضد نظامه وحكومته، هل رأيت خيانة أكبر من ذلك، وهل رأيت تباهيًا بالخيانة أسوأ من ذلك؟!
وكان الكاتب البريطانى مارك كيرتس قد وضع كتابًا عن علاقة الإخوان ببريطانيا عنوانه «العلاقات السرية» وكان مما قاله فيه: «مع اندلاع العدوان الثلاثى على مصر عام ١٩٥٦ قامت بريطانيا باتصالات سرية مع بعض قيادات الإخوان التى كانت هاربة خارج مصر، ومع قيادات أخرى كانت فى مصر ولم تمتد لها الاعتقالات، أو كانت قد خرجت من الاعتقالات مثل المرشد حسن الهضيبى الذى كان رهن الإقامة الجبرية وقتها، وكانت هذه الاتصالات تتم كجزء من خططها للإطاحة بعبد الناصر أو اغتياله، وأن المسئولين البريطانيين كانوا يعتقدون، وربما يخططون أيضًا، أن هناك إمكانية أو احتمالية أن يقوم الإخوان بتشكيل حكومة مصرية جديدة بعد الإطاحة بعبدالناصر على أيدى البريطانيين».
ويستمر كيرتس فى فضح مخططات الإخوان قائلًا: «وبعد ذلك بعام، وعلى وجه الخصوص فى ربيع عام ١٩٥٧ كتب تريفور إيفانز، وكان مسئولًا بالسفارة البريطانية وقاد اتصالات سابقة مع الإخوان فى خطاب رسمى لحكومة بلاده: «إن اختفاء نظام عبدالناصر.. ينبغى أن يكون هدفنا الرئيسى».. بينما تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الخطط البريطانية السرية للإطاحة بالأنظمة القومية فى سوريا بين عامَى ١٩٥٦ و١٩٥٧ كانت ترتكز أيضًا على تعاون كبير مع جماعة الإخوان هناك. وعليه ولأسباب مشابهة أيضًا انحازت الحكومة البريطانية باستمرار إلى جانب الإخوان بمختلف أرجاء الشرق الأوسط».
وبناء على جميع المعلومات السابقة، فلا يمكن فصل المخططات البريطانية فى تلك الفترة للتخلص من عبدالناصر عن المحاولة الإخوانية الفاشلة لاغتياله بالإسكندرية فى ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤ والمعروفة بحادثة المنشية، التى شهدت إطلاق النار عليه فى أثناء إلقاء خطاب فى ميدان المنشية بالإسكندرية، والآن وإذا كنا قد وضعنا الدلائل شيئًا فشيئًا، ونقلنا من مارك كيرتس والقرضاوى وزينب الغزالى، فإن خط سير الجماعة بعد ذلك قد كشف عن أشياء كثيرة، وكان من المحطات المهمة التى يجب أن نتوقف عندها ما كان يحدث من مقاومة مصرية للإنجليز فى مدن القناة أعوام ١٩٥٠-١٩٥٣، حيث كانت أعمال الفدائيين المصريين وقتها تبهر العالم، كان المشهد رائعًا، قوافل من الفدائيين تتحرك فى سرية تامة إلى مدن القناة لتحيل معسكرات الإنجليز هناك جحيمًا، كان الفدائيون ينبضون بالعاطفة الوطنية الصادقة، وهم يسعون من خلال عملياتهم إلى إقلاق الإنجليز، وجعل وجودهم فى المنطقة يكاد يكون مستحيلًا، وكانوا يحتاجون إلى تشجيع القوى السياسية لهم، كانت كتائب المجاهد المصرى أحمد حسين رئيس جمعية «مصر الفتاة» تقوم بالجهد الأكبر، ويقول الإخوان عبر مذكراتهم الشخصية إنهم كانوا من المجاهدين فى القناة ضد الإنجليز، ولكن هل هذا الأمر كان حقيقيًا؟ المرشد الثانى حسن الهضيبى ينكر ذلك، ويسخر من الفدائيين هناك، فيقول ساخرًا لمجلة «الجمهور المصرى» عدد مارس ١٩٥٢: «هل العنف سيُخرِج الإنجليز؟»!
ثم قال: «قلت لشباب من الإخوان طلبوا الانضمام للفدائيين ضد الإنجليز: اذهبوا واعكفوا على تلاوة القرآن».
فيتلقى المرشد حسن الهضيبى سخرية من المفكر الكبير الراحل «خالد محمد خالد» فى «روزاليوسف»، مطمئنًا المُحتلّ: «أبشر بطول سلامة يا جورج». ويبدو أن خالد محمد خالد لم يكن يعلم أن حسن الهضيبى هو جورج، وجورج الإنجليزى هو حسن الهضيبى، وكلاهما يتمنى السلامة للآخر.