رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 21 يناير 2021 الموافق 08 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

لماذا أخفت كوكب الشرق يوم ميلادها عن العامة؟

الخميس 31/ديسمبر/2020 - 02:42 م
جريدة الدستور
نضال ممدوح
طباعة
كان يوم مولد أم كلثوم التي تحل ذكراه الـ112 أثرًا بالغًا في مسيرتها الفنية٬ سجلته الكاتبة نعمات أحمد فؤاد في كتابها "أم كلثوم عصر من الفن"، حين تذهب إلي أن أعظم قصة وفاء في حياة كوكب الشرق كانت مع أمها فاطمة المليجي٬ لم تكن تعرف الكتابة والقراءة لكنها كانت تقرأ الأفكار والأخبار والأحداث والوجوه، طويلة الصمت فإذا تكلمت أدت٬ قصيرة العبارة في بلاغ٬ كثيرًا ما تغني نظرتها عن الكلام٬ تري الرأي فيكون٬ في محيط أسرتها، تحترم نفسها وتحترم الناس٬ حددت نسلها وأهل الريف هوايتهم التكاثر.

إذا أكلت تعففت وإذا تحدثت تلطفت٬ تزهو بابنتها دون أن تشعرها٬ تتعمد إشعارها بأنها كبيرة عند الناس٬ غضبتها مروعة٬ دعوتها مباركة، عن هذه الأم ورثت أم كلثوم العذوبة و"القفشة" ولذا سهل عليها الاكتساب في هذا الباب.

لم تكن أم كلثوم كبيرة إخوتها٬ بل أصغرهم لكنها أقربهم إلي قلب أمها وأعزهم عليها وآثرهم عندها. توسمت الأم في الصغيرة الخير٬ وأدركت الطفلة مكانها فزادها المكان والمكانة٬ فتمايزت وامتازت وقررت أن تكون شيئًا فكانت٬ وصارت أم كلثوم٬ لكنها بعد هذا ظلت لأمها "ابنة" تقبل يدها قبيل خروجها للحفلة٬ ولم تذهب أمها إلي المسرح قط٬ ولكنها كانت لا تنام قبل أن تعود.

ولدت أم كلثوم في ليلة القدر٬ وفي هذه الليلة من كل عام كانت الأم تحتفل بها٬ وتظن الأسرة أن الاحتفال بالمناسبة الدينية وحدها٬ وإن كانت تحس أنه موسع٬ ولم يدر أحد أن التوسعة لازدواج المناسبة فإن ليلة القدر هي ليلة المولد أيضًا٬ مولد أم كلثوم.

وظل هذا السر بين الأم وابنتها٬ وظلت الأسرة تشارك في الاحتفال بالليلة المباركة دون أن تعرف سبب نكهتها الخاصة حتي أواخر الستينيات.

أفصحت أم كلثوم٬ وإذ عرف الجميع ازداد الابتهاج بالليلة المباركة٬ فأطفال الأسرة يحملون الوررود والشموع والكبار يهنئون. وظلت الأسرة منذ ذلك التاريخ تحتفل بمولد أم كلثوم مرتين في العام٬ مرة في ليلة القدر وتعتبره مولد المعجزة٬ مرة في 31 ديسمبر وتعتبره مولد الإنسانة.

علي أن أم كلثوم لم تشأ أن تخرج بالإعلان عن اطار الأسرة إلي الحياة العامة التي كانت تتلقف أخبارها٬ لم تشأ أن تكلف أحد شيئا وهي تعرف جيدا ماذا يفعله محبوها وما أكثرهم لو أن الأمر أصبح معروفًا ومؤكدًا٬ وهو لون من ألوان التعفف ولون من الذكاء يتقي الحرج في حالة الاحتفال أو عدمه.

وتؤكد "نعمات": أحبت أم كلثوم أمها حبًا جمًا٬ واعتزت بها بل كانت لها حياة حتي إذا مرضت مرض القلب أحست أنها ستفقد بفقدها مقوماتها٬ وماتت عنها 1947 وهي في سن الرشاد والنضج والوصول ولكنها تفجعت عليها. لقد أحست أنها فقدت كل شيء٬ فقدت عزوة من الحب والملاذ والسر والحب والحنان.

وانهارت أم كلثوم إذ غادرت أمها البيت وغادرت الدنيا٬ بكتها وظلت أسبوعًا لا تغادر حجرتها في صلاة موصولة تفزع فيها إلي الله فلا تهدأ من روع إلا أذا زارت مدفنها وخلت إليها غائبة كالحاضرة كما كانتا تخلوان في الحياة. وظلت أم كلثوم تفعل هذا إلي أن لحقت بها٬ فكانت كلما أثقلها هم تفزع إليها حتي أصبح ذهابها إلي مدفن أمها علامة يخشاها المحيطون٬ أزمة نفسية تفرجها هي حين يعجز الأحياء٬ وما أكثر ما ترددت علي أمها في العامين الأخيرين من عمرها.