رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الأرمن وصناعة السينما فى مصر



لعب الأرمن- وما زالوا يلعبون- دورًا مهمًا فى تاريخ وطنهم الثانى مصر، نتذكر جميعًا الدور السياسى متمثلًا فى «نوبار باشا» أول رئيس وزراء فى تاريخ مصر الحديثة، كما أسهم الأرمن فى مظاهر الحداثة فى مصر وصناعة الوعى، ولعل صناعة السينما خير شاهد على ذلك، هل أحدثكم عن استديو ناصيبيان السينمائى، وشركة محلات ناصيبيان لمعدات التصوير الفوتوغرافى، والموزع الموسيقى ومؤلف الموسيقى التصويرية «فؤاد الظاهرى»، والعائلة الفنية الشهيرة، بدءًا من الطفلة المعجزة «فيروز» وصولًا إلى النجمة الجميلة «نيللى».
ويُلقى المصور الكبير «سعيد شيمى» فى كتابه المهم «أوهان: تصنيع وابتكار المعدات للسينما المصرية» أضواءً على شخصية أرمينية لم تأخذ حظها من الشهرة، رغم أنها لعبت دورًا مهمًا فى تحديث صناعة السينما فى مصر فى القرن العشرين، إنه المصور والمخترع «أوهان».
ولد «أوهان» فى عام ١٩١٣ فى حى باب الشعرية الشعبى بالقاهرة لوالدين مصريين من أصول أرمينية، وسينتقل «أوهان» من القاهرة إلى الإسكندرية، ليعود من جديد إلى القاهرة مع وطأة شدة الغارات الجوية على الإسكندرية أثناء الحرب العالمية الثانية.
إن مسيرة «أوهان» فى تطوير صناعة السينما، وتصنيع معداتها محليًا فى مصر مسيرة طويلة ومُشَرِفة، هذا فضلًا عن دوره أيضًا كمصور سينمائى.
تبدأ مسيرة «أوهان» مع صناعة السينما فى عام ١٩٣٦ عندما ابتكر أول كاميرا سينمائية مقاس ٣٥ مللى كاملة بجميع مشتملاتها فى مصر، وكان هذا حدثًا مهمًا فى تاريخ السينما المصرية؛ إذ يُغنى ذلك عن استيراد هذا النوع من الكاميرات من الخارج بأسعار باهظة، وهو ما كان يُشَكِل عبئًا كبيرًا على صناعة السينما فى مصر آنذاك.
كما شارك «أوهان» بعد ذلك فى دخول السينما الناطقة إلى مصر، وكان له دور فى تطوير ماكينات الصورة والصوت، مما أحدث طفرة كبيرة فى السينما المصرية.
وفى عام ١٩٤٤ قام بالتخطيط الكامل والإشراف على بناء استديو الأهرام، أحد أهم استديوهات السينما فى مصر، كما لعب «أوهان» دورًا مهمًا فى دخول كاميرا الرسوم المتحركة إلى مصر، ويعتبر أستاذًا لأستاذ هذا الفن «محمد حسيب»، وشارك «أوهان» فى دخول معامل الأفلام الملونة إلى مصر، هذا التطور الذى كان نقلة نوعية فى تاريخ الصناعة. وقدم «أوهان» خدماته أيضًا للجيش المصرى، إذ تعاون مع القوات الجوية فى مسألة التصوير من الجو عن طريق كاميرات خاصة، وإعداد هذه الصور حتى يمكن تحليلها عسكريًا والاستفادة من هذه المعلومات. ولم يقتصر نشاطه على مصر فقط، إذ قام بتصوير عدة أفلام فى العراق، وهى أفلام بالتعاون بين بغداد والقاهرة فى فترة مبكرة نسبيًا وهى سنوات الأربعينيات، كما ذهب «أوهان» إلى نيجيريا فى إفريقيا، ولعب دورًا مهمًا فى إعداد وصيانة أجهزة العرض السينمائى، لكنه عاد سريعًا إلى القاهرة.
ويذكر «سعيد شيمى» دور «أوهان» المهم فى ابتكار عازل لكاميرا التصوير حتى يتمكن من التصوير تحت الماء فى سنوات الثمانينيات، مما جعل «شيمى» أول مصور سينمائى تحت الماء.
وأخيرًا تنتهى مسيرة «أوهان» فى عام ٢٠٠١ فى القاهرة، بعد رحلة عطاء لوطنه الذى لم يعرف غيره... مصر.