رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 20 يناير 2021 الموافق 07 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

محمد القصبي يكتب: سيرة بليغ حمدي لم تنتزعني من رواية "آخر"!

الأربعاء 25/نوفمبر/2020 - 10:28 ص
جريدة الدستور
طباعة
لماذا أقدم على قراءة هذا الكتاب بشغف؟

ألأن مؤلفه يجيد "صنعة" الكتابة كما عهدته في مؤلفاته السابقة ومقالاته بجريدة القاهرة؟


أم أنها الرغبة في مجاملة كاتب صحفي زاملته بعضًا من سنوات الازدهار في أحد أهم مطابخ مصر الصحفية.. مطبخ الشيف صلاح عيسى حين شرفنا بعضوية فريقه في جريدة القاهرة التي رأس تحريرها سنوات عديدة؟ّ!!

السبب الأول "وليس الثاني" كان بالفعل دافعًا وراء بحثي عن هذا الكتاب والتهامه.

لكن ثمة دافعًا آخر بالغ الأهمية.. وراء شغفي بالكتاب..خاصة حين قرأتُ عنه مؤخرًا في "المصري اليوم" مقالًا ممتعا للناقدة الكبيرة د. أماني فؤاد.

هذا الدافع ينضح من شهوة الفضول لمعرفة كل خلفيات وتفاصيل قضية "مقتل أو انتحار" سميرة مليان في شقة بليغ حمدي.

ولا أخفي أن انطباعا استقر في قراري منذ ربع قرن.. أن بليغ حمدي..نعم.. فنان عظيم.. بل ورمز متفرد في تشكيل وجداننا عبر موسيقاه الرائعة.. لكنه نزق.. بوهيمي.. ساقته بوهيميته إلى أن يتسبب في جريمة قتل أو انتحار.. ليفر بعدها إلى المنفى.. لتقتله سنوات الغربة!

أيمن الحكيم انتزعني من مشروع رواية تنهكني فكرتها منذ أكثر من عام.. فما أن نضجت الفكرة وبدأت أغمس قلمي في لجج الخيال والمراجع العلمية.. حيث تنتمي الرواية إلى ما أسميه بالرواية الموسوعية.. أي التي تحتشد سطورها بالمعلوماتية التي تحتمها الفكرة وهوية الشخوص".

وما أن انتهيت من الفصل الأول للرواية.. حتى فاجأني مقال د. أماني حول كتاب الزميل أيمن الحكيم "موال الشجن".. وهو سرد بلغة مفعمة بالجماليات عن سيرة بليغ حمدي.

سطور الكتاب تتفاوت ما بين رقرقة نهر هادئ من التفاصيل.. أدق التفاصيل حول موسيقى وعلاقات الفنان الراحل من جهة، وبحر هادر يموج أيضا بأدق التفاصيل حول الأزمات والأوقات العصيبة التي عصفت به من جهة ثانية.

وما بين رقرقة النهر وهدير أمواج البحر أمضيت أيامًا ألهث خلف ما يؤكد "أو ينفي" هذا الانطباع الذي رسخ بداخلي منذ عقود.. أن بليغ.. نعم موسيقار عظيم.. إلا أنه أيضا - كحال العديد من المبدعين - بوهيمي.. ثمة جينة في جينومه استعصت على الأعراف والقيم الاجتماعية.

وما جريمة "سميرة مليان" في منزله إلا طفح بالوعة تلك الجينة البوهيمية.

ولِمَ كل هذا الاهتمام ببليغ ؟ لأنني ببساطة.. أنتمي إلى مجتمع يعاني من التلوث.. حيث تنخفض معدلات الأوكسيجين في هوائه عن النسبة المفترضة علميا وهي 20%.. لذا كنت وما زلت أنتشي بجماليات فنه.. كما هو حالي مع إبداعات الكبار.. في الأدب والفن.. أوكسيجين حياة نقيا يمنحني قدرًا من المناعة في مواجهة كافة ملوثات الوجود الإنساني حولي.

وهكذا كان الكاتب الصحفي أيمن الحكيم الذي بلغ عشقه لفن بليغ أن عاش حلم الاقتراب من الفنان العظيم ويعايشه شحمًا ولحمًا.. بل ويتوحد معه وجدانيا.

كان من الممكن أن يصبح تحقيق حلم أيمن الحكيم في متناول اليد بعد أن امتهن الصحافة.. لكن تشاء الصدف أن يرحل بليغ حمدي عن دنيانا بعد شهر واحد من دخوله بلاط صاحبة الجلالة.

.. وتشاء المقادير الغريبة أيضًا أن يكون الموضوع الذي كتبه الصحفي الشاب أيمن الحكيم والذي نشر في مجلة "الكواكب" ضمن ملف أعدته المجلة على عجل مع رحيل بليغ قبل يوم واحد من صدورها هو ثاني موضوع صحفي يكتبه المؤلف عبر رحلته الصحفية.. وتواصل المقادير لهوها مع "الحكيم".. فحين نشر موضوعه هذا في ملف مجلة الكواكب يداهم به غير مذيل باسمه الذي سقط سهوا!!!!

هل انتهت رحلة أيمن الحكيم مع بليغ حمدي من حيث بدأت.. مع وفاة الفنان العظيم وصدور هذا الملف؟

بل بدأت وتعمقت من خلال – بدءًا- علاقة المؤلف بأحد أصدقاء الملحن الراحل.. هذا الصديق هو الفنان الكبير محمد رشدي الذي بدا كنافذة يطل منها أيمن الحكيم على حدائق بليغ الفنية والإنسانية.

لتتعدد النوافذ سريعا.. الأبنودي.. وجدي الحكيم.. كامل البيطار.. كامل زهيري.. عفاف راضي.. صباح.. محمود عوض.

وكم أثروه بمعلوماتهم ورؤاهم لبليغ وعوالمه المثيرة..

لقد وصف الإعلامي الكبير وجدي الحكيم الفنان الراحل بليغ حمدي بأنه "كان بيمشي يدلدق مزيكا"..

وما لا يعرفه الكثيرون.. ويكشف عنه أيمن الحكيم في كتابه أن من "دلدقة" بليغ هذه استلهم أو اقتبس وربما سطا موسيقارنا الكبير محمد عبد الوهاب على بعض ألحانه!!!

ويقدم أيمن الحكيم أكثر من واقعة في هذا الشأن.. حيث كان عبد الوهاب المعجب بموهبة بليغ يدعوه إلى تناول الغداء في بيته.. وعقب الغداء كان يأتيه بالعود ويطلب منه أن يدندن بما لديه من جديد.. ودومًا كان بليغ يستجيب ودومًا يقاطعه موسيقار الأجيال هاتفا: الله الله يا بليغ!!.. لكن تلك الألحان كانت تستقر في وعي عبد الوهاب ولا تلبث أن تخرج مهضومة في ألحان جديدة له.. تغنى وتسجل وتذاع قبل أن ينجح بليغ في تسجيلها لمن سوف يغنيها.. حدث هذا مع أغنية لحنها بليغ من كلمات مرسي جميل عزيز عنوانها "قولوله الحقيقة أبو عيون جريئة" لتغنيها صباح في فيلم "سلم ع الحبايب".. وعزفها بليغ لعبد الوهاب بعد دعوة غداء ليفاجأ بالمطربة فايزة أحمد تشدو بأغنية من كلمات حسين السيد عنوانها "بريئة بريئة.. قولوا له الحقيقة" قريبة من لحن بليغ حمدي الذي أعده لفيلم صباح.. فاستغنى عنها المخرج حلمي حليم، ولم تشدُ بها صباح في الفيلم.. فظلت كلمات مرسي جميل عزيز حبيسة لسنوات حتى غناها العندليب الأسمر في فيلم شارع الحب الذي أخرجه عز الدين ذو الفقار.. لكن بلحن آخر غير لحن بليغ حمدي..

وتكرر الأمر مع لحن "تخونوه وعمره ما خانكم ولا اشتكى منكم" وهو اللحن الذي أعده بليغ ليشدو به العندليب في فيلم "الوسادة الخالية" فإذا ببليغ يفاجأ بالعندليب يشدو بأغنية لحنها شبيه من لحنه تقول كلماتها "ظلموه.. القلب الخالي ظلموه" من تلحين عبدالوهاب!

أهذا حال موسيقار الأجيال.. بنى مجده الفني على الاقتباس وربما السطو بجرأة على عبق حدائق غيره من الموسيقيين المصريين والعالميين؟

في كتابه "مع عبد الوهاب" كشف الناقد الياس سحاب أن أحد أهم الأسباب التي أدت لعدم فوز عبد الوهاب بجائزة اليونسكو عام 1977 ومنحها لرياض السنباطي يعزى إلى تقرير "جمعية الموسيقيين" التي رصدت تجاوزات عديدة لعبد الوهاب في الاقتباس من ألحان غربية بأكثر من ثلاثة موازير.. وهو الحد الأدنى القانوني للاقتباس، وهو ما تكرر في أغنيات قدمها خلال حقبة الثلاثينات تحديدًا مثل "عندما يأتي المساء"، "جفنه علم الغزل"، "يا دنيا يا غرامي"، و"يا مسافر وحدك" بالإضافة الى اقتباسات من ألحان فريد الأطرش ومنير مراد وبليغ حمدي!

وقد بلغت الجرأة بالملحن محمد الموجي حد التهور حين واجه عبد الوهاب متهمًا إياه بسرقة لحني "البوسطجية اشتكوا" و"أسألك الرحيلا" وكان رد موسيقار الأجيال أن اللحن "الحلو" مثل "الكرافتة الشيك" من حق صديقك أو أستاذك أن يستعيرها منك!

وعبر سلسلة مقالاته الشهيرة "إمسك حرامي" وجه رائد الصحافة المصرية الحديثة محمد التابعي اتهامات مباشرة لعبد الوهاب بسرقة ألحان عالمية لبيتهوفن وآخرين.

وفي جلساتهم الخاصة كثيرًا ماكان رياض السنباطي ومحمد الموجي وآخرون يرددون اتهامات لعبد الوهاب بسرقة ألحانهم وألحان عالمية قدمها في أشهر أغنياته.

وعودة إلى كتاب أيمن الحكيم حول سيرة موسيقارنا العظيم.. تحديدا هذا الذي يتعلق بانطباعي القديم:

هل كان هذا حال بليغ حمدي الفنان العظيم.. بوهيميًا إلى حد أن تجنح به ملذاته ليحول منزله إلى "مرتع " للسكارى الذين لا يتورعون عن القتل؟

وحكاية مقتل أو انتحار المغربية سميرة مليان كان مسرحها الزمني ليلة 17 ديسمبر عام 1984.

وطبقا لما أورده أيمن الحكيم في كتابه حول خلفية تلك الليلة الكارثية أن بليغ حمدي وجه الدعوة لأصدقاء من عائلة التازي المغربية ردًا على حفاوتهم به كلما زار المغرب لقضاء سهرة في منزله بميدان سفنكس.

الدعوة أيضًا وجهت إلى صديقه الثري السعودي عبد المجيد توردي وأصدقاء له.

وأصدقاء الثري السعودي هم الشاعرة الجزائرية لويزا علام ووالدتها وردتي سعيدات، وسيدة مغربية اسمها سميرة مليان في الرابعة والعشرين من عمرها، سبق وأن تزوجت من نجار مغربي وأنجبت منه 3أبناء.. وحين انفصلا ضم الأولاد إلى حضانته.

أما ضيوف بليغ فهم كبير مذيعي صوت العرب كامل البيطار، الشاعر والسيناريست بهجت قمر، المليونير المصري عبد الله الصعيدي، الفنانان الشابان فتحي سلامة ويسري الحامولي.

استمرت السهرة حتى مطلع الفجر.. حيث غادر أفراد عائلة التازي الذين توجهوا إلى المطار مباشرة.. وحينها قرر بليغ حمدي المرهق للغاية الانسحاب بهدوء إلى غرفته.. على أمل أن ينصرف الجميع حين يلاحظون أنه توجه إلى فراشه.. وبالفعل انصرف الجميع إلا المطلقة المغربية سميرة مليان التي أسرفت في تناول الخمور لتفقد اتزانها ودلفت إلى إحدى غرف الشقة الكبيرة.. ومعها المليونير السعودي.

دون أن يلحظ الخدم..

ماذا دار بينهما؟ لا أحد يعرف.. بل يصف المؤلف ما جرى في الغرفة بلغز الألغاز..

لكنه مع ذلك يتحدث تفصيليًا عن مشاجرة وقعت بين السكير الثري والسكيرة طليقة النجار.. ونفهم من تلك التفاصيل أن ثمة علاقة تربطهما موثقة بوعد بالزواج إلا أن الأنثى اشتعلت دواخلها بنار الغيرة.. لأن الذكر –المليونير السعودي- لم يستطع أن يخفي خلال الحفل اهتمامه الزائد بالشاعرة الجزائرية الشابة وإصراره على أن تقيم ووالدتها في شقة يملكها بالهرم بدلا من الفندق الذي يقيمان فيه.

يشير المؤلف أيضًا إلى أن سميرة مليان بدت في حالة هيستيريا فضربها المليونير السعودي في محاولة لإفاقتها.. لكنها هددته بإلقاء نفسها من نافذة الغرفة فلم يبال.. فنزعت ملابسها وقفزت من النافذة وهي عارية تماما.. وبدلا من أن ينهار فزعا.. فتح حقيبة يدها وسطا على نقودها وأشيائها الخاصة !!

ولا أدري.. مشاجرة بين سكيرين..صراخ وضرب.. في غرفة بشقة.. ألا تجذب انتباه الخدم الموجودين في نفس الشقة؟!

بل وتنزع صاحب البيت من سباته مهما كان عميقا؟!

ثم.. هل اكتشف بليغ عقب الجريمة أن أصدقاءه ليسوا كما كان يظن..أصحاب قيم وأخلاقيات ؟ أم أن هذا حال أي وسط بوهيمي..من الطبيعي أن يطفح بمثل هذه السلوكيات..؟!

طبقا لما جاء على لسان بليغ.. وكما ورد في الكتاب..حين أيقظته خادمته صباح وأخبرته بانتحار سميرة "..فتح بليغ عينيه ظنًا أنه في كابوس،فلما أدرك أنها الحقيقة المُرة قال وكأنه يلوم الجميع على خيانة ثقته فيهم وكرمه معهم: ليه كده.. ده أنا عمري ما أذيت حد"!!

تقرير الطب الشرعي أثبت أن القتيلة انتحرت.. إلا أنه صدر حكم من محكمة العجوزة بمعاقبة بليغ بالحبس سنة مع الشغل بتهمة تسهيل الدعارة والفجور مع كفالة 1000 جنيه لإيقاف التنفيذ وتغريمه 100 جنيه ووضعه تحت المراقبة مدة مساوية لمدة العقوبة.

استأنف بليغ الحكم..إلا أن المحكمة

أيدت إدانته في جلسة 14 مايو 1986

فقرر مغادرة مصر إلى لندن...ثم باريس مع شعوره باقتراب الخطر منه..

ليمضي خمس سنوات وصفها بأنها تعادل مليون سنة في قسوتها ومرارتها..خمس سنوات.. خاصة مع مرضه بدت كل دقيقة منها وكأنها أصابع القدر تنغرس في عنقه بلارحمة..

هل تعبق سطور أيمن الحكيم بمشاعر التعاطف مع بليغ؟

..لقد أصدرت محكمة النقض بعد ذلك حكما ببراءة بليغ من تهمة تسهيل الدعارة والفجور..

أيمن الحكيم يلح على تلك الحقيقة في كتابه إلا أن ذاك لم يزلزل الانطباع القديم

بداخلي.. أن ماحدث في شقته ليلة 17 ديسمبر 1984.. طفح جينة البوهيمية داخله.. وجه آخر له لايمت بصلة للوجه الذي أطل علينا به عبر فنه الراقي!

ومايرسخ تلك الحقيقة بداخلي دعوة تلقيتها منذ مايقرب من 20 عاما من سيدة خليجية إلى سهرة في منزلها بجاردن سيتي..وعددت لي أسماء فنانين من المشاهير سيحضرون..

ذهبت على مضض.. وربما مدفوعًا بشهوة فضول الصحفي ليرى بعينيه مثل هذه الأجواء.....

وهناك وجدتُ بالفعل بعضًا من الفنانين والفنانات المعروفين..وجدت أيضًا رجل أعمال من المعروفين..وفتيات صغيرات بعضهن دون العشرين!

وبمرور الوقت وجدت نفسي منزويًا في ركن غربتي..الأمر بدا طبيعيًا للجميع..خمور وسكر وثمالة وفتيات يلتحمن برجل الأعمال..وصياح..حتى مضيفتنًا بحثت عنها لأستأذن منصرفا..لم أجدها.

أجواء مهيئة لأي شيء..لكل شيء..حتى القتل أو الانتحار..

وأظن أن أجواء شقة جاردن سيتي هذه تبدو شبيهة بأجواء شقة سفنكس ليلة 17 ديسمبر 1984

أهذا مايرسخ ذلك الانطباع بداخلي حول بوهيمية بليغ..؟!

لكن أيضًا مع سطور أيمن الحكيم أبهرني وجه آخر يكاد يطمس بداخلي صورة بليغ حمدي البوهيمي..ليس بليغ حمدي الفنان الراقي ولاالانسان العطوف كما بدا في علاقته بالمطربةالمغمورة ولا فقيرة السيدة نفيسة ولا الست بخيتة بائعة الجرائد في ميدان التوفيقية أو اسماعيل المجنون بتاع الزمالك..كلها مشاهد بليغة في عمقها الانساني في عوالم بليغ حمدي..لكن ثمة بليغ آخر أدهشني بتناقضه العجيب مع بليغ البوهيمي كما يبدو في انطباعي القديم..ماأعنيه بليغ حمدي عاشق نانسي فاروق..

وما كان عشقا تقليديا..هو نفسه كما نفهم من سطور المؤلف عجز عن تشخيص تلك الحالة الفريدة..هي أيضا عجزت عن توصيفها..

كانت أول أنثى تتآلف وتأتلف روحه مع روحها بصدق..ويومًا أقر لها عبر قصاصة صغيرة بالتنال عن أغلى مايملك: أتنازل أنا بليغ حمدي عن نفسي وذاتي وكياني لحبيبتي"

وعبر قصاصة أخرى كتب لها ودون غيرها وصيته بأن تزوره كل سنة في ذكرى وفاته وتضع 4 وردات – بعدد حروف اسمه- على قبره.

هي الوحيدة التي اصطحبها معه في رحلة علاجه بباريس.

وهي أيضا أحبته وماكانت مطربة تسعى إلى الشهرة عبر ألحانه ولاطمعا في فلوسه كما قالت..

وما كانت تدري توصيفا لهذا الذي وحدها بالفنان الكبير..لكن إحساسها أنه أكبر من كل المسميات وظنون البشر..كل ماتعرفه أنه سكنها وملكها تماما..

انتي الوحيدة اللي هتعرفي تتكلمي عني بعد ماأموت.

هل قلت حالة عشق فريدة ؟

لاأظنها فريدة..في حياة الكثيرين منا نانسي فاروق..مهما تعددت وتنوعت علاقاتنا..تبقى..تدوم نانسي.. حتى ربما بعد الموت..زفيرها هو أكسيجين..ليس الحياة..بل إكسير الحياة لنا..أحدهم – شاعر صديق- حكى لي منذ أسابيع عن مثيلة لنانسي..أمضى برفقتها 15 عاما..صحبة على كورنيش أحد أنهار الجنة.. وكان بغباء ذكورته لايكف عن أن يسأل: بتحبيني..؟ وكانت لاتكف عن إجابته: صعب جدا توصيف اللي بينا..دي حاجة تتجاوز كل المسميات المتوارثة من آلاف السنين..كل اللي أعرفه إن فيه حالة توأمة روحية بيننا..وإننا هنكون مع بعض في الجنة!

كانت إجابتها – يقول صديقي الشاعر في شجن- تتشكل أبجديتها من نسائم أنهار الجنة!

والغريب أنه – صديقي الأديب - متعدد العلاقات..وربما بوهيمي..تماما كما يبدو بليغ حمدي في دواخلي..لكنه مثله تماما.. تتلاشى كل محطات العمر فلاتبقى في الذاكرة سوى محطة نانسي فاروق ولامحطة في العمر سواها..

أيبدو هذا طبيعيا؟

أن تتجاور في الجينوم جينة البوهيمية مع جينة الإبداع في زهوته..مع جينة العطاء لكل محتاح نعرفه أو لانعرفه..مع جينة العشق في أجل صور الرقي الانساني ؟

هكذا هو بليغ حمدي وهكذا هو صديقي..وهكذا أنا..وكُثر غيرنا..

في جانب نبدو نسلًا للشيطان..وفي جانب آخر نبدو الحلقة المفقودة بين الانسان والملائكة..

وهكذا ماأسعى لأن يكون عليه تشكيل بطل روايتي التي ظننت أن أيمن الحكيم بكتابه عن موسيقارنا العظيم ينتزعني منها..لكن ها أنا أرى في سيرة بليغ

.. في نانسي فاروق..وحتى في سميرة مليان..في شخوص كثيرة وردت حكايتها في الكتاب نماذج للانسان متعدد الوجوه..بل والمضببة دواخله بغموض يحول دون أن يرى المرء نفسه على حقيقتها..

يوما قال أحد علماء النفس: نحن نظهر أمام أنفسنا بصورة..وأمام الآخر بصورة ثانية..لكن ثمة صورة ثالثة لأنفسنا لانراها ولايراها غيرنا..

هذا الكائن بالغ التعقيد..هو ما أطمح في أن أجيد تشكيله في روايتي الجديدة التي في الحقيقة لم ينتزعني منها أيمن الحكيم..بل أثراني بسطور كتابه بمادة.. يقينا سوف تثري روايتي هذه.. وعنوانها " آخر"!