رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 25 يناير 2021 الموافق 12 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

عصام زكريا يكتب: سيرة القلب.. ذكريات عن الثقافة والفن والحب في نصف قرن (11)

الثلاثاء 24/نوفمبر/2020 - 11:56 م
عصام زكريا
عصام زكريا
طباعة
بعد حصولي على ليسانس الألسن جاء وقت التجنيد. يتذكر زملاء الكلية ضاحكين قلقي المستمر من المستقبل بسبب شيئين: التجنيد والاصابة بالصلع..ولحسن الحظ أن التجنيد مر على خير، ولكن لم أنج من الصلع!
كثيرا ما كان الشطرنج واسطتي وسندي الوحيد في الحياة، بالرغم من أنه التهم مساحات هائلة من هذه الحياة. في تلك الفترة من منتصف الثمانينيات كان هناك اهتمام حقيقي بالرياضة في الجيش والشركات الكبرى، وبفضل إجادتي للشطرنج مرت معظم شهور الجندية سهلة سريعة حيث تم الحاقي بالمركز الرياضي بالاسماعيلية، وبفضل الشطرنج تم تعييني في شركة مصر للطيران بعد انهائي للخدمة العسكرية، ومرة أخرى بفضل الشطرنج تحققت حلمي القديم بالعمل صحفيا في مجلة "روزاليوسف"، تحديدا!
لكن السينما كانت تحتل أيضا جزءا كبيرا من حياتي، وكانت أهم وسيلة أتغلب بها على خيبات الحب والشطرنج، وعلى ساعات الاكتئاب والملل بشكل عام. أذكر أنني خلال امتحانات الثانوية العامة، كان لدي امتحان صعب في اليوم التالي ولكن لا أجد لدي الطاقة ولا الرغبة في "المذاكرة"، فخرجت وذهبت لمشاهدة أحد الأفلام، لم أزل أذكر هذا الفيلم، وهو "امرأة غير متزوجة" ( اخراج بول مازورسكي، 1979)، الذي عرض في مصر بعنوان "امرأة متحررة" في سينما "رومانس" بالقرب من ميدان الجلاء برمسيس. وبعد مشاهدة الفيلم عدت ممتلئا بالطاقة وركزت عدة ساعات في "المذاكرة" وأديت الامتحان بشكل جيد في اليوم التالي.
كنت، ولم أزل، أعشق الليل، وأنشط خلاله بينما أظل معظم ساعات النهار ناعسا، مرهقا، حتى أن أحد أصدقائي أطلق علي مرة اسم طائر اللقلق، الطائر الوحيد الذي ينام بالنهار ويصحو بالليل، بعد ان قرأ عن هذا الطائر في مجلة "الحياة السوفيتية" التي كانت تباع في مصر، وكنا نشتريها لإنها تحتوي على باب مخصص للشطرنج. وبسبب حبي لليل وشعوري بالنشاط كلما تقدمت ساعات الليل، شبهني أصدقاء آخرون بـ "الفامبير" الذي يكره النهار وينشط بعد منتصف الليل. لذلك كنت أشعر أن الحياة العسكرية لا تناسبني على الاطلاق، بالرغم من أنني تعلمت بعض الأشياء الجيدة خلال فترة الجندية واكتشفت مثلا إنني أجيد الرماية، لكنني لم أطق الاستيقاظ مبكرا وحلاقة الذقن كل يوم، والبقاء داخل أسوار معسكر في الصحراء لأسابيع والأكثر من ذلك الاضطرار إلى النوم "جماعة" في عنبر واحد، في الوقت الذي تكون فيه حواسي على وشك الاستيقاظ.
أدى بي حب السينما إلى الحبس في سجن مركز التدريب بعد أن قمت بالتزويغ من المعسكر لحضور أفلام مهرجان القاهرة. كنت أحاول اقناع الضابط المناوب بالسماح لي بالنزول "مبيت"، وهو يرفض ويطلب مني أن أذهب لحلاقة ذقني النابتة حتى لا "يعطيني جزا"، عندما تدخل جندي آخر لا أعرفه سمع الحوار، محاولا إقناعي بأن محاولاتي لن تنجح وأنهم لن يسمحوا لي بالنزول، قلت له "لأ..لازم أنزل"، فسألني هل هناك سبب طارىء يستدعي نزولي، فأجبته بأن مهرجان القاهرة بدأ ولا بد أن أنزل لمشاهدة بعض الأفلام!!
ضحك الجندي الزميل، وعرفني بنفسه. كان خريجا حديثا من كلية الفنون، قسم تصوير ( رسم)، ويحب القراءة مثلي، وأخذنا نتحدث عن السينما والأدب والفن التشكيلي، وكانت بداية صداقة عميقة استمرت، ولم تزل، لسنوات طويلة بعد انتهاء فترة التجنيد. هذا الصديق هو الروائي والصحفي والرسام المرموق ناصر عراق.
من خلال ناصر دخلت عالم السياسة الذي كان بالنسبة لي مجرد معلومات في الكتب. بعد اانتهاء فترة التجنيد شاركنا في بعض النشاطات السياسية وانضممت إلى حزب التجمع، الأقرب إلى أفكاري والأكثر اهتماما بالثقافة والفن. كانت الصحافة الحزبية في عزها، خاصة صحيفة "الأهالي" ومجلة "أدب ونقد" وكذلك صحف "الوفد" و"الشعب" و"الأحرار".
من الطريف أنه في الوقت الذي قررت فيه أخيرا أن أنضم إلى اليسار الحزبي، وليس مجرد الفكري والنظري، كان اليسار ينهار في العالم كله. بدأت قطع "الدومينو" في الانهيار عقب حادث تسرب الاشعاع في مفاعل تشرنوبل، و"بيروسترويكا" – إعادة البناء- ثم "جلاسنوست" – شفافية- جورباتشوف، سكرتير عام الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وقتها، وصولا إلى سقوط سور برلين المدوي في 1989.
على أية حال كانت الفترة القصيرة التي قضيتها في العمل السياسي سواء داخل حزب التجمع، أو خارجه، من أهم الفترات التي ساهمت في تكويني الثقافي. تعرفت أكثر على القضايا السياسية المتعلقة بعالمنا العربي: وعن الرأسمالية والصهيونية ودور الاقتصاد في تشكيل تاريخ العالم، وحتى تاريخ الفكر والفلسفة والفن. بعد هذا النشاط السياسي بدأت أهتم بالجانب الاجتماعي في الأعمال الفنية، وبالتحليل الطبقي لأفكارها ومضامينها المضمرة. ومع أن أفكاري تعرضت لتنقيح وتغيير كثير بعد ذلك، إلا أن قراءاتي للماركسية في هذه الفترة لا تزال تشكل النواة الأساسية لمعتقداتي السياسية، مثلما تشكل نظرية النشوء والارتقاء النواة الأساسية لمعتقداتي عن الكون والحياة، ومثلما تشكل نظريات فرويد النواة الأساسية لمعتقداتي عن النفس البشرية. ربما أكون قد ذكرت هذا من قبل: لقد تشكل القرن العشرون من عمر البشرية بناء على انجازات ثلاثة رجال هم تشارلز داروين، سيجموند فرويد وكارل ماركس. أعلم أن هؤلاء الثلاثة مكروهون في عالمنا العربي، لإنهم يرفعون بأفكارهم أغطية الجهل المتراكمة منذ قرون وينزعون دروع المقاومة التي نرفض بها التحرك للأمام. والثلاثة كانوا مكروهين أيضا في البلاد التي ولدوا وعاشوا فيها، ولكن أفكارهم انتصرت بعد موتهم، ومع أن كل هذه الأفكاروالنظريات التي أتوا بها تم تعديلها على مدار العقود التالية، لكن الأفكار الأساسية ومناهج التفكير التي تركوها لم تتغير، ولم تزل حية.
أعود إلى معسكر التدريب. نزلت إلى القاهرة في اليوم التالي بتصريح "مبيت" لليلة واحدة، ولكنني قضيت عدة أيام غارقا في دور عرض وسط البلد مع أفلام مهرجان القاهرة. لا أذكر بالضبط الأفلام التي شاهدتها ولكن ربما كان منها "كارمن" للأسباني كارولس ساورا، "الطريق إلى الهند" للانجليزي ديفيد لين، صاحب "لورانس العرب" و"دكتور زيفاجو"، و"برازيل" للانجليزي أيضا تيري جيليام، الذي كرمه مهرجان القاهرة العام الماضي، وهو عمل خيالي سيريالي عجيب، تأثر به المخرج رأفت الميهي بشدة في فيلمه "سمك لبن تمر هندي". كذلك شاهدت فيلما يونانيا غنائيا اسمه "ريمبتكو" لمخرج اسمه كوستاس فيريس، ولد وعاش حتى شبابه المبكر في مصر، لم أكن أعرفه وقتها، ولكن بعد أكثر من عشر سنوات سوف نلتقي ونتصادق خلال مهرجان الأسكندرية، وسوف يعطيني نسخة من "ريمبتكو" على شريط فيديو لا زلت أحتفظ بها. المهم أن نتيجة هذه الجولة السينمائية طبعا أنني سجنت ليومين في مركز التدريب، قبل أن يفرج عني وأحصل على تصريح "مبيت" آخر لألحق بآخر أيام المهرجان!
عقب انتهائي من الخدمة العسكرية اشتركت مع صديق لي في "نادي سينما القاهرة"، وكانت الأفلام تعرض مرتين في "قاعة ايوارت" بالجامعة الأمريكية و"قاعة النيل" الملحقة بالكنيسة الكاثوليكية بشارع محمد فريد، حيث مقر "جمعية الفيلم"، أقدم الجمعيات السينمائية في مصر التي لا تزال مستمرة حتى الآن، ويرأسها مدير التصوير الكبير محمود عبد السميع.
مع "نادي السينما" وجدت نفسي في خضم الثقافة السينمائية من أفلام فنية ومناقشات ونشرة أسبوعية تحمل بعض الدراسات العميقة والحوارات مع صناع الأفلام المصريين والأجانب ومعلومات مهمة عن الأفلام المعروضة.
كان أول فيلم شاهدته، أو ربما أول فيلم ترك في تأثيرا هائلا، هو "ثمانية ونصف" للمخرج الايطالي فيدريكو فلليني، وهو فيلم قديم يعود إلى عام 1963، لكنني لم أكن قد شاهدته أو شاهدت شيئا مماثلا من قبل، ربما باستثناء "أسكندرية ليه؟" ليوسف شاهين المصنوع عام 1979، و"حدوتة مصرية" المصنوع 1982. يبدو أن هناك فجوة ثقافية حدثت في مصر من الخمسينيات حتى منتصف السبعينيات، وهي الفترة التي شهدت ثورات وطفرات عالمية هائلة على مستوى العلم والفكر والفنون والجنس. حتى بداية الخمسينيات لم يكن هناك فارقا كبيرا بين السينما المصرية والسينما في أوروبا وأمريكا واليابان مثلا. ولكن بعد ذلك تطورت هذه السينمات بشكل هائل بينما ظلت السينما المصرية محلك سر، بل وبدأت في التراجع، وهو ما حدث أيضا في معظم المجالات الأخرى.
يتناول "ثمانية ونصف" سيرة فلليني نفسه من خلال قصة مخرج يحاول أن يصنع فيلما، عبارة عن قصاصات مشهدية من صعوبات صنع الفيلم ومشاكله مع زوجته وذكريات طفولته وشبابه وأحلامه وكوابيسه.
الفيلم الثاني الذي شاهدته في "نادي سينما القاهرة" وترك تأثيرا مماثلا هو "الفراولة البرية" للسويدي انجمار بيرجمان، وهو يشبه "ثمانية ونصف" في كونه سيرة ذاتية لمخرجه، لكن بدون "الفانتازيا" التي تصبغ "ثمانية ونصف". "الفراولة البرية" يميل أكثر للتأمل الفلسفي الحزين. بعد "الفراولة البرية" شاهدت لبيرجمان أيضا رائعته "الختم السابع"، يبدو أنه كان برنامجا خاصا لأفلام بيرجمان. و"الختم السابع" عمل فلسفي شاعري يروي قصة فارس أوروبي يعود من الحروب الصليبية بعد طول سفر، ليجد ملك الموت في انتظاره يريد أن يقبض روحه، ويلعب الاثنان مباراة شطرنج محسومة نتيجتها، يحاول خلالها الفارس المحنك أن يخدع ملك الموت!
لبيرجمان شاهدت أيضا "وجها لوجه" وهو فيلم نفسي عجيب حول الخيالات الغريبة لطبيبة نفسية تعاني هي نفسها!
لا أنسى أيضا فيلم "الروليت الصيني"، 1976، لمخرج ألماني كنت أسمع اسمه لأول مرة هو راينر فيرنر فاسبندر، وقد شاهدته مرتين، الأولى في "ايوارت" والثانية في "النيل" حتى أفهمه، وهو دراما عائلية قاتمة محملة بالرموز السياسية.
فيلم آخر لا ينسى هو "الرجل الفيل" للمخرج ديفيد لينش، 1982، من بطولة أنطوني هوبكنز وجون هيرت، وسوف يصبح لينش بعد ذلك بسنوات مخرجي المفضل.
مع منتصف الثمانينيات يمكن أن أقول أن ملامح تكويني الثقافي بدأت في التشكل والاتضاح. قرأت عددا من أهم الأعمال الأدبية لكبار الكتاب العرب والأجانب، وقرأت أعمالا بالألمانية والانجليزية وترجمت بعض القصص والأشعار. كانت موضة "ماركيز" قد بدأت في عالمنا العربي، وهو أول أديب معاصر كنا نتلقف أعماله الجديدة أولا بأول، وقد فتحت ترجمة أعماله إلى العربية الطريق أمام أدب أمريكا اللاتينية المعروف بمذهب "الواقعية السحرية" التي كان لها تأثير كبير للغاية على الأعمال المصرية الأدبية وحتى السينمائية. كنت أعد نفسي لكي أكون أديبا أو شاعرا، غير أن الموهبة، ببساطة، لم تتوفر، أو ربما لإن عقلي كان يميل في اتجاه آخر نحو التحليل والنقد لا الابداع. في الثمانينيات أصدرت الهيئة العامة للكتاب عددا من المجلات الأدبية الجيدة، "إبداع" و"فصول" و"القاهرة"، وبعض السلاسل الأدبية الجيدة، وبالذات سلسة "مختارات فصول" التي تعرفنا من خلالها على أسماء جديدة نسبيا مثل إبراهيم أصلان، محمد المخزنجي، محمد البساطي، بهاء طاهر، عبد الحكيم قاسم، سعيد الكفراوي، جار النبي الحلو وعبده جبير الذين صدرت بعض أفضل أعمالهم على الاطلاق من خلال هذه السلسلة، بالإضافة إلى بعض الأسماء الكبيرة مثل فتحي غانم ويحي حقي وبدر الديب ومحمود دياب وغيرهم. أضرب مثلا بـ"مختارات فصول" لأبين كيف أن سلسلة واحدة يتوفر على إصدارها عقول منفتحة ذات ذائقة جيدة يمكن أن تسهم في نجاح جيل بأكمله وتسهم في تثقيف أجيال بأكملها. التأثير نفسه الذي تركته سلسلة مثل "كتابي" أو "الألف كتاب" أو "روايات عالمية" وغيرها من السلاسل القديمة. عندما أسأل الأجيال اللاحقة لا أسمع غالبا سوى سلسة "ما وراء الطبيعة" لأحمد خالد توفيق، المشهور بـ"العراب"، ورغم معرفتي الشخصية لتوفيق من خلال مجلة "الفن السابع" وحبي له، إلا أن هذا شىء مخجل وعلامة على التدهور الذي انحدرنا إليه، خاصة حين نعرف أسماء "عرابين" الجيل الحالي!
ربما أكون متحاملا، فأنا وأصدقائي لسنا دليلا على ثقافة جيلنا، فقد كنا استثناءا للقاعدة العريضة التي لا تعرف الكثير من الثقافة، ويكفي أن نعرف كم مبيعات كتب أشهر الأدباء مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وقت صدورها لندرك أن القاعدة العريضة طول عمرها مغيبة ثقافيا، وأننا كعرب لم نكتسب عادة القراءة التي تتمتع بها معظم الشعوب الأخرى، ولكن المؤكد أن هذه القاعدة نفسها راحت تتدهور بسرعة متزايدة منذ الثمانينيات، بعد أن استحوذت على عقولها أعلام الأفكار المتطرفة، وبعد الغزو الثقافي السعودي تحديدا الذي صبغ معالم الحياة الثقافية والفنية. ولا يمكن فصل هذا الانحدار الثقافي التدريجي عن موجات تحريم الفنون وحجاب واعتزال الفنانات، والشروط التي راحت تفرضها الرقابة السعودية بطرق غير مباشرة ومباشرة حتى على التليفزيون المصري.
لا يمكن ترك الثمانينيات من دون الحديث عن السينما المصرية التي شهدت وقتها طفرة جديدة من خلال جيل المخرجين الجدد، وموجة ما أطلق عليه "الواقعية الجديدة". وبغض النظر عن التسمية ومدى صحتها، فقد قدم هؤلاء المخرجون عددا من الأفلام الجادة التي تتناول الحياة السياسية والاجتماعية بشجاعة، وعلى رأسهم رأفت الميهي وعاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة بجانب هذه الأسماء كان هناك بعض الأعمال المميزة للمخرجين الأكبر سنا، مثل "البداية" لصلاح أبو سيف، 1986، الذي أثار اعجابنا كثيرا بسبب تحليله الطبقي الواعي، وكذلك "زمن حاتم زهران" للمخرج محمد النجار، 1987، وغيره من الأعمال التي تنتقد فترة الانفتاح، بغض النظر عن مستوى جودتها الفنية.
كان عاطف الطيب أنجح مخرجي جيل الثمانينيات جماهيريا وأيضا لدى المثقفين، وكنت حريصاعلى مشاهدة أفلامه في عرضها الأول، وكذلك أعمال الميهي وبشارة وخان، ثم داود عبد السيد ورضوان الكاشف ومجدي أحمد علي وأسامة فوزي في بداية التسعينيات، وهكذا بدأت لأول مرة تربطني علاقة مستديمة ومستمرة مع السينما المصرية.
كانت أيامي موزعة بالعدل بين القراءة والسينما والشطرنج، ولكنني ذات ليلة خلال صيف 1968، حزمت حقيبة سفري وقررت أن أسافر إلى شرم الشيخ، التي لا أعرف فيها أي أحد، للبحث عن عمل، حيث خضت لعام ونصف العام تجربة مختلفة تماما من حياتي، تنقلت خلالها بين مجموعة من أقل المهن شأنا، وكان آخرها وأرقاها مسئولية مطعم السمك الملحق بواحد من أكبر فنادق المدينة. لم يكن بشرم الشيخ وقتها سوى فندقين كبيرين وبعض القرى التيتم، أو يجرى العمل على، إنشائها.كانت أياما غريبة، بالنسبة لي، ولكنها أفادتني بشكل كبير، فقد كانت بمثابة خروج من قمقم البيت الذي لعبت فيه دور الولد الأكبر المدلل العاطل لأكثر من عشرين عاما.
عام ونصف لم أكن أزور القاهرة خلالهما سوى في إجازات متباعدة، وكانت هذه هي المرة الأولى التي أحاول فيها أن أبعد عن القاهرة، هذه المدينة اللعينة، ولكن لم تكن المرة الأخيرة التي لا أستطيع أن أبعد عنها.
بنفس الطريقة، استيقظت ذات يوم وحزمت حقيبتي وعدت للقاهرة تاركا خلفي مستحقاتي ومتعلقاتي وكتبي، ولم أعد لرؤية شرم الشيخ مرة أخرى منذ ذلك الحين.
"نداهة" القاهرة كانت تناديني بوعود غامضة لا أعرفها، وإن كنت شعرت بها داخلي. وبالفعل، لم تمر سوى أسابيع بعد عودتي إلى القاهرة، حتى وجدت نفسي في "روز اليوسف" دون أن أدري!