رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 25 يناير 2021 الموافق 12 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

فى اليوبيل الماسى لجمعية الدراسات القبطية

الثلاثاء 24/نوفمبر/2020 - 02:47 م
طباعة
تأسست جمعية مار مينا العجايبى بالإسكندرية فى نوفمبر ١٩٤٥ «أى منذ خمسة وسبعين عامًا»، ولتأسيس هذه الجمعية قصة رائعة، حدث فى عام ١٩٤٣ أن اجتمع نفر من الشباب الجامعيين بالإسكندرية وتدارسوا فى كيفية النهوض بالدراسات القبطية بالإسكندرية.

كان بعضهم على معرفة بالراهب الناسك مينا البراموسى المتوحد، المقيم بإحدى طواحين الهواء بمصر القديمة، «صار فيما بعد فى عام ١٩٥٩ البابا كيرلس السادس البطريرك ١١٦»، فتوجهوا لزيارته، وعرضوا عليه فكرة تأسيس الجمعية.

رحّب بالفكرة، وعندما عرضوا عليه اختيار اسم للجمعية، اختار لهم اسم «جمعية مار مينا»!! فقالوا له بدهشة: «لا يوجد أحد يسمع عن اسم (مار مينا)»، فقال لهم: «بكرة الاسم سينتشر، وعلشان تشجعوا على نشره كل فرد منكم يُنجب ابنًا يطلق عليه اسم مينا». وحدث فعلًا هذا.

رئيس الجمعية فى ذلك الوقت الأستاذ بانوب حبشى «مفتش الآثار بالمتحف اليونانى الرومانى بالإسكندرية» أنجب ابنه الأكبر، وأطلق عليه اسم «مينا»، والأستاذ جورج غالى قلدس، شقيق زوجة الأستاذ بانوب حبشى وفيما بعد المصور الخاص للبابا كيرلس السادس، أنجب ابنًا وأطلق عليه اسم «ميناس» وهو اسم «مينا» باليونانية لأن والدته كانت قبرصية، ووالدى الأستاذ بديع عبدالملك «خبير رسم الخط الفرعونى بالمتحف اليونانى الرومانى بالإسكندرية» أنجب ابنه الأكبر وأطلق عليه اسم «مينا». ومن ذلك الوقت بدأ اسم «مينا» ينتشر بين جموع الأقباط.

وعندما تأسست الجمعية كانت من أهدافها إقامة كنيسة بمنطقة رمل الإسكندرية. وفعلًا فى عام ١٩٤٦ وُفقت الجمعية فى إقامة كنيسة بمنطقة فلمنج تحمل اسم «كنيسة الشهيد العظيم مار مينا العجايبى». ثم فى أبريل ١٩٤٧ بدأت فى إصدار أولى رسائلها وكانت تحت عنوان «رسالة مار مينا فى عيد القيامة»، وكان يهتم بكتابة عناوين أغلفة الرسائل الأستاذ بديع عبدالملك.

وحتى مايو ٢٠١٩، أصدرت الجمعية ٢٧ رسالة متخصصة فى الدراسات القبطية. حتى إنه فى عام ١٩٤٨م وبالتحديد فى ٣٠ بؤونة ١٦٦٤ للشهداء، تلقى والدى رسالة من د. يوسف إسكندر «فيما بعد الأب متى المسكين» بحكم القرابة الجسدية التى بينهما، وكان وقتها د. يوسف إسكندر طالب رهبنة تحت رعاية القمص مينا البراموسى المتوحد بدير القديس العظيم الأنبا صموئيل المعترف بجبل القلمون، حيث قال فى رسالته: «.. وكذلك بسؤال الأستاذ مراد كامل علمنا أن الجمعية نشيطة ولها إنتاج قيّم وكذلك علمت أنك عضو بها من قراءة اسمك، لذلك بادرت بالكتابة إليك حتى تتكرم بموافقة بقية الأعضاء بإهداء مكتبتنا بالدير نسخة أو أكثر من مطبوعات الجمعية، مع العلم بأن دير الأنبا صموئيل مفتقر إلى مكتبة لأنه دير مُجدد، وليست له أوقاف أو موارد مالية، وكل اعتماده على تبرعات الأفراد والهيئات فقط. لذلك لنا وطيد الأمل فى إجابة طلبى ورجائى. كذلك أملنا عظيم أن تذكرونا فى كل مرة يساعدكم الرب فيها وتنتجوا بحثًا جديدًا حتى نكون على صلة بكم باستمرار. كذلك فنحن نعرض خدماتنا وجهدنا للمساهمة فى أى مشروع تقومون به أو أى بحث..». عندما صدرت الرسالة الأولى من الجمعية قام بكتابة تصدير الرسالة «أو المقدمة» العالم المؤرخ الدكتور عزيز سوريال عطية، أستاذ تاريخ العصور الوسطى بكلية الآداب بجامعة فاروق الأول «حاليًا جامعة الإسكندرية» والأستاذ السابق بجامعات ليفربول ولندن «بإنجلترا» وبون «بألمانيا»، وسجل فى تصديره الآتى: «فى هذه الأيام التى يُقلب فيها الإنسان الطرف، فكاد أن لا يرى إلا ما يبعث الحزن والأسى فى نفسه. فى هذه الأيام التى امتلأت بضجيج ما بعد الحرب، فى هذه الأيام التى انقسم فيها الناس على بعضهم: أمة على أمة، وطائفة على طائفة، وجماعة على جماعة، والأخ على أخيه، فى هذا العصر الذى اكتسحت المادة والسرعة وحديث القنبلة الذرية، وفى هذه السنين الغبراء التى غمرتها مخاوف الحاضر وأراجيف المستقبل، فى وسط كل هذه الملابسات، يلحظ المرء بين آونة وأخرى بصيصًا من الضوء يكتنف حلكة هذا الظلام المحيق، فينبعث برؤيته الأمل، ويولد معه الإيمان مولدًا جديدًا.

هذه أيها الأخ الحبيب هى الأفكار التى جالت وتجول بخاطرى وخاطر الكثيرين من إخواننا عندما يعملون قرائحهم فى أحوالنا وأمورنا، فى معاشنا ومعادنا، فى حاضرنا ومستقبلنا، بيد أننا وقد احتكم القنوط منا، وضقنا بالدنيا ذرعًا، وتكاتف الظلام من حوالينا، طلعت علينا شعلة من نور تضىء لنا طريقنا فى وحشة العالم وطرقه الملتويات، وشعلة اليوم هى تلك الجماعة الصغيرة المتواضعة التى التفت حول اسم مار مينا العجايبى، معتصمة بأساليب المحبة ونكران الذات والتضحية التى مات هو من أجلها منذ قرابة سبعة عشر قرنًا تحت حكم دقلديانوس العاتية فى القرن الثالث الميلادى. وقد درست نشاط هذه الجماعة، فوجدته نشاطًا هادئًا مضطردًا، تشمله بساطة المبدأ السليم، وتظلله أجنحة السلام الداخلى، فى تواضع من غير ضعة، وفى حماس من غير جلبة، وتزينه ثقة العلم ورجحانه، جنبًا إلى جنب مع حرارة الإيمان وحلاوته، فتراهم يحجون فى رحلاتهم إلى أديرة أبى مينا بالصحراء الغربية والبراموس والسريان وأنبا بيشوى بوادى النطرون وغير ذلك من الأماكن الأثرية، فيغذون أرواحهم بما تحمله هذه المؤسسات بين ظهرانينا من الورع، ويسرون أعينهم بما تراه فيها من تاريخ حافل بالأحداث الجليلة فى سفر الإنسانية بأكملها.

وها هم أيضًا ينظمون محاضراتهم فى جو العلم والإصلاح والتقى فى صعيد واحد، فمن متكلم فى تاريخ القبط، إلى متحدث عن أبى الإصلاح كيرلس الرابع الكبير. وها هم اليوم يسهمون، بلا هوادة، فى الدعوة إلى ابتناء معبد سيكون من أجلّ معابد القبط فى العصر الحديث، ذلك هو كنيسة أبى مينا التى أراها بعين التصور تحفة جمعت بين آيات الفن القبطى البيزنطى ما ستقر له عين الأثرى الباحث وقلب المؤمن المتدين. وها هم وقد بدأوا نشرات فى صفحات معدودات عن تاريخ آباء القبط وإحياء معالمهم وعلومهم الدارسة، فإذا بهذه الصفحات تنمو إلى كُتيبات فكتب حافلة بالتاريخ والفلسفة والأدب المسيحى القديم إن شاء الله.

إن هذا الكُتيب الذى بين يديك، أيها القارئ الكريم، إنما هو بداية وليس نهاية، وإن هذه الجماعة سائرة ببركة الله على الدرب القويم، ومن سار على الدرب وصل. وهى إذ تهيئ لك مزيجًا منسجمًا من الدين والتاريخ والعلم والفلسفة، إنما تبعث بذلك تراث آبائك وأجدادك بعثًا سيملأ نفسك ثقة وفخرًا وأملًا. وإنى لأرى اليوم ليس ببعيد عندما تصدر هذه الجماعة مجلتها حافلة بالبحوث المبسطة التى تقرب ذلك التراث الذى عُنى به آلاء الغرب إلى عقول بنى عشيرتك الخالدين مع الزمن، وهم بذلك يقومون بتأدية أمانة مقدسة نحو طائفتهم بل نحو مواطنيهم أجمعين.

أليس تاريخ القبط صفحة من صفحات تاريخ هذا الوطن المُعزز على النفوس؟ أليس تراث القبط جزءًا من تراث مصر جمعاء؟ وإنى لا أرى واجبنا نحو هذه الدراسات إلا جزءًا لا يتجزأ من واجبنا القومى نحو الوطن ونحو العلم والتاريخ».

ومن الذين أثروا رسائل «مار مينا» بكتاباتهم: الأب يعقوب مويزر «المستشرق الهولندى»، د. عزيز سوريال عطية، الأستاذ يسى عبدالمسيح، د. باهور لبيب، د. لبيب حبشى، د. مراد كامل، د. صابر جبرة، الأستاذ بانوب حبشى، د. منير شكرى، الأستاذ بديع عبدالملك، د. فتحى يونان الملاخ، الأستاذ موريس خليفة زخارى، د. مينا بديع عبدالملك.

أما الأثر المهم الذى تركته مطبوعات جمعية مار مينا العجايبى بالإسكندرية، فهو تأسيس «المعهد العالى للدراسات القبطية بالقاهرة» فى عام ١٩٥٤. فقد أوحت رسائل الجمعية بفكرة تأسيس المعهد وقد تأسس المعهد برئاسة د. عزيز سوريال عطية ومعه د. سامى جبرة، د. مراد كامل، والأستاذ راغب مفتاح رائد الموسيقى القبطية.