رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 25 يناير 2021 الموافق 12 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
منى رجب
منى رجب

ليلة ساحرة مع أم كلثوم بقصر عابدين

الثلاثاء 24/نوفمبر/2020 - 02:45 م
طباعة
ليس صحيحًا مقولة يروجها تجار الفن الهابط، بأن الفن الراقى ليس له جمهور عريض، وليس صحيحًا أن الشباب لا يقبلون على الفن الراقى، وأن الشباب يفضون مشاهدة الفن الجديد للشباب الجدد والأغانى الفجة، وليس صحيحًا أن الفن الراقى يكاد يختفى مع هوجة الأغانى الهابطة والشعبية الركيكة والعشوائية الموجودة فى ساحة الغناء الآن.

فلقد شهدت ليلة فنية مختلفة من طراز رفيع وراقٍ بكل المقاييس، تؤكد أن الفن الأصيل الراقى باقٍ وخالد ومستمر وله جمهور عريض، وهو فقط فى حاجة إلى تقديمه بأسلوب حديث يجذب الشباب وأيضًا الكبار.
إن الفن الأصيل والراقى فى حاجة إلى ابتكار أساليب متطورة وعصرية، لتقديمه للشباب والشابات ممن لم يتسن لهم معاصرة الفن المصرى الأصيل وقمم الغناء والطرب الأصيل، وهو تراث كبير، كانت مصر هى موطنه وبدايته وتأشيرة نجاحه، وأسوق للقارئ أمثلة كثيرة على تراثنا الموسيقى الثرى البديع، الذى يطربنا ويحملنا إلى آفاق الخيال ودنيا الأحلام، كما ينعش القلب ويغذى الروح عند سماعه.

والفن فى رأيى، هو فى حد ذاته من مصادر سعادة وفرح وطاقة إيجابية تجعلنا ننسى ضغوط الحياة الحديثة وتوتراتها، كما أن الاستماع لأغنية عاطفية قد تجعلنا نحلق معها إلى آفاق أرحب، وأغنية وطنية متميزة قد تجعلنا أكثر حماسًا للوطن، وهذا التأثير الإيجابى كانت تحدثه أغانى قمم الغناء المصرى فينا، مثل أغانى كوكب الشرق سيدة الغناء العربى أم كلثوم، التى أعتبرها حالة متفردة فى تاريخ الغناء العربى، فهى الوحيدة التى استطاعت بحفلاتها أول خميس من كل شهر أن تجمع المستمعين المصريين والعرب حول الراديو لسماع حفلاتها الغنائية الرائعة ذات الطرب الذى لا يوجد مثيل له حتى يومنا هذا.

فحين تشدو أم كلثوم بصوتها القوى العذب والملىء بالإحساس، الصادر من القلب، فلا بد أن يعم السكوت، وأن ينصت الجميع، وأن يتوقف الكلام تمامًا فى الحفلات التى كانت تُذاع على الهواء بالإذاعة ثم التليفزيون، وفى البيوت المصرية والعربية أيضًا، وكانت حفلاتها كرنفالًا لأناقة المصريين، سيدات ورجالًا، كما تبين لنا الصور المأخوذة لفساتينها أثناء الحفلات أو لجمهورها حتى الآن، إذ كانت السيدات يذهبن فى كامل أناقتهن بفساتين سهرة تعكس ريادة مصر فى مجال الموضة والأناقة، والرجال فى أبهى حلل، وكان السكون يعم المكان حين تطل الست أم كلثوم على المسرح وكان لها كامل الاحترام والتقدير من كل المصريين والعرب، وكانت لها شهرة عالمية.. كما كان لها دور وطنى بعد نكسة يونيو ٦٧ فى جمع التبرعات من أجل المجهود الحربى، كما تعدت شهرتها لتصل إلى العالمية حينما غنت على أكبر مسارح باريس، فكانت أفضل سفيرة لمصر الحضارة العريقة والفن الراقى.

لدينا أيضًا تراث كبير لموسيقى وغناء د. محمد عبدالوهاب، والعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، وسيد مكاوى، ومحمد فوزى، وفايزة أحمد، وشادية، ومحمد عبدالمطلب، ثم فريد الأطرش، وأسمهان، وفيروز، ووديع الصافى، وماجدة الرومى، وغيرهم كثير من قمم الطرب الأصيل.

ولا تزال دنيا الفن الأصيل والراقى تقدم وتزخر بأصوات مصرية تواصل الحرص على تقديم الفن الراقى، وشباب يقدمون التراث الموسيقى والغنائى فى حفلات الموسيقى العربية بدار الأوبرا وغيرها من المسارح الأنيقة والمتعددة فى مصر التابعة لوزارة الثقافة، والخاصة.

وفى رأيى أن الفن الراقى له جمهور عريض، ويمكن أن يتضاعف ويصبح هو الغالبية العظمى من الجمهور إذا ما تم تقديمه بأسلوب متطور وعصرى وباستخدام التقنيات الحديثة من صوت وصورة ليصبح أكثر جاذبية للإقبال عليه.. ولدىّ دليل على صعود نجم الفن الراقى وتزايد الإقبال عليه مما لمسته بنفسى فى القاهرة ومما شاهدته من إقبال جماهيرى كبير ونجاح ملحوظ لحفلات مهرجان الموسيقى العربية الذى أُقيم على مدى عشرة أيام بدار الأوبرا المصرية فى مسرح كبير فى الهواء الطلق خصوصًا لحماية الحاضرين من فيروس «كورونا» وباتخاذ كل الإجراءات الاحترازية.

ووراء هذا الجهد وزيرة الثقافة د. إيناس عبدالدايم، ود. مجدى صابر، رئيس مجلس إدارة دار الأوبرا المصرية والفنان المبدع، وإخراج متميز لجيهان مرسى.. فأنا حريصة من حبى للموسيقى وللفنون الراقية على حضور بعض حفلات مهرجان الموسيقى العربية منذ أن أسسته الراحلة د. رتيبة الحفنى منذ ٤٢ عامًا.. ولاحظت هذا العام تجديدًا تامًا فى الشكل والإخراج فى تقديم الأغنية المصرية والعربية بشكل عصرى، باستخدام التقنيات الحديثة، وبخلفية سينمائية مصاحبة ومناسبة لكل أغنية يقدمها المطربون.. وتم عمل ديكورات أنيقة عصرية وتم استخدام أجهزة الصوت الحديثة أيضًا مما أسفر عنه نجاح الحفلات.
ومما يستوجب علينا الاهتمام بجذب الشباب بزيادة عدد الحفلات التى تقدم لهم التراث بشكل عصرى تحت سن ٤٠ أو ٣٥ سنة.. أما تحت العشرين فهناك جيل فى حاجة إلى ربطه بالتراث الموسيقى الثرى لبلده.. ولقد لمست بنفسى قدرة الشكل العصرى والتطوير على تقديم التراث لجذب الشباب، وذلك فى حفل رائع لليلة ساحرة مع أغانى كوكب الشرق أم كلثوم.. فقد كانت ليلة مختلفة وساحرة أيضًا بكل المقاييس ولا تحدث إلا فى مصر فقط.

فقد جمعت بين التاريخ العريق لبلدنا العربية، حيث أقيم الحفل فى قصر عابدين بكل ثرائه وإبهاره وفخامته بعد ترميمه بأيادٍ مصرية- والطرب الأصيل حيث كانت ليلة مع أشهر أغانى قمة الغناء العربى أم كلثوم فى حديقة القصر الفخم مع مراعاة الإجراءات الاحترازية والتباعد الاجتماعى.. ثم باستخدام أحدث التقنيات وهو الهولوجرام فتبدو لك أم كلثوم وكأنها حاضرة بشخصها على المسرح.. وعلى الجانبين شاشات كبيرة لإظهار لقطات من حفلات أم كلثوم، حين تعزف الفرقة الموسيقية على المسرح الأنيق.
كما تم استخدام أحدث أجهزة الصوت والإضاءة والديكور العريق الذى يتماشى مع عراقة القصر التاريخى الذى بناه الخديو إسماعيل سنة ١٨٦٣، وتم افتتاحه رسميًا فى سنه ١٨٧٤.. والذى لفت نظرى إلى جانب الحضور الكبير والبراعة فى تنظيم وإخراج الحفل بإعادتنا إلى عصر أم كلثوم بأغانيها المتفردة التى حملتنى أنا شخصيًا إلى عالم الإحساس وأحلام الصبا والخيال وإن كنت لم يتسن لى أن أحضر حفلاتها لصغر سنى وقتها.. وكنت أستعيض عن هذا بالاستماع لها فى الإذاعة ومتابعة تسجيلات حفلاتها فى التليفزيون حتى الآن.

كما أننى أكن كل الاحترام لدورها الوطنى فى جمع التبرعات من أجل المجهود الحربى مع السيدة جيهان السادات، وكانت أمى رجاء حجاج، رائدة العمل الاجتماعى والخيرى، تسهم فى هذا الدور الوطنى مع السيدات المصريات المحترمات بعد نكسة ٦٧. وهكذا أخذتنا ليلة حفل أم كلثوم إلى دنيا الطرب الراقى والأصيل الذى يقدم بأسلوب حديث وعصرى ممتزجًا مع عراقة التاريخ المصرى الممثلة فى قصر عابدين وبحضور غفير للشباب والشابات الذين أبدوا انبهارهم وإعجابهم بكوكب الشرق وأحبوا الأسلوب العصرى والتقنيات الحديثة، كما أكدوا لى بعد انتهاء الحفل.. وكنت أراهم أثناء الحفل يرددون كلمات أغانيها معها، مثل «أنت عمرى، ولسه فاكر، وألف ليلة وليلة»، وغيرها من روائع الغناء الذى نعتز به ونفخر.

لهذا فإننى أتمنى تكرار هذه الحفلات مرة كل شهر لجذب الشباب والكبار إلى الغناء المصرى الأصيل، وأحيى كل من قاموا بجهد لإنجاح حفلات قصر عابدين، وكل من قدموا الرعاية أو شاركوا أو أشرفوا على تنظيم هذه الليالى الموسيقية المختلفة والرائعة لأنها زاد روحى لا غنى عنه فى عالمنا الحديث الملىء بالتغيرات والتقلبات الدولية.