رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
أ.د. إلهام سيف الدولة حمدان
أ.د. إلهام سيف الدولة حمدان

الثقافة المنشودة بين.. جمال الثقافة.. وثقافة الجمال!

الثلاثاء 27/أكتوبر/2020 - 11:25 م
طباعة
أعلم جيدًا أن العنوان قد يبدو غريبًا على القارئ، ليس عن طريق التأثير في وجدانه باستخدام ألفاظ اللغة فيما يسمى بموسيقى السجع والطباق والجناس؛ ولكنه الاجتهاد في محاولة إيجاد التفسير الأمثل لمضامين ومفاهيم كلمة "ثقافة" بالمعنى الشامل المادي والمعنوي؛ وحتى تكون هي ـ أي الثقافة ـ الغالبة على السلوكيات العفوية والفطرية بين أفراد المجتمع الإنساني؛ يستوي في هذا أبناء الطبقة الدنيا أو أبناء "الطبقة العلِّـيوي"!
ولكن قد تأتي هذه الغرابة لتكرار الدخول في تلك المحاولات التي تبحث عن مضمون شامل لها؛ على أمل الوصول إلى تعريفٍ "وافٍ" لمفهوم تلك العبارة؛ والوقوف على التعريف القاطع الذي يشفي غليل كل من يبحث خلف معناها ومبناها ومدلولها ومدى تأثيرها في وعلى الإحساس الجمعي داخل المجتمعات الإنسانية التي تبحث جاهدةً عن الرقي والتقدم والازدهار.

ولكني كباحثة أكاديمية؛ أجد أنه من واجبي ـ الوطني والإنساني والأكاديمي ـ ضرورة مخاطبة رجل الشارع العادي بما يجب أن تكون عليه سلوكياته وعاداته الفطرية والعفوية؛ وهي العادات التي يجب أن تشكِّل ـ في الأساس ـ الجزء الأكبر في مفهوم "الثقافة المنشودة" التي نبحث عنها في طيات المجتمعات الإنسانية والحضارية، ولأبتعد بالقارئ ـ غير المتخصص ـ عن المصطلحات اللغوية المعقدة التي يتعامل بها أساتذة علم الاجتماع في مدرجات العلم والتحصيل داخل الجامعات والمعاهد العلمية.
فأقول بإيجاز: إن الثقافة هي مجموعة السلوكيات الاجتماعية التي تشتمل على كُل أو بعض الظواهر التي تنتقل من خلال تقليد الطفل في مطلع حياته؛ هذا التقليد الذي يقوده ـ تلقائيًا ـ إلى تعلم بعض الممارسات الاجتماعية السائدة من حوله؛ والتأُثر بالممارسات والأشكال التعبيرية مثل الرسم والموسيقى والشعر والرقص واختيار الملابس التي تتطابق مع المعيار السائد في المجتمع؛ بالإضافة إلى اكتساب طقوس المناسبات الاجتماعية المختلفة، ليبدأ خلال مرحلة النضوج واستكمال تكوين الشخصية؛ في ممارسة سلوكيات اختياراته لمضامين " الثقافة المادية " كالانضمام إلى المؤسسات السياسية والتجمعات الحزبية واعتناق ما يناسبه من معتقدات أدبية أو فلسفية أو أيديولوجية؛ وربما عقائدية أيضًا، وعلى محتوى ومضامين هذه الأسس يكون الحكم على مدى ثقافة المجتمع الكلية، ومعرفة انعكاس هذا التشبع على معاملات الفرد اليومية مع مجتمعه الذي يبدأ من البيت والشارع والحي من حيث النظام والنظافة والالتزام بالأعراف السائدة داخل المجتمع بكل طوائفه وانتماءاته.

فلنقُل إذن إن "الثقافة" ـ بشكلٍ عام ـ هي مجموعة العادات والتقاليد والقيم الإيجابية السائدة في المجتمع، مع الحذر كل الحذر من إدمان اعتناق " الثقافة الاستهلاكية " التي سادت منذ فترة ليست بالقليلة ـ للأسف ـ داخل مجتمعاتنا المصرية والعربية والشرقية؛ وهي التي تنسف في طريقها كل مظاهر الجمال المادي والمعنوي: المادي باعتياد العين على مشاهدة مناظر ومظاهر القبح والاعتياد على وجود "أهرامات القمامة" في أركان الشوارع والحدائق لتصبح جزءًا لايتجزأ من المشاهدات اللحظية اليومية؛ والقبح المعنوي الذي يؤدي إلى جفاف وضمور شرايـين أجهزة الاستشعار الروحي والوجداني داخل النفس البشرية عامة؛ فلا يشعر المرء بمدى القُبح الذي يطمس بوصلة البحث عن الجمال؛ لتستوي كل الأشياء تحت نظره ومشاعره!
ولنأتِ الآن إلى القول الفصل؛ والذي من أجله تكبدت مشقة البحث عن المعاني التي يجب أن تسود للثقافة المادية والمعنوية داخل المجتمع؛ ومن هي الجهة المنوط بها غرس ـ أو زرع ـ بذور ثقافة الجمال في أعماق تربة المجتمع؛ لتصل بأفراده إلى تذوق جمال الثقافة في كل مظاهرها المادية والمعنوية؟
ولكني ـ إحقاقًا للحق ـ أعترف وأقول: إننا من تركنا هذه البذور للعطن والتعفن والذبول والموت؛ يوم تحولت "غرفة الموسيقى" و"غرفة الرسم والصلصال" و" حصة الألعاب البدنية" في المدارس .. إلى "فصول" تتكدس فيها أجساد بلا روح؛ تتعلم ـ بالكاد ـ أن تفُك الخط!
ولكن تبقى المعضلة التي يتوجب علينا إيجاد الحلول الناجعة لها؛ وهي كيف نصل بالمواطن العادي إلى القناعة التامة بأساليب الثقافة الإيجابية: المادية والمعنوية.. الواجب اتباعها؛ والوقوف على طرق تعريفه بأنها الوسيلة الوحيدة والمثلى لإشباع حاجاته النفسية والاجتماعية؛ للانصهار ضمن منظومة المجتمع الذي يتنفس بين جدرانه؛ ليصبح الكل في واحد؟!
تلك هي مسئولية المؤسسات السيادية في الدولة؛ وبخاصة القائمة على رسم السياسة التعليمية للأجيال الصاعدة؛ بالتضافر والتوازي مع من يملكون ريشة تجسيد "لوحة الثقافة" على أرضية وسماء المجتمع، وتلك مسئولية لو تعلمون عظيمة في ظل العشوائية التي تتخبط فيها "السياسة التعليمية" التي تجمع تحت مظلتها أشكالًا تعليمية شتي؛ تتقافز بين مدارس ومعاهد التعليم الياباني والإيطالي والألماني ومعاهد اللغات الحيَّة؛ والمعاهد الدينية التي تمنح "كتب التراث" مركز الصدارة ؛ دون التركيز على مفاهيم إعمال العقل والمناداة بـ" تجديد الخطاب الديني "؛ تلك الدعوة التي طالما نادى بها القائد والزعيم عبدالفتاح السيسي في العديد من المؤتمرات الشبابية ولقاءاته الدائمة مع رجالات القوات المسلحة، الأمر الذي صنع هذا التضارب الموجود على الساحة المصرية ـ الآن ـ في مفاهيم الثقافة الجمعية؛ لأن المجتمع تحوَّل إلى ما يشبه "الجُزُر المنفصلة"؛ ولكل جزيرة ثقافتها وسلوكياتها وعاداتها، ومن الطبيعي في هذا المناخ ألا تتوحد الأهداف والمطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية!
فهل من توقف لالتقاط الأنفاس اللاهثة في ماراثون محاولة " إصلاح السياسة التعليمية " لتوحيد المقامات في معادلة الثقافة المنشودة للمجتمع؟
ترى .. هل سأجد العديد من الدوائر؛ نتيجة لإلقائي هذا الحجر في هذه "البِركة الآسنة" ـ بكسر الباء ـ للتعليم في مصرنا المحروسة؟
على أحر من الجمر .. ننتظر الإجابة الشافية؛ للتعرف على مفاهيم ومضامين " ثقافة الجمال ".. التي تصل بنا إلى أن نتذوق " جمال الثقافة "!

*أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون