رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 25 نوفمبر 2020 الموافق 10 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

وحيد الطويلة يقدم لعبة سردية متقنة في روايته «حذاء فيلليني»

الثلاثاء 27/أكتوبر/2020 - 04:36 م
وحيد الطويلة
وحيد الطويلة
نضال ممدوح
طباعة
لا يمنح وحيد الطويلة في روايته "حذاء فلليني" قارئه أو متلقيه معاني أو أفكار مجانية، أو يتجاهل وعيه متوسمًا فيه السذاجة، خاصة وأن موضوع الرواية كتبت فيه مئات بل آلاف من الأعمال الفنية بجميع أجناسها، سواء في الأدب أو السينما والمسرح أو حتى الأعمال التشكيلية.

فهنا نحن إزاء لعبة سردية متقنة بداية من العنوان حذاء فلليني والذي حمل كنيته كاسم اشتهر به بين معارفه وجيرانه لارتدائه حذاء يكبره جدًا يشبه حذاء فلليني، ليكون قادرًا على استيعاب كل قاذورات العالم وبؤسه.

(مطاع) المعالج النفساني والذي يتحول في المعتقل من مطاع إلى مطيع، نتيجة التعذيب في الأقبية المظلمة للأجهزة الأمنية، دون أن نعرف مكان أو زمان عاش فيه مطاع مطيع. مستعينا بالتناص الاستهلالي للمخرج الإيطالي فلليني: اسحب ذيلًا قصيرًا فقد تجد في نهايته فيلًا.

في الوقت الذي لا يجد هذا المعالج من يسمعه حينما صرخ بخوفه من لمس أي شيء متعلق بالكهرباء، لا أجهزة كهربائية ولا حتى أزرار الإضاءة، تلك الفوبيا التي خلفتها أصناف التعذيب بها في المعتقل، للدرجة التي تجعله ينتطر من يجئ إليه ليطفئ أنوار مصابيح منزله. "أنام وكل الأضواء مفتوحة حتى يحضر في الصباح أو الظهر لإغلاق مصابيح الكهرباء، لا أستطيع أن أمسها منذ رعدتني ذات يوم، منذ أن تم كهربتي بها وانطلق التيار في جسدي وارتعشت مفاصلي، ووقعت جدران قلبي كأن قدمي انزلقت فجأة في الجحيم وأنا أمشي على الصراط المستقيم، كان صراطا غير مستقيم بالمرة.

نقل لنا الطويلة عالم تمتهن فيه حقوق الإنسان بأبشع الصور، فيصور لنا الإنسان الفرد ــ سواء مطاع أو زوجة الضابط ـــ في مواجهة السلطة بلا حقوق أو ملامح ولا احترام، حيث الصراع بين السلطة والفرد وأول مستوياته المستوى المادي أو الجسدي وانتهاكه. فزوجة الكعب العالي لم يختلف حال امتهانها الجسدي عن حال تعذيب مطاع، وربما كان أشد فتكا، وإصراره الدائم أن يأتيها من خلف، وطربه لسماع تأوهاتها الصارخة في منزل والدها، حتى أن الأخير قضى نحبه إثر تلك الصرخات، تعمد الضابط إذلال الأب الذي رفضه كزوج لابنته في دلالة مبطنة على بطلان ذلك الزواج وأنه ليس سوى اغتصاب شرعي! وهنا يحيلنا السرد الروائي أيضا إلى القوة التي تمنحها خمر السلطة لمحتكريها، ليس فقط على المستوى الوعي وإنما في اللاوعي أيضا، فالكعب العالي الذي كان من صفاته أنه زير نساء خاصة لزوجات رفاقه الضباط، أو زوجات من يعتقلهم، يفقد قدرته الجنسية تماما بمجرد خروجه للمعاش، تماما في اللحظة التي قررت الزوجة الغفران له. بل إن فحولته ما كانت تشتعل وتزدهر إلا بعد جولات تعذيبية متوحشة، هوسه بامتهان كرامة آدميين غيره توصله لذروة النشوة ويستمني في الليلة التي يقتل فيها واحدا من ضحاياه تحت وطأة القهر والتعذيب الجسدي.

تطرقت الرواية أيضا لتلك العلاقة الثنائية الملتبسة بين الجلاد وضحيته، فبحسب ابن خلدون في مقدمته هذا التماثل يتحول إلى إعجاب الضحية بجلادها، وتماهي سلوكه مع أفعال القوي وسلطته كنوع من الافتتان به، وتبني ثقافته التي تشتمل على قيم القهر. أو ما طرحته الدكتورة بسمة عبدالعزيز في كتابها ذاكرة القهر عن أن هناك دراسات نفسية أُعدت على بعض الحالات، وأثبتت أن هناك علاقة تنشأ بين الضحية والمعذب تقترب من علاقة الحب والإعجاب، وهو الذي كان من مطاع وأفكاره حول التشفي بالانتقام ورد التعذيب للكعب العالي قبل أن يقتله بدم بارد في تبادل للأدوار، وإيحاء آخر مبطن عن آلية إعادة إنتاج القمع والقهر في المجتمعات البطريركية الاستبدادية. أو حتى من تحول مأمون (والمآمين) إلى نسخ أخرى من الكعب العالي.