رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

طعم الغربة والحنين.. رسائل الأدباء إلى مي زيادة في ذكرى رحيلها

الأربعاء 21/أكتوبر/2020 - 02:09 م
مي زيادة
مي زيادة
خالد حماد
طباعة
"ولدتُ في بلد، وأبي من بلد، وأمي من بلد، وأشباح نفسي تتنقل من بلد إلى بلد، فلأي هذه البلدان أنتمي وعن أي هذه البلدان أدافع؟" هكذا وصفت نفسها من تقاسمت الجغرافيا تكوينها الأول بين عدة مدن لكل منها خصوصيته الاجتماعية والثقافية.

3 أيام مرت على ذكرى رحيل مى زيادة "ماري إلياس زيادة" والتي ولدت عام ١٨٨٦ بمدينة الناصرة بفلسطين وهي الابنة الوحيدة لأب لبناني وأم سورية، لم تكن "مي" امرأة عادية يبدو هذا واضحا من شهادة دكتور عبد الفتاح الديدى حول علاقتها بعباس محمود العقاد يقول "يبدو أن هذه الفتاة لعبت أخطر دور فى حياة العقاد، لأنها أعطته السعادة وما لم يكن يخطر له على بال، لكنها وقفت أمامه ندا لند، وناوأت رجولته وسطوته وكبريائه، وصدمت أحلام العقاد باستقلالها وشبابها المتأنق المدرك لأصول العلاقات".

وقال الشاعر سامح محجوب لـ"الدستور": "أن التشكُّل الأوَّلِي لدى مي زيادة لم يتجاوز كونه إرهاصًا للمثول بين يدي العظيمة مصر التي كان يتخلق في رحمها آنذاك جيل مؤسس ولد أغلبه في الربع الأخير من القرن التاسع عشر نفس الأعوام المباركة التي شهدت ميلاد ماري إلياس زيادة وأم كلثوم وعبدالوهاب وسيد درويش وطه حسين والعقاد والمازني ولطفي السيد والزيات وآخرين ممن تحلقوا حولها صوتًا ولغة".

اخترت "الدستور" أن تلعب لعبة "مي" الأثيرة في الكتابة، لنسير على دربها الطويل والممتع في خط الرسائل إلى الآخر البعيد، واخترنا اليوم في ذكرى رحيلها التاسعة والسبعين أن نرسل لها باقات ورد وبعضا من عطر الأحباب والمريدين من الكتاب ومبدعي العالم العربي عبر رسائلهم إليها.
إبراهيم عبد المجيد
إبراهيم عبد المجيد
إبراهيم عبد المجيد: لم أكن موجودا لكن لا زلت هنا
عزيزتي مي زيادة لست في حاجة أن أحدثك عن كتاباتك الأدبية وأشعارك فحولك نجوم الفن والأدب والصحافة ومعكم أنفاس البعيدين مثل جبران خليل جبران، لم ينتبه أحد منكم إلى أنه خلف الباب ومن ثقب المفتاح طفل يتطلع إليكم ويندهش كيف أصبح اللقاء وطنا، ويكبر الطفل ويعرف أن هذا كان يحدث في بيوت كثيرة لسيدات كاتبات وفنانات ورجال كانوا يحملون لقب الباشوية أو غيرها من ألقاب ذلك الزمان.

كانوا حريصين على إقامة صالونات أدبية لعظماء الأمة الذين كانوا ينقشون على صدر الوطن كل الآمال الممكنة، أدرك الطفل أن ذلك زمن كانت مصر فيه تنظر إلي أوروبا حيث البحر المتوسط هو بحرنا ولم يكن أحد يدري أنه سيأتي يوم يتم لفت وجها بالقوة والأكاذيب إلى الصحراء العربية لتأتي بالأفكار الوهابية المتخلفة تطمس العيون التي تنظر في زهو إلي البحر المتوسط.

جعلوا الزمن بيني وبينكم مئات السنين لكن سأظل طفلا أنظر من ثقب الباب ليظل على الأمل، لن تصلك هذه الرسالة ولن يأتيني رد عليها لكني على ثقة أن أطفالا كثيرين فعلوا مثلي وسيفتحون كل الأبواب التي أغلقت على الأمل ينشرونه في ربوع الوطن تعلوه صورك وأشعارك وصور كل من أحاطوا بك وكانوا يخرجون بالليل يجعلون لمصر ألف قمر في سمائها.

آمال عويضة: إلى مي ابنة الحياة
ولأن ثمة من يسير على الدرب في المغايرة ونسف الثبات والجمود عبر التحرر بالإبداع والكتابة جاءت رسالة دكتور آمال عويضة والتي تقول فيها:

عقود تفصلنا عن حياتك ورحيلك عن دنيانا (1886 - 1941)، نلوك سيرتك في جلساتنا المغلقة، ونقرأ عنك نحن النساء في حذر حتى لا تصيبنا لعنتك. نفتخر بك وتفردك وإبداعك، ولا ننسى دائرة العشاق من حولك ينهلون من بهائك كالفراش حول النار يحترق بالاعتياد، ثم يتركونك وحيدة ليودعك ثلاثة منهم في النهاية.

أصدقك القول، كلما عدت إلى قصتك، أحتار بين الانبهار بك، والرثاء لك وأخشى كلما وجدت متشابهًا بيننا، مي مولودة الناصرة التي مشت على طرقات خطى عليها المسيح، ابنة الحياة العصية على التصنيف أو البقاء تحت لافتة بعدما اختارت اسمًا يتخلص من ختم العائلة والديانة والقبيلة لينطلق بها وحدها في فضاء الكون في رحلة مقدسة تنهل فيها من حديقة المعرفة بالسفر والدراسة والمراسلة كحق عادل لكل البشر.

ماتت مي في مصر على صليب وحدتها وفوق رأسها إكليل الشوك وشهدنا قيامتها في كتبها وما تركته من مقالات ولكننا ما زلنا نشك في العدل والمساواة، أذكر ما شاركتني إحداهن من خوفها الدائم من انتهاء المطاف بها في مستشفى المجانين، كالعصفورية التي أودعك بها الأقرباء الذين عجزوا عن فهمك، يومئذ أجبتها كي ألقى الطمأنينة في قلبها بينما نسير في الشارع نتوقع تحرشًا عند الناصية، يا عزيزتي نحن نعيش في داخل تلك العصفورية منذ صادقنا الحرف وترك غبار الطرقات أثره على أقدامنا ولم ننج بعد.
مي زيادة
مي زيادة
خالد السحاتي: رسـالة إلى امرأة عابرة
في مكتبة أبي العتيقة تعـرفت على اسم مي زيـادة، كنت حينها في المرحلة الإعدادية، جذبني الاسم قبل أي شيء آخر، كنت اقرأ وقتها كتب الأدب العربي بلهفة ونهم، أقلب صفحات كتب عباس محمود العقاد وجبران خليل جبران، فأجد عاملا مشتركا لا يمكن تجاهله، مي زيادة، تختبئين برُوحك المرحة وعقليتك المُتفتحة وثقافتك الفريدة خلف تلك الرَّسائل الرشيقة، والأعمال البديعة، المليئة بالحُبِّ والاشتياق؛ لأنك نموذجٌ مُتميِّزٌ للمرأة العـربية، أديبة، مُثقفة، كاتبة، صحفيَّة، بل رائدة من رائدات النهضة، حملت على أكتافك هُمُومًا أرقت مُجتمعاتنا وشعوبنا حُقبًا من الزمن الأمية، التخلف، المساواة.

وقلت في كتابك (بين الجزر والمد): "الشعوب كالبحار، لهذه مد وجزر، ولتلك ارتفاع وهبوط وللشعوب مدنيات تنمو وتعلو إلى ذروة المجد والسؤدد، ثم تهبط إلى منحدر الوهن والنسيان".. مي زيادة في ذكرى وفاتك اليوم ماذا أقول لك؟ وأنت التي أنهكتِ الغربة، وتعاقبت عليك السنون، حتى قلت يوما: ولدت في بلد، وأبي من بلد، وأمي من بلد، وأشباح نفسي تتنقل من بلد إلى بلد، فلأي هذه البلدان أنتمي؟، وعن أيها أدافع؟".

ولأنك تحبين مصر، وكانت مجالسك فيها قد ملأت الدنيا وشغلت الناس كان الرحيل هناك، في القاهرة، التي دفنتِ فيها في:20101941، وكتب على قبرك: "هنا ترقد نابغة الشرق، زعيمة أديبات العرب، المثل الأعلى للأدب والاجتماع".
طعم الغربة والحنين..
سهير عبد الحميد: قدرك الوحدة
وجاءت رسالة الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد تحت عنوان "عزيزتي مي كانت الوحدة قدرك الذي فررت منه إليه لكن هذا هو حال بعض البشر يأتون الدنيا كعابري سبيل ويظلون بلا وطن، الوطن الأرض والمكان حيث ننتمي ونسطر اسمه في بطاقات هويتنا، والأشخاص الذين نأوى إليهم فيصيرون لنا أرضا وسماء وحدودا.

"ولدت في بلد، وأبي من بلد، وأمي من بلد، وسكني من بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد، فلأي هذه البلدان انتمي، وعن أي هذه البلدان أدافع".. هذا ما كتبتيه من سطور تبكيني كلما مرت علي كثير من قصص الحب التي مرت بك انتهت دون أن تكتمل وكأن الحب لم يكن مقدرا لك، فازدادت وحشة نفسك وغربة روحك.

وتحول هذا كله في وجدانك إلى دفقات من الإبداع كنت امرأة استثنائية في عصر تقوقعت فيه النساء داخل قفص الحريم لكن هكذا يبدو أحيانا حظ النابهات المتفردات يعانين الوحدة والتعاسة حتى من ربطتك بهم رابطة الدم واللحم، كانوا سببا آخر في شقائك، دفعوك من هم مرضى القلوب إلى غياهب حجرات مرضى العقول، لكن سيدتي، من رحم المعاناة ولدت أديبة لن تدخل أبدا دفاتر النسيان".

علياء زين الدين: النوم فردوسك
وجاءت رسالة دكتور علياء زين الدين تشغلها دلال اللغة وجمالها بحثا عن الذاكرة والنسيان وأسئلة الراهن الشائكة حول ما وصلنا إليه تقول في رسالتها:

لا شيء يحدث حين تأتي الكآبة إنها أشبه ببحيرة يقع فيها من كان مخدرا مفتوح العينين ليعلق بين طبقات الماء لا يهبط ولا يطفو، تتغير درجات لون الماء الرمادية لا فقاعات هوائية تخرج من الجهاز التنفسي تدل على الحياة، قد يتسائل أحدنا عن العمق الذي وصل إليه إلا أنه أمر غير مهم، في عالم الكآبة الشبه يطغى على كل شيء الناس لهم نفس الأصابع نفس العينين والمزاجية الكريهة الغير مبالية بالشبه مهما كان الشبه مطمئنا وجذابا.

الشوكولا نفسها الشوكولا، الفستان نفسه الفستان والأصدقاء نفسهم بخيانتهم وشرفهم المطل من عنق زرافة وددنا لو عقدنا عنقها لتصبح أكثر واقعية، تثيرنا الكأبة كي نستمر بالغوص إلى القاع المدهش واعين لكل مايحدث على الرغم من كوننا موتى، أحاسيسنا نائمة تغط في أحلام مجهولة لا يمكن مجاراتها هادئة كطفل لا نود إيقاظه من حقنة مورفين تمنعه من إدراك أطرافه الأربعة المبتورة.

عيناه مفتوحتان على شيء لا يحدث أبدا لا قرار للقاع ولا سمكة تأتي لتأكل القلب قطعة لحم لا بيضاء ولا سوداء لا مثلجة ولا ملتهبة تختبأ فيها ذاكرة لا نستطيع إعادتها بعد أن تقطعت كل الأوصال في مساحة لا تملك خارطة، يتخلى العقل عن الذاكرة يفتح لها الأبواب والنوافذ، لا شيء يعود مادمنا غادرنا العالم قبل حدوث كارثة الغرق.

النوم يا "مي" فردوسك الذي لن يقلقك بعد كم الكآبة التي سببها لك الأقرباء والأحباب والأصوات التي نسمعها تمر في حجرات ذاتك الخالدة هي خطوات إله رحيم أراك تتبعينها كأنها سرب من العصافير الصغيرة تحلق أول مرة لطيفة ومنسابة تنزل الأرض ثم تعاود الصعود إلى أن تختفي وإياها في جمع من الغيم، انعمِ بالسلام وكونِ على يقين أن كل النساء الجميلات على الأرض يعزفن لك موسيقا قلوبهن المحبة.

زين عبد الهادي: الحروف فقط هي التي تبقى
وفي سياق آخر جاءت رسالة الكاتب الصحفي والروائي زين عبد الهادي تحت عنوان "الحروف فقط هى التي تبقى" والتي يقول فيها:

العزيزة مي، أم أقول العزيزة ماري إلياس زيادة، العاشقة والكاتبة والصحفية والشاعرة، ذات الوجوه السبعة، أو شجية، خالد ورأفت، إيزيس وكوبيا، عائدة، وكنار، السندبادة البحرية الأولى، كنت اتسائل هل علي أن أناديك بكل تلك الأسماء، لم ينجح أحد أن يكتب عن حياتك، لم يدرك أحد عمق هذا الحب لجبران، عشرون عاما من الرسائل تنتهي بموته، وتنتهي بدخولك المارستان، عشرون عاما من اللاحياة، لكنها كانت عشرون عاما أيضا من بهجة الحب المستحيل.

أنا واحد ممن كتبوا إليك، ظل لحياة لم أرها لكني استشعرها في أعماقي وفي روحي، ثمانون عاما منذ رحيلك، ثمانون عاما اختلطت فيها الحياة بالموت، العقل والجنون، رحل جبران 1931 ورحلتي أنت 1941، بعد عشرون عاما من اللا لقاء، ذهبت لجبل الشوف في بيروت لأشم رائحة الأشجار والورود وأتابع أضواء اليعاسيب، واستدعيت الناصرة في فلسطين.

بحثت عن صوركما معا لم أجد صورة واحدة لكني استطعت أخيرا أن أضع صورتيكما المتفرقتين معا لأجدكما هناك الآن معا، أردت الحديث عن هذا الحب المستحيل، عن هذا اللقاء الذي لم يحدث، أردت قراءة آلاف الخطابات المتبادلة بينكما، أردت الرحيل معك إلى كل مكان، لأرى كيف كنت ترين جبران، وكيف أن كل هؤلاء العشاق الذين تراموا حولك كانوا مجرد صور للزمن، الزمن الذي رأى أن يخلد هذا الحب في كلمات مكتوبة، كان ذلك إعلانا بأن الحروف فقط هي التي تبقى.

نهلة عبد السلام: الفراشات قدرهن الاحتراق
جاءت رسالة الكاتبة الروائية نهلة عبد السلام تحمل في طياتها العديد من الأسئلة والعتاب والمحبة وتقول فيها:

هل تدرين أنك كنتِ أول امرأة عربية تدهشني، بسنين مراهقتي صادفني مسلسل إذاعي يحكي عن الشابة آسرة القلوب ولعقود كان صالونها الأدبي مجتمع الصفوة من أصحاب الأقلام، زحمة بشر كان نتاجها كثير من قصص الحب بعضها خرج إلى النور والآخر اكتفى بإسقاط شعاعه على كتاباته.

وصرت أنت "مى" شريكة بجريمة فقط لأنك لم تقبلي بأن تصيري طرفًا فيها، وأسرها الشرقي فى نفسه ما أعتبره صد وهجران وخلع عليه نعوت من كبر وغرور، وقيدها بضاعة أتلفت تركيبته التي لا يجوز المساس بها حتى كانت محنة مرضك وجور أهلك عليك حين راق لهم تحصيل ما يظنونه مستحقاتهم، القصاص منك بالصمت بالتجاهل، فآلت سطورك الأخيرة إلى وحدة لا يؤنسها سوى العقاقير والتمريض، الخاتمة التى أرعبتني وهدمت مسلمة أن المقدمات تؤدى إلى النتائج.

مى.. الفراشات قدرهن الاحتراق فكيف توهمتي الإفلات؟، سمت حياتك لم يأبه لانتزاع المباركات، تملكتك متعة المجازفة، لذة الصعود مع منحنى الرغبة والزهد، البزوغ والأفول، تصدر المشهد والقص فى المونتاج، ترك أثر من بوح وإفصاح كمثل رسائلك المتبادلة مع "جبران".

ويوم قرأت مذكراتك لأتيقن من رهافتك نقاءك ملائكيتك والذين أسقطوك بفخ الوثوق بإنسانية مزعومة.. وثمة ثلة هى من نجت وأفلتتك من قبضة قساة أتقنوا ارتداء أقنعة الوداعة والبراءة.. ثلة تائهة فى كومة قش أعيانا البحث عنها.. ثم كان نضوجي بما يكفى لإدراك أننا لازلنا عالقين.. نعيد تدوير القناعات لنمنحها "لوك" أكثر جاذبية وخداعًا أيضًا.. كل ما هنالك يا مي أن الأقنعة باتت تسقط بشكل أسرع.. وبلا حاجة إلى محنة كاشفة.. فقط منشور أو ربما حتى تعليق قد يودى بعلاقات ويذهب بها إلى قاع أكثر جحيمًا من أنبوب التغذية الإجبارية.

حسين دعسه: بهجة الحياة
وصفها بأنها بهجة الحياة فيقول الكاتب حسين دعسه: "أي مي، سطوة قاتلة تمسك قلبي، أشعر بحاجة إلى قوتك، انهارت قواي، لم أعد ذلك العاشق الذي تضحكين عندما أنظر في يصلني من بريد شح مؤخرا.

مي، بالأمس، عندما زارني طيفك، قلت أنك تريدين مشاهدة فيلم عن "إنقاذ لينينغراد"، الفيلم الدرامي الذي وضع عشقنا، حبنا، إحساسنا حد التدمير، فأصابتنا متاهة! قلت لي اأك اخترقت جموع الناس وهام طيفك في صالة العرض، تبكي دما عن ما حدث في الحرب الروسية عندما وقعت مأساة "البارجة 752"، التي وقعت ليلة 16 إلى 17 سبتمبر 1941، في بحيرة لادوغا.

أثناء إجلاء الناس من لينينغراد، ومما اتعب روحي ان القصة وقعت قبل نهاية خيط الروح بشهر، كنت فيها تتأسفي على حبي، خوفا من وباء او مرض قاهر. اي مي أحببتك.. أشعر بما بحدث لقلبك.. ارتقي لعيناك وانت تخافين علي من الجائحة. إليك اكتب في أكتوبر 2p20،عندما زرت قبرك، وانا خائف البس الكمامة، ومعي ورود من زهر الياسمين الشامي وعرجون تمر من الناصرة.

مي، كان معي كل شئ إلا ظلك الحامي، هي تلك السواح، وذاك الوتر الساخن بين أصابع يدي وقابلتك الساخنة. مي.. يكفيك انك سياج قلبي.. وطيفك يحميني من الفيروس والخوف والصمت، فأعيد أقرأ ما يمرره لي طيفك الشاغل عنان السماء، أنا على وعد الرحيل إلى مقامك السامي.

أمل الشربيني: السندبادة البحرية الأولى
قالت الشاعرة أمل الشربيني: لم تكن حياتُك "نُزهةً" كما تمنيتِ، بل على العكس، فأنا أعي تماما كيف تشعر امرأة وحيدة ترى نفسها أكبر من العالم! امرأة تجيد استخدام عقلها وترويضه في زمن مارس مع المرأة دور مروض الوحوش.

أفهم حجم معاناتك ومحاولاتك المستميتة في التخلي عن "ميّ" التي أرقت نومك في الليل وأثقلت رأسك في النهار بأفكار إرادتك أن تحمليها على كتفيك كصخرة سيزيف التي كلما وضعتِها جانبا، تدحرجت في طريق أحلامك لا، لم تكن الحياة "نزهة" كاسمك المستعار التي تركتيه خلفك كلما كتبتِ نصا جميلا وأغمضتِ عنه عينيك. عيناك البريئتان المغتربتان اللتان أرى بهما نفسَ الوحشةِ والفضاء اللانهائي من حولك.

لقد خلقتِ فعلا أكبر من أن يسعك عالمٌ واحدُ، ولا سماء واحدة بأرضها. كلما رأيت وجهك تذكرتُ طائر الطنّأن الذي لا يكف عن خفق أجنحته الملونة اللامعة، حتى حين يحط على الغصن ليستريح. لا تعرف روحه السكون أبدا، ولا يكف عن الغناء والترنيم.

كنتِ تحلقين بقلب مثقل بالأغلال والقيود، هاربة من مروضي الوحوش، ونافرة من بنات جنسك اللواتي قبلن أن يصبحن حيوانات أليفة، باحثة عن الحب في الحرية، وعن الحرية في الحب، لم أستغرب يوما أن حب حياتك كان مجرد سطرٌ في رسالة، فأنتِ آمنت أن الكلمة عهد، والعهد لا يمكن خيانته أو التخلي عنه.

الحياة كلها بالنسبة لكِ كانت محيطا من الكلمات الجارية التي حملتك على أمواجها، دون أن تستقر بكِ يوما على مرفأ فالحب لم يكن يوما لأمرأة مثلك مجرد مستقر، بل كان رحلة، مغامرة مدهشة متواصلة، لا تنتهي إلا حين تتوقف الأجنحة عن الخفقان، لستِ "مي" وحدك! وكل "مي" أتت بعدك، وإنما لها جناحين كجناحيك، تخبرك أن الدروب التي ساقتنا إليها خطاك، والتي نحاول أن نصفها حين نكتب، علمتنا أن الحياة "نزهة" جميلة- بالضبط كما تمنيتِ".