رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
لواء.حمدى البطران
لواء.حمدى البطران

رقابة المجتمع على الإبداع

الإثنين 19/أكتوبر/2020 - 08:40 م
طباعة
مع تطور الفكر الإنسانى، بدأت الدول المتقدمة تنادى بضرورة توفير حرية أكثر للمبدع، وبدأت الصيحات تتعالى وتنادى بحرية الإبداع، فظهرت الدساتير والمواثيق الدولية لتجبر معظم الدول على النص فى دساتيرها وقوانينها على «ضرورة احترام حرية الإبداع».
وغالبًا ما تلجأ الدول إلى احتواء المبدع وتوظيفه لأغراضها، فتتحالف معه، وتغدق عليه، وهو ما حاولت الدولة أن تفعله منذ قيام ثورة يوليو ١٩٥٢ حتى الآن مع معظم الأدباء والكتّاب، فيفقد المبدع فطرته وحريته، ويحاول تطويع أدبه لخدمة الدولة وسلطتها وأغراضها.
وقد ترى الدولة أن المبدع تحوّل إلى خطر على مبادئها وأفكارها، فتحاول أن تُحد من نشاطه، وفى كل الحالات تحاول الدولة، خصوصًا فى العالم الثالث، فرض سيطرتها على عملية الإبداع، ولكن الأمر لم يتوقف على رقابة سلطات الدولة، بل يعانى المبدع من رقابة السلطات الدينية، الرسمية أو غير الرسمية، وهى السلطة التى ظهرت بوضوح فى الخمسين سنة الماضية، وتغاضت الدولة عن هذا النوع من الرقابة، لأنه يحل محلها، دون أن ينسب إليها، وعندما يجد المبدع نفسه فى مجتمع محافظ يرفض التجديد ويقاوم كل عمليات التحديث.
مؤخرًا ظهر نوع تلقائى من الرقابة يسمى «رقابة المجتمع على الإبداع»، ومن تلك الرقابة وشايات الجمهور ومعهم بعض المثقفين، وتعتبر سببًا من أسباب تقييد حرية التعبير.
فعندما يشكو ولى أمر تلميذ أو طالب فى الجامعة من أن قصيدة ما أو كتابًا فيه مجرد إشارة إلى الجنس أو شبهة إساءة للعقيدة، تتحرك على الفور الأجهزة الإدارية للحذف دون تفكير أو فحص أو حتى مجرد مناقشة الأمر مع الشاكين أو المبلغين، وتصبح تلك الأجهزة فى حالة استنفار وخوف من ثورة رجال الدين، وما يترتب عليها من تحريض للأجهزة الأمنية التى تخشى من الإثارة والتهييج.
حدث ذلك فى كبرى الجامعات التى تنادى بحرية الفكر.. فى الجامعة الأمريكية فى القاهرة، عندما اشتكى ولى أمر طالب من كتاب لشاعر اسمه «رودنسون».
ولا تجد الجهات المشكو فى حقها نفسها قادرة على مواجهة التحريض والإثارة، ولكنها تجد نفسها قادرة على مواجهة المثقفين، لأن مواجهتهم أهون عندها من مواجهة المحرضين والغوغاء.
فى أبريل ١٩٨٥ كتب أحد الكتّاب فى جريدة «الجمهورية» مقالًا أشار فيه إلى أن كتاب «ألف ليلة وليلة» المعروف فى كتب التراث والأدب يحوى عبارات جنسية لا يسوغ تداولها.
كما تقدم مواطن إلى النيابة العامة ببرقية يتهم فيها بائعًا بسور الأزبكية المعروف وصاحب مكتبة، بطبع وتوزيع كتاب به موضوعات تثير الغرائز، وإثر هذا قام أحد ضباط قسم الآداب بالمباحث الجنائية بالقاهرة بضبط عدة أجزاء من كتاب «ألف ليلة وليلة».
الغريب أن الدولة قامت بطبع الكتاب طبعة شعبية من النص الأصلى نقلًا عن الطبعة الهندية دون حذف رقابى، وهو ما كان القارئ المصرى محرومًا منه، وبالفعل صدرت «ألف ليلة» فى ٨ أجزاء ضمن سلسلة الذخائر التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، وكان يشرف عليها الروائى جمال الغيطانى قبل استقالته.. منها حكاية «الحمال والثلاث بنات».
وفى ٢٤ فبراير ١٩٩٢ أرسل أستاذ بقسم اللغة العربية جامعة الإسكندرية خطابًا إلى رئيس الجمهورية جاء فيه: «أُصيبت الماركسية فى الصميم بتفكك الاتحاد السوفيتى وانكشاف آثار هذه الأيديولوجية ذات الشعارات الجوفاء، ولكنها لا تزال تواصل سمومها فى مصر، وتطالعنا وسائل الإعلام كل يوم فى إلحاح بأقلام المروجين لها الذين أظهر بعضهم توبة كاذبة، وأن المواقع الثقافية تخلو الآن من القائمين عليها ويتولى أمرها الماركسيون». ولكن الرئيس أحال الشكوى لوزير الثقافة، وبدوره حوّل الشكوى إلى المشكو فى حقه، فقام الأخير بنشرها فى المجلة التى يتولى رئاسة تحريرها.