رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 23 أكتوبر 2020 الموافق 06 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

البابا كيرلس.. علامة مميزة فى تاريخ مصر

الثلاثاء 29/سبتمبر/2020 - 08:04 م
طباعة
البابا كيرلس السادس «١٩٠٢- ١٩٧١» البطريرك ١١٦ الذى انتقل إلى السماء بعد حياة مليئة بالصلاة فى صباح الثلاثاء ٩ مارس ١٩٧١، لم تعُد ذكراه سنوية بل يومية بسبب أعماله الطيبة وأُبوته الفائقة وحياة التقوى التى تحلى بها، تلك التى شاهدها ولمسها المصريون جميعًا مسلمين وأقباطًا. البابا كيرلس السادس أُقيم أسقفًا على الإسكندرية فى ١٠ مايو ١٩٥٩ طبقًا للقوانين والتقاليد الكنسية العريقة التى أقرتها المجامع المسكونية ومن ثم حمل لقب «بابا وبطريرك الإسكندرية»، ومَنْ لا يأتى طبقًا للقوانين الكنسية وبموافقة من السماء يصبح هذا اللقب خادعًا.
عاش حياته راهبًا بمعنى الكلمة، حتى إن الزجاج المكسور بنافذة شباك حجرته البسيطة أغلقه بأوراق الصحف منعًا لتسرب الهواء!! وعندما زاره سفير الفاتيكان فى حجرته البسيطة وأراد أن يجددها له، قدّم له البابا كل الشكر. وأتذكر أنه فى بداية إقامته بطريركًا قامت مجلة «آخر ساعة» بنشر صور للحجرة التى كان يقيم بها ومنها نافذة الشباك المغلقة بأوراق الصحف، وأتذكر أن والدى قام باستدعائنا نحن أطفاله «إذ كان والدى يعرفه منذ عام ١٩٤٣ عندما كان راهبًا بمصر القديمة» وقال لنا: «شوفوا البطريرك بتاعنا إنسان بسيط إزاى»، كنا فى ذلك الوقت أطفالًا فانطبعت فى مخيلتنا الصورة التى يجب أن يكون عليها البطريرك. كما نشرت المجلة صور المقر الذى كان يقيم به، كان يُسمى «القلاية» لأن الذى يقيم بها راهب بسيط لا يطلب شيئًا من مباهج الدنيا، وكل رسالته هى رعاية شعبه فردًا فردًا دون تمييز. لم يكن له مقر فخم ولا منتجعات، لأن أولاده الذين يرعاهم بأُبوة يعانون من الفقر، لم يكتف فقط بمقابلة الفقراء بل كان فى كثير من الأحيان يرسل طعامه الشخصى البسيط لأحد المحتاجين، ولم تكن هناك حواجز بشرية أو حديدية تمنع شعبه من لقاء أبيهم المحبوب والمتواضع. كان زيه بسيطًا جدًا. فى أمراضه لم يغادر أرض مصر إطلاقًا للعلاج بالخارج ولم يغادر القلاية البطريركية للعلاج بمستشفى، بل كان الأطباء يحضرون إليه لعلاجه ومتابعة حالته الصحية.
أتذكر عندما كنا نصلى معه سواء بالكنيسة المرقسية بالإسكندرية أو بدير مار مينا بمريوط فى الصباح الباكر، كنا نجده بعد انتهاء الصلوات يقوم باستبدال «التونية» (زى الصلاة الأبيض) بالزى الكهنوتى الأسود، وكنا نأخذ منه هذه «التونية» لنضعها على شماعة، كان الزى يعتصر ماءً إذ كان يصلى بلجاجة وبحرارة، وكنا نترك «التونية» على الشماعة حتى تجف من الماء لأنه لم يكن لديه زى آخر ليصلى به فى اليوم التالى، كنا نجد أنفسنا أمام رجل الله بالحقيقة. وفى كل هذا كان يستقبل كل أولاده بمحبة ومودة وأُبوة. مَنْ عاصر تلك الأيام الرائعة لا يمكن أن ينساها.
يذكر طبيبه الخاص بالإسكندرية د. ميشيل أسعد يونان، «١٩٢٤- ١٤ سبتمبر ٢٠٢٠»، طبيب أمراض الباطنة بالإسكندرية، أنه كان يتوجه إليه فى قلايته بالإسكندرية لنزع أظافر قدميه بسبب الجلطة التى كان يعانى منها منذ عام ١٩٦٧، وفور الانتهاء من هذه العملية المؤلمة كان يغادر قلايته وينزل للصلاة بالكنيسة ليقود شعبه بالصلاة لله بالروح والحق.
ويذكر د. ميشيل أنه فى أحد الأيام عندما توجه إلى البابا كيرلس بالإسكندرية لإجراء عملية نزع أظافر قدميه، أخبره تلميذ البابا: «أنت أول شخص تتوجه الآن لمقابلة البابا، فقدّم له العزاء الواجب فى انتقال شقيقته». فعندما تقابل د. ميشيل مع البابا قال له: «البركة فيكم يا قداسة البابا»، فأجابه قائلًا: «على إيه يا حبيب أبيك؟»، فأجابه د. ميشيل: «فى انتقال شقيقتكم»، فقال له: «وهى دى حاجة تزعّل، هى الآن فى السماء». وكانت صلاة التجنيز تتم فى الكنيسة المرقسية بالإسكندرية، بينما البابا كيرلس السادس فى قلايته بالإسكندرية ولم ينزل للصلاة على شقيقته. بينما آخرون رأسوا صلوات التجنيز على أقاربهم ووالديهم وتقبلوا التعازى.. إلخ.
أتذكر ونحن فى المرحلة الإعدادية والثانوية، فى فترة صوم يونان وفى فترة الصوم الأربعينى المقدس، وعندما كان يُصادف وجود البابا كيرلس بالإسكندرية، كنا نغادر مدارسنا- بعد نهاية اليوم الدراسى- مسرعين إلى الكنيسة المرقسية بالإسكندرية سيرًا على الأقدام ونحن صائمون دون طعام أو شراب ونشترك فى الصلاة مع البابا كيرلس، وكان الناس ترى شنط تلاميذ المدارس تملأ أركان الكنيسة. كان البابا كيرلس يتهلل فرحًا لأن خدمته المباركة ورعايته الأمينة أثمرت وتثمر فى هؤلاء الأطفال. وفى كثير من الأحيان كان يطلب من العاملين بالبطريركية أن يعدوا لكل طفل ساندوتش فول وآخر فلافل لنأكلهما قبل العودة إلى منازلنا إذ كانت الساعة قد قاربت الخامسة عصرًا ونحن بلا طعام.
أتذكر فى عام ١٩٨٦ كنت قد سافرت لمدة ٤ أشهر فى مهمة علمية لجامعة ليفربول Liverpool بإنجلترا. فى تلك الفترة حلّ صوم يونان والصوم الأربعينى المقدس، والمدينة ليست بها كنيسة قبطية، وأقرب كنيسة كانت فى لندن وتبعد ٥ ساعات بالقطار، ولدىّ أبحاث أقوم بها يوميًا بالجامعة. وفى تلك الأثناء كنت أتذكر البابا كيرلس فكنت أحرص على مواصلة الصوم دون طعام أو شراب، وعند الساعة الخامسة عصرًا أعد لنفسى طبق فول وأتناوله مع الشكر، وفى الليل بعض الحبات من الزيتون الأسود. فقد غرس فينا البابا الجليل الحب الحقيقى للكنيسة بلا رياء، وحب الصلاة، وحياة التقوى الحقيقية. وما زالت صورته ماثلة أمامنا حتى هذه اللحظة وهو يجلس بيننا، يستمع لنا، ويستمع لمشاكل أبنائه بكل أُبوة واهتمام ونصائح ممتلئة بكل حكمة بالإضافة إلى الشفافية التى تمتع بها. كانت فترة رائعة فى كنيستنا.
فى عام ١٩٦٨ سجّل الأستاذ الدكتور طاهر مرسى، وكيل كلية التجارة ببورسعيد، فى ذلك الوقت رسالة رائعة بـ«بريد الأهرام» تحت عنوان: «الشيخ كيرلس وأبونا على»، كتب يقول بمحبة خالصة: كنا تلاميذ صغارًا بالمرحلة الابتدائية فى مدرسة مكارم الأخلاق الإسلامية بالعباسية، حين أتى إلينا «الشيخ على قرنى» أستاذ اللغة العربية والدين ليبلغنا بأن إخواننا المسيحيين قد شرعوا فى بناء كنيسة كبرى «الكاتدرائية المرقسية» وأنهم يجمعون من بينهم التبرعات لبناء هذه الكنيسة، وقال لنا إن الكنيسة بيت من بيوت الله ومن يسهم فى بنائها كأنه يسهم فى بناء مسجد وإن الله سبحانه وتعالى سيرد لنا هذه المساهمة حسنات وحسنات. فأخذنا نتسابق فى التبرع من مصروفنا الخاص والذى لم يكن يتعدى فى هذه الأيام بضعة قروش أسبوعيًا وكان بعضنا يتبرع بالملاليم أو بنصف القرش «التعريفة» ولما اكتمل لنا مبلغ معقول كوّن منا «الشيخ على» مجموعة ورتب لنا لقاء بصحبته مع «البابا كيرلس السادس».
وقد استقبلنا الرجل الفاضل أفضل استقبال ويشهد الله أنه تأثر بلقائنا وبما قدمناه من تبرع صغير غاية التأثر وعندما أخذنا نتجاذب معه أطراف الحديث سمعنا منه ما أثلج صدورنا قال لنا: إن أخلاقكم عظيمة وإن إحدى دلائل عظمتها ما فعلتموه أنتم الآن. وعندما لاحظ البابا ارتباكنا لعدم معرفتنا كيف نناديه وبماذا ندعوه عندما نخاطبه اقترح علينا أن نناديه بـ«الشيخ كيرلس». فضحك «الشيخ على» وطلب منا أن نناديه هو بـ«أبونا على» وانتهت المقابلة وخرجنا فى غاية السعادة. ويكمل الدكتور طاهر مرسى حديثه بقوله إننى أهدى هذا الموقف لمن يتخيلون أنهم يخدمون دينهم بالإساءة لدين الآخرين وأقول لهم سوف تبقى مصر بلد كل المصريين.
تحية لروح البطريرك العظيم الذى ترك فى نفوسنًا آثارًا لن يمحوها الزمن وستظل ساكنة فينا.. الرب يقدس روحك.