رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 23 أكتوبر 2020 الموافق 06 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

«مداخل إبليس».. كيف نفرق بين وسوسة الشيطان والنفس الأمارة بالسوء؟

الأربعاء 23/سبتمبر/2020 - 03:32 م
وسوسة الشيطان
وسوسة الشيطان
وفاء النجار
طباعة
أخبرنا القرآن الكريم أن هناك نزغًا وهمزًا ووسوسة ومسًا للشيطان، فما هو الفرق بين هذه الأشياء كلها؟ وما هي الطريقة التي يدخل بها الشيطان إلى النفس البشرية ويدفعها إلى المعصية؟ وكيف نفرق بين وسوسة الشيطان ووسوسة النفس البشرية؟ أسئلة كثيرة أجاب عليها الشيخ محمد متولي الشعراوي ونستعرضها في السطور التالية:

ما هي أنواع النفس البشرية؟

هنالك ثلاثة أنواع للنفس البشرية: النفس الطيبة هي التي لا تفعل إلا طيبًا أو خيرًا، النفس اللوامة هي التي يقع صاحبها في المعصية ولكنها تلومه عليها فيعود إلى الخير مرة أخرى، النفس الأمارة بالسوء هي النفس التي اعتاد صاحبها عمل السوء فلم يعد يثير في نفسه أي شعور بالندم والاستنكار، بل هو يعيش مع السوء ويأمر بالسوء ولا يفعل إلا السوء بل ويستمتع به.

ما الفرق بين وسوسة الشيطان ووسوسة النفس لصاحبها؟

الشيطان يريد الإنسان عاصيًا على أي وجه ولا يهمه نوع المعصية فهو يحاول إغراء الإنسان بالمال الحرام فإذا سد عليه منافذ المعصية أسرع يحاول أن يفسد له الطاعة بأن يجعله يتفاخر بالصدقة فيضيع ثوابها أو إذا جاء موعد الصلاة فإنه يحاول أن يمنعه من أدائها كأن يغريه بتأجيلها حتى يتنهي من مشاهدة الفيلم أو يذكره بالاتصال بصديق له أو بتناول العشاء أولًا، وهذا يعني أن الشيطان عندما يوسوس لك لا يهمه نوع المعصية ولكن ما يهمه فقط أن تتم المعصية.

وسوسة النفس هي أن تصر على نوع معين من المعصية لا تريد غيره، أي أنها تلح على صاحبها أن يرتكب معصية بذاتها ويكررها ولا تطالبه بمعصية أخرى.

لماذا يوسوس لنا الشيطان في الصلاة؟

الشيطان يحاول جاهدًا أن يمنعنا من طاعة الله وطاعة الرسول لذلك ما أن يبدأ الإنسان في الصلاة حتى يذكره بأشياء نسيها ويوسوس له محاولًا أن يفسد صلاته فلو كانت صلاتنا غير مقبولة ما اقترب منها الشيطان ولكن اقترابه منها معناه أنها مقبولة وأنه يريد أن يفسدها.

ما هي وسائل الشيطان في إغواء الناس؟

وسائل الشيطان في إغواء الناس متنوعة منها النزغ والهمز والوسوسة والمس.

- النزغ: هو أن يدخل الشيطان خاطرًا مهيجًا إلى نفسك فيثير فيها الغضب ويجعلك تتصرف تصرفًا أحمقًا لا يتفق مع العقل والدين، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله" فالاستعاذة بالله هي طلب العون منه وأنت لا تطلب المعونة إلا ممن هو أقوى منك وأقوى ممن يحاول الاعتداء عليك.

- الهمز: هو ما يلقيه إليك الشيطان.. بصوت خافت محاولًا أن يدبر لك ما تفعله لتنفذ معصية.

- الوسوسة: هي المحاولة الدائمة للشيطان للنفاذ إلى الجانب الضعيف في الإنسان ويصور له المعصية في صورة محببه إلى نفسه فيغلفها بصورة زائفة للخير وهذا هو العمل الدائم للشيطان.. وهذه مهمته.

- المس: هو أن يكون الشيطان على مقربة شديدة من الإنسان، يقول الله عز وجل يخاطب أمة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون"، فإذا حدث ذلك المس يتذكر المؤمنون قدرة الله عز وجل على الشيطان ويتذكرون أن منهج الله يحميهم من الشيطان.. وعين الله لا تغفل عن عباده أبدًا ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي: "يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فَلِمَ جعلتموني أهون الناظرين إليكم".

ماذا يحدث للإنسان إذا مسه الشيطان فلم يتذكر منهج الله؟

إذا تمكن الشيطان من مس الإنسان واستسلم له أفقده انسجام حركاته وصارت تصرفاته نوعًا من الهيستريا والتخبط والتناقض فتظهر أمراض النفس من قلق وغم واكتئاب وحزن وإضراب وشذوذ وانتحار.

يقول الله عزوجل عن الذين يأكلون الربا "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس" وهذا يعني أن الشيطان قد مس التكوين الإنساني لهم فأفسد ملكاته وصارت حركاته غير منتظمة وغير منطقية.

هل هناك جنود للشيطان؟

للشيطان جنود مادية وجنود معنوية ومن أكبر جنود الشيطان المعنوية الغرور فيدخل في قلب الإنسان ويحاول أن يجعله يغتر بماله أو بعمله أو بقوته أو بأي شيء آخر، المهم أن يغتر الإنسان ويحسب أنه استغنى عن الله تبارك وتعالى وينسب الفضل إلى نفسه فيقع في المعصية والكفر، أما الجنود الماديون فهم شياطين الإنس والجن وأولئك الذين اتبعوه واتخذوا منهجه، يقاتلون من أجل الباطل ويحاربون الحق ويسخرون من المؤمنين.

كيف يخوِّف الشيطان أولياءه؟

يستعمل الشيطان سلاح الخوف ليستعبد به الإنسان فإذا تصدق الإنسان خوفه من الفقر، وإذا أراد أن يقول كلمة حق خوفه من بطش رؤسائه الظالمين، وإذا أراد أن يسعى في خير خوفه في أن ذلك سيضيع وقته ومصالحه وإذا أراد أن ينهى عن منكر، خوفه من أن ذلك سيجلب عليه الأذى يقول الله عز وجل "إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين"، وهكذا فكل خير يخطر على النفس يخوف الشيطان الإنسان من أنه سيقع له ضرر في ماله أو نفسه أو أولاده أو وظيفته أو تجارته أو ما يهمه من أمور دنيوية.

ما المقصود بقوله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم"؟.

نقول إن أمنية كل رسول أن ينتشر منهجه ويؤمن به الناس وبرسالته ولكن هل يترك الشيطان الناس يستمعون للرسل ويؤمنون برسالاتهم، لا إنه يقف لهم ويصدهم عن منهج الله ويبدأ بالمترفين الذين سيضرهم المنهج في نفوذهم الدنيوي فيعذبون من آمن ويتصدون للمؤمنين بالإيذاء.

ولكن هل يظل الباطل منتصرًا ؟ لا إن الله عز وجل ينسخ ما يلقي الشيطان وينصر رسوله فتنجح دعوته ويزداد عدد المؤمنين.

الشيطان دومًا يحاول إغواء الإنسان فهل يفعل ذلك مع الأنبياء؟

الأنبياء رغم أنهم معصومين إلا أنهم يجاهدون أنفسهم، فالرسول نفس بشرية فيها نوازع وشهوات، يتغلب عليها بجهاد النفس وإذا لم يكن لنفوس الأنبياء أمور ومواقف يجاهدونها لكانوا ملائكة، ولقد جعل الله سبحانه الأنبياء والرسل بشرًا حتى يكونوا قدوة للمؤمنين بهم في كفاح الشيطان وكفاح النفس للتغلب عليها ولذلك سمي بعض الأنبياء بأولي العزم (سيدنا محمد وسيدنا عيسى وسيدنا موسى وسيدنا إبراهيم وسيدنا نوح) عليهم جميعًا السلام، والعزم هنا معناه العزم في طاعة الله ومحاربة الشيطان.

هل ورد ذكر الشيطان بالنسبة للرسل في بعض الآيات؟

نعم، ورد ذكر الشيطان بالنسبة للرسل في أكثر من آية منها قول أيوب عليه السلام: "أني مسني الشيطان بنصب وعذاب"، كان أيوب عليه السلام يشكو لربه أن الشيطان يوسوس له ويقول كيف وأنت نبي تصيبك كل هذه الابتلاءات؟ كيف تمرض ويحدث لك ما حدث من فقد للأولاد والمال ألم يكن من الواجب ان يكرمك الله سبحانه وتعالى لأنك نبي ويمنع عنك هذا البلاء؟ ولكن أيوب الذي أتعبه وأصابه كلام الشيطان بعذاب نفسي لم يلتفت إليه وإنما اتجه إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء يطلب منه أن يذهب عنه ما هو فيه.. واستجاب الله جل جلاله لدعائه.

قول يوسف عليه السلام: "من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي"، وقول الحق جل جلاله: "فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين"، هذا القول يحمل معنيين أن يكون الذي خرج من السجن أنساه الشيطان أن يذكر يوسف عند عزيز مصر، فلبث يوسف في السجن بضع سنين، وإما أن يكون يوسف هو الذي نسى ولكن المعنى الأقوى هو أن الشيطان أنسى الذي نجا من السجن أن يذكر يوسف عند عزيز مصر، ويؤكد هذا أن يوسف قال للرجل "اذكرني عند ربك" أي عند الملك الذي أنت ذاهب إليه وقل له هناك مظلوم في السجن وأحواله كذا وكذا.

وقوله سبحانه وتعالى: "وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره"، معناه أن الشيطان حاول أن يوسوس لموسى فتنبه موسى عليه السلام وتخلص من وسوسته، وقول موسى أيضا عندما وكز الرجل وقتله: "قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين"، عندما ضرب موسى عليه السلام الرجل وقتله لم يكن قد كلف بالرسالة بعد ولكن الإيمان والتقوى كانا يملأن قلبه فتنبه إلى أن ما فعله هو من عمل الشيطان فطلب المغفرة والتوبة من الله.

بعض المستشرقين يحاولون التشكيك في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه "إن الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم" فبماذا يمكن أن نقول لهم؟ نقول إن الدم فيه مكونات كثيرة منها الحديد والفوسفات والكالسيوم كما أن الميكروبات والجراثيم تخترق الجلد وتدخل إلى الدم وتظل فيه فترة حضانتها حتى تتكاثر وتقوم بينها وبين كريات الدم البيضاء معارك شرسة، والشيطان ليس مخلوقًا من الطين بل هو مخلوق من مادة أكثر شفافية فكيف نستكثر أن يخترق الجلد ويجري في الدم كما تجري عشرات المواد الصلبة ولا نحس بها.

الكلمات المفتاحية