رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 30 أكتوبر 2020 الموافق 13 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
صفوت البياضي
صفوت البياضي

من الحكم الصينية والأحوال الواقعية.. دروس حية

الأربعاء 26/أغسطس/2020 - 07:28 م
طباعة
إذا نظرت إلى شىء لأول مرة تبيّن لك جماله، وإذا نظرت إليه مرة ثانية ظهرت لك حقيقته، وفى تعبير صينى ساخر، أعظم إنجازات الصناعة الصينية هى الخزف والورق والخداع، وإذا ما تأكد الخداع الصينى فإنه سيكون كثيفًا ذا حدين، وقد ينسف مصداقية «بكين» على المدى البعيد دون ثمار تجنى أو جديد يُضاف، اللهم إلا الكلام الأشبه بـ«الخرف».
وواقع الحال أفضل دليل على صحة الحكمة الصينية التى عاشتها وما زالت أجيال وأجيال تقترب من صاحب هذه المقولة، ومحاولة تجربتها على أرض الواقع، كما أن هناك من يحاول أن يزين الوجه القبيح بالكلام أو بالتلميح أو بالطعن فى الغير، بل فيما يشبه المديح، ولكن العقلاء من لا ينقادون وراء الكلام، الذى لا يدل على فعل إلا ما كان منه قبيحًا، فمن كان فى الماضى يسعى لأحضان حيتان وعقارب تنهش القائم وتهدد القادم طمعًا فى عروش أو قروش، ما هم إلا وحوش ضارية، وثعابين سامة، وألسنة عابرة وقلوب خاوية، وعقول رامية لمقاعد سامية اعتلتها شخصيات للتاريخ باقية وللبناء رامية.
فلا تغرنا كلمات رنانة، ولا وعود جبانة، أو ابتسامات وقتية تخفى خلفها سمومًا قاتلة، تهدم ولا تبنى، تحطم ولا ترمم، تشد للوراء تخلفًا وجهلًا، فتدفن العمار والجوار ولغة الحوار إلى حفرة عميقة، تدفن التاريخ بجمال ماضيه.
فدعنا نقول للباطل: اختفِ ومعك من بك يحتفى، ودع الركب الأمين والمحفل العظيم يسير فى موكبه المتين حتى يكمل البنيان الذى بدأ له الكل شهود العيان حتى حقق المراد، ولا يزال الطريق طويلًا وشاقًا، ودعنا نرقب العالم المستنير وشعبه الحر يتابع النجاحات والبنيان، وأصبح يلهث خلف ما تحقق وأنجز وما زال يقدم الجديد واقعًا ملموسًا وليس قولًا أو مجرد وعيد.
تذكر دائمًا أن بكاء الرجال ليس عارًا ولا ينقص من قيمة الرجولة أو ينال من إيمانهم أو حتى أصولهم، فقد ضحكنا كثيرًا، ولكن للضحك زمانه وإن طال صار عيبًا فى الرجولة أو ضعفًا وخمولًا.
أنا إنسان تدمع عينى فى رؤية الباكين، كما شاركت فرح الحبيب، وأنا فى النهاية إنسان تدمع عينه بالأحزان، ويُسر بالأفراح ووجود الخلان، كم بكيت لفراق أحباء وخلان، وفرحت بنجاح الأصدقاء والخلان.
فأنا فى النهاية، كما قلت، إنسان يملك مشاعر تفيض أفراحًا، ونبع دموعى مع شدة الأحزان.
نعم يبكينى غدر الزمان حين ألطم من صديق، ولا يهمنى لو كان ذاك مجرد عابر طريق، فهو معذور، ولو بدا لى كعاشق ولهان، فهو أيضًا معذور، لأنه فاقد المشاعر وليس إنسانًا، فالإنسان الحقيقى هو من يرد الإساءة بالإحسان، وهذا هو الفارق بين الإنسان وبعض من الحيوان، فمنها ما يغدر، ومنها ما تفوق مشاعره مشاعر الإنسان.
نعم البكاء شفاء للقلوب، فالدموع تغسل المشاعر، وتنقى الوجدان، وتفتح العيون، لترى من الصديق ومن الثعابين، فاحذر حراب الغادرين، ولو حاولوا البسمة، فخلف أسنانهم سموم بكل يقين.
نعم أنا أبكى لأنى إنسان، ومن قبلى معلم المعلمين سيدى وفادى الأمين بكى، ليس عن ضعف، ولكنه رأى عن بُعد ضياع الآثمين الذين ضلوا الطريق، وأغلقوا العقول وقلوبهم وأرواحهم آثمة، لم يبكِ ضعفًا، بل بعين ثاقبة رأى الدمار بعد سنين.
كم تاهت العقول وضعفت الأبصار، فلم يروا الخراب والدمار الذى بأيديهم صنعوه، وبعقول مظلمة عانقوه، ومع كل هذا صرخ الحبيب من فوق خشبة صليب يطلب لخطاب آثمين العفو لأنهم لا يعقلون، تبارك اسمك سيدى، فقد نطقت الأحجار شهادة، وقست القلوب غباوة، ومع كل هذا كل هذا تغفر وتصفح وتسمع توبة العائدين.
سيدى وحبيبى بك الحياة وبغيرك شر الآثمين، فاقبل ضعفنا واصفح عن قصورنا، فقد تعبنا من زمجرة أسود زائرة، وتقلبات رياح هائجة، وتبقى ثقتنا فى حبك اللا نهائى وعطفك الأبوى وقدرتك فوق كل قدرة وسلطانك الذى يفوق كل سلطات العدو ومحاربات عدو كل بر.
أطلب عفوك وسكير حبك، وضمان وعدك، وهنا جفت الدموع لتحل مكانها أفراح غير مزيفة، وقوى لا ترتعش، واسمح لى أن أحتمى فيك أبى، كما أعطيتنى، فقد رحل عنَّا الآباء، ومعهم جل الأصدقاء، لكن كفايتى فيك أبًا وصديقًا وأمًا رؤومًا على وعدك الصادق كإنسان تعزيه أمه تعزينى يا سيدى.
نعم نحن نبنى على أساس متين ووعد راسخ، مبنى على رعاية القدير الذى قاد رجالًا عظامًا ولأمثالهم أن يكملوا المشوار، وهو طويل، لكنه بكل جديد يشهد وعلى كل نجاح يصفق لا شعارًا يزول ولا وعدًا يطول، بل عرقًا وجهدًا وعطاء لا نهاية له، ولا كفاية بل يتجدد مع مطلع كل صباح، بل نفخر بالأيدى الأمينة والعقول الرصينة.. فإلى الأمام تسير القافلة حتى نهاية طريقها إلى أن تسلم الراية لجنود أمناء وأبطال أقوياء، وثقتنا فى الله الذى يقود الأمناء ويبارك الأوفياء ويكثر العطاء فى العلن وفى الخفاء.. فلنوحد الجهد والكلمة ولنبذل العطاء بسخاء ونشجع العلم والعلماء ونشد على أيدى العاملين الناجحين الأوفياء.. ونقول للقادة الأمناء إلى الأمام بلا ارتخاء، فالوقت كالسيف فى أيدينا نحمله دفاعًا وأمنًا أو على رقاب كل خائن أو كسول.. عيوننا للسماء شاخصة ولمستقبل أفضل متطلعة والله خير موفق لا يضيع أجر من أحسن عملًا.