رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 29 أكتوبر 2020 الموافق 12 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

«مريم المصرية.. رؤية أخرى للسيدة العذراء» «8»

محمد الباز يكتب: قوانين السيدة العذراء

الجمعة 14/أغسطس/2020 - 01:54 م
محمد الباز
محمد الباز
طباعة

من الطبيعى أن أعترف لكم بأننى أميل إلى البحث العلمى.. فلا بناء مستقيمًا إلا بالعلم.
لكننى أعترف لكم أيضا بأن كثيرًا من الباحثين بما يقدمونه للمكتبة العربية يسرقون عمدًا روح الظواهر التى يدرسونها، يحيلونها إلى جثة بلا حراك، لا ينفذون لما تحمله من دلالات ولا ما تقدمه من معانٍ.
ليس من العدل أن أقول أن ميشيل دوس، الذى وضع مريم المسلمة على طاولة التشريح سرق روح السيدة العذراء.
لكن الموضوعية تقتضى أن أشير إلى أنه لم يمنحنا المتعة التى كنا ننتظرها منه أو نرجوها من إبحار خاص فى عالم مريم بين سطور القرآن الكريم.
ربما لذلك لم أستمتع بالصورة التى استقر عليها الكاتب الفرنسى، وقال إنها الصورة التى رسمها القرآن للمرأة، التى رغم أنه لا يعترف بألوهية ابنها، إلا أنه يقدسها، بل ويرفعها فوق نساء النبى، سواء السيدة خديجة التى تزوجها وكانت أقرب إليه من روحه، أو السيدة عائشة التى كانت أحب النساء إليه.
رحت أبحث عن مريم المسلمة، ولكن عن طريق آخر ومن سبيل مختلف، وهو سبيل يتجلى فى حياتنا المصرية، وربما فى حياة البشر جميعا.
لقد حفظت القرآن كاملا على حصيرة فى كتاب الشيخ عبد الجواد غلوش.
بدأت الحفظ من أول صورة البقرة، وليس على الطريقة العادية التى يبدأ الحفظ فيها من قصار السور، طلب منى أن "أصح" والكلمة تعنى أن أبدأ فى القراءة حتى يقوم هو بتصحيح ما أقرأه.
وقبل أن أمضى فى آيات "البقرة" وجدته يستوقفنى، ويطلب منى أن أبدأ بآيات سورة الفاتحة حتى يفتح الله علينا كما قال.
قابلت سيرة مريم عليها السلام فى سورة آل عمران، وهى المقابلة التى استرحت إليها، ربما للحالة الخاصة التى أشاعتها فى روحى السورة، التى تأتى تالية لسورة البقرة، لكنها كانت وما زالت تحتل عندى مرتبة أحب وأقرب السور إلى قلبى.
لقد تفلت القرآن من بين يدى، لكن صداه لا يزال متمكنا من قلبى، ولا أعرف تفسيرًا مناسبًا يجيبنى لماذا لم تتفلت سورة آل عمران بوقائعها وحكاياتها وقصصها من بين أصابعى.
كان يمكننى أن أركن إلى حالة السيدة مريم فى سورة آل عمران.
لكننى كنت أتعجل الخطو نحو سيرتها فى سورة مريم التى أعتبرها- رغم التصنيفات والأسماء الكثيرة التى تطلق على السور الـ114- عروس القرآن الكريم.
لم تجذبنى السيدة العذراء عندما استقبلتنى فى بيتها الذى هو سورتها الكاملة، فعدت مرة أخرى إلى سيرتها التى اقتحمتنى قبل أن أقتحمها فى سورة آل عمران، ركنت إليها أكثر، دون أن أعرف لذلك سببًا واضحًا، لكنها الأشياء التى نقع أسرى لها دون أن نهتم بمعرفة ما وراء الإعجاب ولا ما هى أسبابه.
لكننى لا أتوقف عن الأسئلة التى جذبتنى إلى سورة آل عمران وإلى قصة مريم فيها.
هل أحببت "آل عمران" لأن حفظها كل الأسهل؟
أم لأننى أشعر تجاهها بألفة لا أشعر بها تجاه السور الأخرى؟
أم لأن بعضا من رائحة مريم جاء بها؟
هل أعجبنى أن تهب امرأة حملها لله دون أن تريد منه شيئًا؟
"إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"؟
أم أعجبنى سحر أم مريم وهى تتقرب إلى الله ببنتها، وتتحدث إليه فى صفاء المريد ونقائه وطيبته وبساطته عندما يقف بين يدى مولاه.
" فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"؟
أم أعجبنى أكثر أن يتقبل الله الهدية شاكرا صاحبتها وراضيا بعطائها... فالله يعطى عباده متفضلا ويتفضل منهم عطاءهم ممتنا.
"فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا".
قد يكون أعجبنى ما عرفته من خلال هذه السورة عن السيدة مريم رضى الله عنها، وهى أمور وضعت يدى عليها، ويمكن أن نتعامل معها على أنها تجليات للسيدة مريم، وهى تجليات من نوع خاص.
لقد وضع القرآن الكريم أول قانون لمحاربة الفساد على جناح قصة العذراء، وهنا تتبدى لى قيمة مريم القرآنية، فهى لم تكن قصة عابرة لامرأة استثنائية، ولكن تم توظيفها لتسهم فى بناء المجتمع، فمن حكايتها يمكن أن نصل إلى ما يمكن اعتباره قواعد تنظم حياتنا إلى أن تقوم الساعة.
أين وجدت فلسفة مواجهة الفساد والقضاء عليه فى مهده فى قصة العذراء مريم؟
اسمعوا معى إلى هذه الآية.
"وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ".
هذا الجزء من الآية كفيل وحده بأن ينهى الفساد فى العالم، وقبل أن تسألنى عن معنى ذلك، سأقول لك: دعونا نتأمل فقط حدود القانون التى يضعها القرآن هنا.
كان زكريا عليه السلام يعرف جيدا قولا وسلوكا مدى أمانة ونقاء وطهارة ونزاهة السيدة مريم.
لا يستطيع أن يشك أو يشكك فيها أبدا.
لا يرد على خاطره أى هاجس بأنها يمكن أن تأتى بشىء يغضب الله.
لكنه عندما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا، العقل يقول إنه لا يمكن أن يعتقد فيها شرا.
فلا يمكن للفتاة التى اصطفاها الله وطهرها واصطفاها على نساء العالمين أن تأتى بشىء يخالف أوامر الله فى أرضه.
ولا يمكن أن تكون الفتاة التى تقبلها الله قبولا حسنا أن تكون سرقت الطعام الذى تحتفظ به فى محرابها، ذاك المحراب نفسه الذى انقطعت فيه للعبادة والطاعة والتقرب إلى المنذورة له بلا انقطاع.
ورغم ذلك كله، إلا أن زكريا عليه السلام قطع على نفسه وعلينا الطريق، وسألها: أنى لك هذا؟
فعل ذلك لأنه هو الذى كفلها.. أى أنه المسئول الأول والأخير عنها، ولأنه مسئول، فليس له أن يخل بمسئولياته أو لا يتابعها بنفسه، فهو لو غض الطرف عمَّا يراه يكون بذلك قد فتح ثغرة لأن تتصرف السيدة مريم بما يحلو لها، ورغم أنه يثق فيها، إلا أنه أدى ما عليه كاملا.
المسئولية التى أبداها زكريا عليه السلام، قابلتها السيدة مريم بتقدير كبير.
عرفت من نبرة صوته ونظرته أنه يسألها بجدية عمَّا لديها من رزق، وأدركت أنه يريد بالفعل أن يعرف من أين أتاها، ولذلك ردت على الفور: هو من عند الله.
ولأنها تعرف أن هذه الإجابة غير كافية، بل يمكن أن تثير لدى السائل كثيرا من علامات الاستفهام، فصحيح أن الرزق كله من عند الله، لكن فى النهاية لا بد أن تكون هناك أسباب من خلالها نحصل على هذا الرزق، فالله لا يمنح الكسالى رزقهم دون سعى، فقد بررت لزكريا ما جرى بأن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
هل وصلنا معا إلى ما نريد أن نقوله تحديدا؟
لقد وصلنا بالفعل، فالحوار الذى دار بين زكريا عليه السلام والسيدة العذراء، يمكن أن يضع أيدينا على القانون الذى سمعنا عنه كثيرا، ونعتقد أنه لو تم تنفيذه كما ينبغى لانتهى القدر الأكبر من الفساد فى العالم كله.
إنه بالتحديد قانون "من أين لك هذا؟".
ينفق العالم مليارات كل عام لمواجهة الفساد.
وتضيع على الناس مليارات أيضًا بسبب منظومات الفساد التى لا يتردد أصحابها عن تثبيت أقدامهم فى الأرض.
الفاسدون فى المنظومات الحكومية كثيرون جدًا، وأعتقد أن "قانون مريم"، إذا جاز أن نمرر هذا التعبير، يمكن أن يكون حلًا، لأنه يمكننا من قطع الطريق على الفساد قبل أن يستفحل ويتمدد.
لا تترددوا عن سؤال من تتضخم ثروته أو من تبدو عليهم النعمة غير المبررة: من أين لك هذا؟
امنحوا قانون مريم الفرصة، ومن يدرى فيمكن أن تمنحنا السيدة العذراء حلًا لكثير من مشاكلنا، كما تمنحنا راحة وسكينة كلما مرت سيرتها علينا.