رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 04 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

مستشرقون وكاذبون فى مواجهة الافتراء على القرآن.. كتاب جديد يُفكّك منهجيات التفسير الاستشراقى

الأربعاء 12/أغسطس/2020 - 08:10 م
مستشرقون وكاذبون
مستشرقون وكاذبون
حنان عقيل
طباعة
لطالما كان النص الدينى فى الإسلام موضع دراسة واسعة ومُستفيضة من قِبل أنصاره كما رافضيه. ومع كل عصر تتجدد الأسئلة ذاتها أمام الإشكاليات التى تعيد تكرار حضورها فى العالم بوازع من تفسيرات ورؤى مُتباينة للنص الدينى، ليظل النص الدينى محل تجاذبات ورؤى متعارضة بين أطراف وجماعات تتخذ منه ذريعة لعنف وإرهاب ترتفع وتيرته باضطراد، وأطراف أخرى تدعو لوضعه فى طى النسيان تارة بحجة كونه مُعيقًا للتقدم الحضارى، وتارة أخرى من خلال التشكيك فى صحته أو فى مصدره الإلهى.


اهتم المستشرقون، على مدار تاريخهم، بدراسة الدين الإسلامى من خلال مصادره ممثلة فى القرآن والحديث والتاريخ الإسلامى، وحظى النص القرآنى بدراسات استشراقيّة واسعة ترتكز على منهجيات معرفية متنوعة وتهدف إلى إثبات جملة من الأفكار بالاستناد إلى مغالطات فكريّة ومنهجيّة، وهو ما يسعى كتاب «التفسير الاستشراقى للنص القرآنى فى النصف الثانى من القرن العشرين»، الصادر حديثًا عن المركز الإسلامى للدراسات الاستراتيجية، سلسلة القرآن فى الدراسات الغربية، للكاتبة الإيرانية فاطمة سروى- إلى تقديم استعراض عام لرؤية المستشرقين فى تفسير الآيات القرآنية وبيان خلفياتها فى إطار نقدى، فضلًا عن تحليل فرضياتهم فى بيان معانى بعض المصطلحات القرآنية، وتحديد التفاسير المنسجمة مع الوجهة التفسيرية الإسلامية وتلك التى تستند إلى تخمينات وفرضيات مرتكزة على النهج التفسيرى المتبع فى الكتاب المقدس أو المنبثقة من رؤية اختزالية، وذلك بغية الاطلاع على النواقص الكامنة فى هذه المنهجية ومزاياها، وفى ضوء ذلك تُقدّم إضاءة لأبرز المعضلات المنهجية التى وقعت فيها الرؤى التفسيرية الاستشراقية فى الفترة المحددة.
الأساليب المعتمدة

يقدم الكتاب إضاءة على الجهود الاستشراقيّة التى ذاع صيتها فى العقود الخمسة الأخيرة من القرن العشرين، ومنها أعمال الكاتب اللبنانى يوسف درة الحداد، الذى ألّف ثمانية كتب لإثبات فرضية اقتباس القرآن من التوراة والإنجيل، والمستعرب البريطانى ريتشارد بيل، والمستعربة الألمانية أنجليكا نويورث، وأستاذ الدراسات الإسلامية جابريال سعيد رينولدز، ونيل روبنسون، أحد أبرز أعلام الاتجاه التزامنى فى قراءة القرآن.
بيّنت الكاتبة أن ثمة عددًا من الأساليب تم اتباعها من قبل المستشرقين فى قراءتهم النص القرآنى ومن أبرزها: الأسلوب التفسيرى التقليدى الذى اعتُمد فيه على تقديم الدراسات التفسيرية فى ضوء وجهة تاريخية نقدية بالاعتماد على المصادر الإسلامية التقليدية، مثل التفاسير وكتب السيرة والمصادر الغربية التقليدية، مثل كتاب تاريخ القرآن لتيودور نولدكه ومؤلفات شيفالى وجوتهلف برجشتريسر وأوتو برتزل، وكذلك الأسلوب التفسيرى التجديدى الهادف إلى بيان المداليل القرآنية وفق المنهج الهرمنيوطيقى، وأخيرًا الأسلوب التفسيرى التناصى وفق مبدأ التعالق النصى استنادًا إلى أن العلاقة بين النصوص تتمحور حول الهدف أو البنية أو اللغة أو غير ذلك، وتتبلور فى رحاب الانطباق والتساوى فى الهدف والخصائص البنيوية والنتائج العلمية واللغوية أو تظهر من حيث التأثير المتبادل أو التداخل ضمن نطاق خاص.

الآيات عن عيسى والسيدة مريم

أولى المستشرقون الذين ذاع صيتهم، فى النصف الثانى من القرن العشرين والسنوات اللاحقة له، اهتمامًا واسعًا بالتصور القرآنى للنبى عيسى والسيدة مريم، وتحديدًا الآيات التى ذُكِرت حول صلب المسيح ووفاته ورفعه، ومواضيع أخرى ترتبط بشخصيته. فبدءًا من ريتشارد بيل وصولًا إلى يوسف درة الحداد وجابريال سعيد رينولدز فُسِّرت الآيات الخاصة بصلب المسيح على أساس خطابات قديمة، واستنادًا إلى يقين ببديهية وتاريخية مسألة صلب المسيح، وبناء على ذلك فقد انصبت جهودهم التفسيرية على محاولة تأكيد ذلك اليقين المتصل بعقيدتهم.
جراء ذلك، أثّرت الفرضيات الارتكازية فى أذهان المستشرقين بشكل بالغ إلى أقصى حد على توجهاتهم الفكرية، إذ حاول بعض المستشرقين توجيه مضمون الآيات القرآنية النافية لمسألة صلب المسيح، وفقًا للبيئة التاريخية والاجتماعية الحاكمة فى عصر النزول، وهو التوجه الذى تبناه المستشرق ريتشارد بيل، فيما وصف الكاتب يوسف درة الحداد العقيدة الإسلامية القائلة بعدم حدوث الصلب بالخرافة، واستند إلى الأسلوب الخطابى وطريقة استدلال الآيات ذات الصلة بالموضوع، ليثبت أن ظاهرها يدل على عدم موت المسيح.
لاحظت الكاتبة كذلك أن تعامل المستشرقين مع الآيات القرآنية التى تتحدث عن سيرة السيدة مريم وما شهدته من أحداث فى حياتها اعتمد كذلك على مرتكزاتهم العقيدية المسيحية، إذ طرحوا آراءهم وفقًا لما لديهم من معلومات إنجيلية مقتبسة من الأناجيل القانونية الشائعة بين أتباع الديانة المسيحية ومن معلومات مستبطنة فى النصوص الدينية المنتحلة، وعلى هذا الأساس جاءت رؤية المستشرق تجاه القرآن الكريم عادة متطرفة وغير قائمة على الأصول المعتبرة فى البحث العلمى.
من هذا المنطلق، كان أبرز الارتكازت الاستشراقية يشير إلى أن صفات السيدة مريم إما أن تكون مقتبسة بالكامل من القصص الإنجيلية المستوحاة من النصوص المنتحلة أو أنها تعكس ما ذُكِر فى مختلف الأناجيل بنحو ما، ومن هنا تطرق المستشرق جابريال سعيد رينولدز إلى حديث القرآن عن السيدة مريم، مشيرًا إلى أن جزئيات النص المسيحى هى الحل التفسيرى لغموض العبارات القرآنية المعقدة فى قصة مريم ضمن سورة آل عمران.
ورغم أن المستشرقين المتأخرين لا يذكرون بصريح القول أن النص القرآنى مقتبس من العهدين والنصوص المقدسة اللاحقة لهما، لكنهم يؤكدون أن الكثير من المضامين القرآنية مستوحاة من مصادر عديدة، مثل التلمود والإنجيل وثقافة أهل مكة وتقاليدهم أو أنها متأثرة بالظروف الاجتماعية والثقافية والدينية فى عصر ظهور الإسلام، وهذا ما ينم، كما تنوه الكاتبة، عن انعكاس آراء أسلافهم المستشرقين الأوائل فى منظومتهم الفكرية.
وترى الكاتبة أن ما ورد من ذكر فى القرآن لقصة مريم وعيسى ينم عن عظمة بلاغة هذا الكتاب فى السرد القصصى وتفرده فى بيان بعض الأحداث التى شهداها، إذ صاغها من وقائع كانت معروفة لدى المخاطبين العرب فى عصر النزول بأسلوب يتناسب مع الرسالة الموجهة إليهم، كما أنه حتى لو وُجد تشابه بين القصص القرآنية المتقنة والقصص المنقولة فى بعض النصوص السابقة المنتحلة والمحرفة، فهذا لا يعنى ادعاء أنها مقتبسة أو مستوحاة من هذه النصوص.
مصطلح «الكتاب»

تلقى الكاتبة الضوء على بعض التفسيرات الاستشراقية لمصطلح الكتاب كما ورد فى آيات القرآن، فقد فسره يوسف درة الحداد على أساس متبنياته الفكرية والأيديولوجيا المسيحية الراسخة فى ذهنه، فالقرآن برأيه يشهد بأن «الكتاب» موحى من قبل الله، ومن ثم فالنص القرآنى تفصيل له، أى ترجمة عربية له ما يعنى أنه فسّر كلمة تفصيل بالترجمة إلى اللغة العربية، وادعى أن الكتاب ترجم إلى العربية على هيئة قرآن بواسطة حكيم خبير، وحاول إثبات أن القرآن ليس كتابًا سماويًا موجودًا عند الله، بل هو كتاب الله فى الأرض، والكتاب الموجود فى السماء هو التوراة. وتشير الكاتبة إلى أنه كلما تجاوزنا العقود الأولى من المنتصف الثانى للقرن العشرين، لمسنا فى تفاسير المستشرقين آراء غير علمية وعشوائية لا تقوم على أسس نقدية معتبرة، فالبنية الأساسية لآرائهم فى هذا المضمار ترتكز على أسلوبين أساسيين؛ الأسلوب الأول يقوم على أسس لاهوتية اعتمدوا عليها فى بيان مدلوله وتفسير الآيات التى ذكر فيها، لكنهم مع ذلك لم يتطرقوا إلى تحليل الموضوع وفق الأسلوب النقدى اللغوى فى البحث العلمى، ولم يبادروا إلى بيانه فى رحاب أسس فقه اللغة، والأسلوب الثانى هو التحليل اللغوى لنص الكتاب المقدس، فقد سعى أصحابه إلى استخراج شواهد لغوية من باطن النص القرآنى، لأجل إثبات المطلوب وفق قواعد وأصول لغوية.

رسالة النبى محمد وشخصيته



اعتبر بعض المستشرقين فى تفاسيرهم الآيات المرتبطة بالنبى محمد، والتى تتحدث عن خصائصه الفريدة، مثل خاتمية نبوته وكونه أميًا أنها قد وضعت من قبل المسلمين بعد عهده، مستدلين بأنها غير متناسقة مع سياق سائر الآيات، وقد كان من أبرز الأساليب الاستشراقية فى تفسير ما ورد بالقرآن عن النبى محمد تبنى الأسلوب الظاهراتى، وهو أحد الأساليب التى شاعت مؤخرًا على صعيد دراسة واقع الإسلام والمسلمين وتحليلها، وعلى هذا الأساس اعتبر الإسلام ظاهرة والمسلمون جزءًا لا ينفك عنها، ووفق هذا الأسلوب، يدون الباحث دراسته التحليلية حول الواقع الإسلامى فى رحاب الزمان والمكان ضمن نطاق واسع وعلى ضوء أيديولوجيا شاملة، ومن ثم فشخصية النبى محمد على أساس هذا الأسلوب يتم تحليلها فى نطاق أوسع استنادًا إلى التوجهات التى تبناها المسلمون على مر التاريخ الإسلامى، ويمكن اعتبارها سلسلة من التصورات والمعتقدات والثقافات التى بقيت فاعلة على مر التاريخ وما زالت منطبعة اليوم فى أذهان المسلمين.

الاتجاهات الاختزالية


تستنتج الكاتبة أن الآراء التفسيرية التى تبناها غالبية المستشرقين تقوم على مسألة التناص، إذ فسروا الألفاظ والعبارات القرآنية وفق مبدأ التعالق النصى، لكن غالبية الدراسات التى تم تدوينها وفق مبدأ التناص بين القرآن والكتاب المقدس يراد منها إثبات أن النص القرآنى متطفل على التعاليم اليهودية المسيحية، فى حين أن التناص الحقيقى يراد منه معرفة كيف يمكن للنص الجديد صياغة رؤيتنا بالنسبة إلى النصوص الأخرى المرتبط بها.
وكذلك فإن الأسلوب الوضعى والاختزالى متبع بشكل جلى من قبل المستشرقين إزاء النص القرآنى، إذ جعلوا القرآن عرضة للنقد والاعتراض فى تحليلهم لأوجه التشابه والاختلاف مع النصوص الفرعية اليهودية المسيحية، وتنسب هذه الاختلافات إلى الأخطاء التى يقع فيها المتلقى حينما يقتبس المفاهيم من النصوص الأخرى بشكل مباشر، ومن ثم حاول بعض الباحثين الولوج فى ذهن كاتب النص المقدس الذى هو النبى محمد برأيهم، بينما تحدوهم ثقة تامة بما يتصورونه فى هذا المضمار، ويحاولون بيان هدفه من وراء ذكر تلك المفاهيم، فى حين لجأ أتباع تيار الفكر الإصلاحى إلى تحرير أنفسهم من الفرضيات التقليدية المعروفة فى التاريخ الإسلامى، وتعاملوا مع النص القرآنى بأسلوب لغوى بحت، ومن ثم فسروا الآيات وفق ظنون وتخمينات لا أساس لها من الصحة، متبعين نهجًا متطرفًا.

إصدار يُحلِّل مقاصد الإسلام الكُبرى: يؤسس لحياة إنسانية سويّة
فى ظل الدعوات المتزايدة لتجديد الخطاب الدينى، بعد ما أدى الخطاب المُتكلِّس لأزمات راهنة باتت ضاربة بجذورها فى عمق الواقع العربى، قد يجنح بعض الأصوات مُطالبًا صراحة أو ضمنًا بتجاوز الدين ككل أو التغيير فى أحكامه بدعوى عدم مناسبتها للعصر.
فى كتاب «القرآن وماهية التغيير»، الصادر حديثًا عن دار ابن النديم للنشر والروافد الثقافية ناشرون، يسعى الكاتب المغربى إدريس حمادى إلى إثبات أهمية النص القرآنى وشرائعه الثابتة غير القابلة للتبديل فى رسم طريق إنسانى نحو التغيير الإيجابى. فى ثلاثة أبواب، يحاول الكاتب إثبات أن القرآن المُمثل لما استقر عليه الإسلام هو الأساس لحياة إنسانية سويّة سواء من خلال مستوى المنهى عنه أو مستوى المأمور به من الأحكام، مشيرًا إلى أن الإسلام فى وضعه الأحكام لم يُقيّد الناس بتشريع معين فى كل شىء، وإنما نصّ على أحكام ما لا تستقل العقول بإدراك الخير فيه، وما لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وفوض معرفة ما تقضى به المصلحة لأرباب النظر والاجتهاد فى حدود أصوله العامة، وبذلك حقق للعقل الإنسانى كرامته وصانه من الاضطراب والفوضى.

ماهية الدين
يُبين الكاتب أن مبدأ «دين الفطرة» من أبرز المبادئ التى استقر الإسلام على وضعها، إذ وضع الله فى عقول الناس استحسان الإيمان والعدل والإحسان، كما وضع فى عقولهم استقباح الشرك والظلم والرذائل، فكان بذلك الدين متناغمًا مع العقل جاريًا وفق ما يدركه ويشهد به، ومن ثم فالإسلام دين العقل من جهة والتكليف من جهة، فهو دين مركب من العقل والنقل. ويؤكد ثبات تشريعات القرآن، فكل ما ورد فى القرآن من تشريعات ثابت من غير زوال، والسبب فى هذا الثبات يرجع برأيه إلى أن ما رسمته هذه الشريعة من تخطيط لسلوك الفرد ولحدود التعامل بين الأفراد فى المجتمع يهدف إلى التوازن بين ثنائية الفرد وبين الفرد والفرد. فعلى مستوى الفرد نجد أن الفرد وإن كان فى مظهره وحدة واحدة فهو فى واقع أمره يتكون من جانبين متقابلين: جانب الحكمة الذى يوحى إليه بالاعتدال، وجانب الهوى الذى يوحى إليه بالخروج عن حد الاعتدال، ولكل منهما اتجاهاته، وكذلك الأمر فى المجتمع الذى يقوم نظامه على مراعاة التعادل والتوازن.

قواعد التعامل مع القرآن
يوضح الكاتب أن التعامل مع القرآن ينبغى أن يقوم على أربع قواعد: قاعدة لها ارتباط بما تجب معرفته قبل القراءة، وقاعدة تتعلق بفهم الخطاب حسبما يمليه اللسان العربى، وقاعدة تتعلق بفقه مراد الشارع فى الخطاب الشرعى، وقاعدة تتعلق بتنزيل ما فهم من الخطاب على أرض الواقع.
وينقسم المراد من الخطاب، حسبما أوضح الشيخ أمين الخولى، إلى قسمين: قسم قريب من الخطاب وهو ما يرجع إلى ثبوت النص وضبطه، كبيان تاريخ ظهوره وأدوار جمعه المختلفة وكتابته وأسباب نزوله وقراءاته، وغير ذلك مما أطلق عليه علماء الشريعة منذ القرن السادس الهجرى مصطلح علوم القرآن. وقسم عام بعيد عن الخطاب ظاهرًا ولكنه لازم لفهمه فهمًا دقيقًا، وهو ما يرجع إلى المعرفة بالبيئة العربية المادية والبيئة العربية المعنوية. ومن ثم فالباحث إن لم يقف على عادات العرب فى الجاهلية وأحوالهم الاجتماعية وتاريخهم وأديانهم لن يستطيع فهم معانى القرآن، ولا النفاذ إلى مغازيها، وكذلك فإن فهم السياق الحكمى أو الشرعى ضرورة لفهم المراد من الحُكم لا سيما أن قاعدة تنزيل الأحكام على الواقع خضعت لطبيعة الوقت أو إلى حال السائل فى كثير من الأحيان.


الإسلام فى مسيرته الكبرى
يرى الكاتب أن الإسلام ليس دينًا جديدًا، فالمسيرة الكبرى التى قطعها الدين الإسلامى بدأت من كونه فطرة فطر الله الناس عليها من زمن آدم إلى زمن نوح، ثم كانت عبارة عن نصوص شرعية أنزلها على رسله المعروفين بأولى العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وحينما كملت الإنسانية وبلغت رشدها فى العقل والتفكير، أرسل الله محمدًا يجدد دعوة الأولين ويُكملها. فالإسلام وضع الأحكام وأصول التشريعات المُنظمة لحياة الإنسان ولتنظيم الحياة فى كل عصر.
وفى ظل كون الإنسان مزيجًا مما هو مادى وما هو روحى، إذ توجد فيه قوة مادية تتخذ شكل غرائز وانفعالات تدفع به نحو أفعال معينة تجعلها طاغية على كل ما عداها، مثلما توجد فيه قوة أخرى تدفع به فى اتجاه مغاير تجعله يملك القدرة على التصرف من أجل تحقيق أهداف ينتقيها هو بنفسه، فإن الله قد منح الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى التفرقة بين ما هو خير وما هو شر، وهى: هداية الوجدان والإلهام الفطرى، وهداية الحواس والمشاعر، وهداية العقل، ثم هداية الدين. وبناءً على ذلك، فإن الدين الإسلامى ككل يقوم على مقصدين أساسيين: مقصد العدالة الاجتماعية الذى يحتل الرتبة الثانية بعد التوحيد فى القرآن ثم مقصد وحدة الأمة الذى من ركائزه الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وانتقالًا للحديث عن السُبل نحو الكمال الروحى التى تُمنح للمتأمل فى النص الدينى، يوضح الكاتب أن ذلك يتم من خلال ما يُقدّمه القرآن من موجهات هادية مُرشِدة وخطوات عملية يجب أن يخطوها الإنسان فى طريقه نحو الكمال، فكل سير وكل تقدم للإنسان فى مسيرته التاريخية الطويلة الأمد، هو تقدم وسير نحو الله. أما الخطوات العملية التى يخطوها نحو هذه الغاية، كما قال ابن خلدون، فهى المجاهدة التى تأتى على ثلاثة أنواع: مجاهدة التقوى، وهى الوقوف عند حدود الله لاتقاء عقابه والفوز بالنجاة، ومجاهدة الاستقامة وهى تقويم النفس وحملها على التوسط فى جميع أخلاقها، ومجاهدة الكشف وهى إخماد القوى البشرية كلها حتى الأفكار للتوجه بكلية تعلقه إلى مطالعة الحضرة الربانية.