رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 الموافق 05 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
ماجد حبته
ماجد حبته

الصوامع.. وتقليب العبيد للمواجع

السبت 08/أغسطس/2020 - 07:52 م
طباعة

للروائى اللبنانى توفيق يوسف عواد رواية عنوانها «الرغيف»، صدرت سنة ١٩٣٩، يحكى فيها عن سنوات الحرب العالمية الأولى الأربع العجاف، التى عجز فيها اللبنانيون عن الحصول على الرغيف الأسود الجاف، بعد أن صادر الأتراك، أو نهبوا، كل المحاصيل الزراعية اللبنانية والشامية، لإطعام الجيش العثمانى وحليفه الألمانى.
كانت تلك أسوأ مجاعة عرفها العالم العربى، خلال القرن العشرين، إذ حصدت أرواح أكثر من ٢٠٠ ألف، كانوا نصف سكان لبنان وقتها. وكاد عدد الضحايا يتضاعف، لولا قيام السلطات المصرية بإرسال حوالى ٥٠٠ شحنة غذاء، لم يصل غير نصفها تقريبًا إلى الشعب اللبنانى، عبر رهبان البطريكية المارونية، بينما نهب المحتل التركى نصفها الآخر. وهكذا، استمرت المجاعة، حتى هزيمة الأتراك فى الحرب، سنة ١٩١٨، وقيام المحتلين الجدد بطردهم من الشام بأسره.
مذيع «الجزيرة» القطرية، أحمد منصور، لم يقرأ، قطعًا، تلك الرواية، لأنه قرأ فقط، ككل عبيد الإخوان، ما قررته الجماعة أو سمحت له بقراءته. ولو كان قد فعل، أو لو كان عقله لا يزال قادرًا على العمل، ما كتب ذلك الكلام الفارغ، الذى أرفق به صورة لصوامع مرفأ بيروت بعد انفجارات الثلاثاء الماضى: «صوامع الحبوب الخرسانية هذه هى الوحيدة التى صمدت أمام قوة الانفجار وعملت كمصدات حمت الأبراج التى خلفها، بناها العثمانيون حينما قاموا بتجديد الميناء قبل ١٥٠ عامًا. مرفأ لبنان بناه العثمانيون. هذا هو الاستعمار التركى؟!».
هذه التدوينة أو «التحشيشية»، التى كتبها المذكور فى صفحته الموثقة على فيسبوك، جرى تعميمها على عبيد العثمانيين وغلمان العائلة الضالة، التى تحكم قطر بالوكالة. بعضهم نقلها بنصها، والبعض الآخر وضع لمسته أو «التاتش بتاعه»، وزعم أن أسياده اللصوص بنوا تلك الصوامع منذ ٢٠٠ عام. فى حين يقول الواقع إن صوامع مرفأ بيروت، بنتها شركة «برومستاف»، Prumstav، التشيكية بين عامى ١٩٦٨ و١٩٧٠، أى بعد ٥٠ سنة من زوال الاحتلال العثمانى وكنس الأتراك من الشام والمنطقة العربية.
من محاسن الصدف أن جريدة «إكسباتس»، Expats، التشيكية، نشرت الخميس الماضى، تقريرًا تفاخرت فيه بأن المهندس المعمارى التشيكى، يان ليتزل، قام ببناء قاعة الترويج الصناعى بمدينة هيروشيما، التى نجت من قصف تلك المدينة اليابانية فى ٦ أغسطس ١٩٤٥، بالقنبلة النووية. وتفاخرت أيضًا بأن شركة «برومستاف» التشيكية قامت ببناء صوامع مرفأ بيروت، «المبنى الوحيد الذى يمكن رؤيته واقفًا وسط الأنقاض»، فى منطقة التفجيرات الأخيرة.
الأهم من ذلك، هو أن بناء تلك الصوامع تم بتمويل «أو بقرض» كويتى. وطبقًا لما جاء فى المرسوم رقم ١١٢٩٤، الصادر فى ١٩ نوفمبر ١٩٦٨، فقد وافق البرلمان اللبنانى على إبرام اتفاقية قرض، بين لبنان و«الصندوق الكويتى للتنمية الاقتصادية العربية»، لتمويل مشروع صوامع الغلال فى مرفأ بيروت. وعليه، يكون لدولة الكويت أن تتفاخر، هى الأخرى، بأنها كانت شريكًا رئيسيًا فى ذلك الإنجاز، الذى حاول عبيد العثمانيين أن ينسبوه، زورًا، نفاقًا، دونية، أو انحطاطًا، إلى أسيادهم.
هنا، يقتضى الواجب، أقل واجب، أن نشيد بدولة الكويت الشقيقة، التى لم تنشغل فقط بتنمية اقتصادها، مع اكتشاف النفط فيها، وبداية تدفق الخير على شعبها، بل حرصت أيضًا على مساعدة دول كثيرة، فى شرق العالم وغربه، وكدولة نامية كانت أقرب إلى تفهم واقع شعوب الدول النامية الأخرى، ولم تتردد فى استقطاع جزء من دخلها القومى وتوجيهه لمشروعات التنمية الاقتصادية فى تلك الدول، عبر ذلك الصندوق، «الصندوق الكويتى للتنمية الاقتصادية العربية»، الذى تأسس فى ٣١ ديسمبر ١٩٦١، ليكون أول مؤسسة تنموية فى المنطقة، وبمرور السنين تضاعف رأسماله وامتد نشاطه إلى أكثر من مائة دولة.
التاريخ، الذى لن ينسى ذلك للكويت، يحتفظ فى ذاكرته، أيضًا، وفى وثائقه وكتبه، بجرائم الاحتلال العثمانى، الذى بدأ فى لبنان، مثلًا، سنة ١٥١٦ حين غزتها جيوش السفاح سليم الأول مع المناطق الجبلية فى سوريا وفلسطين، حاملة معها الخراب والتقسيم الطائفى، الدينى، أو المذهبى الذى لم يعرفه اللبنانيون إلا مع الدولة العثمانية، لأن ولاتها، كما ذكر استيفان ونتر فى كتابه «لبنان تحت الحكم العثمانى»، عملوا بمبدأ فرق تسد. كما أن الرئيس اللبنانى، ميشال عون، لم يكن يبالغ، حين قال خلال احتفاله بالذكرى المئوية لتأسيس بلاده، إن «إرهاب الدولة، الذى مارسه العثمانيون على اللبنانيين، أودى بمئات الآلاف من الضحايا».
الموضوع أكبر بكثير من ادعاء بناء العثمانيين لصوامع، لم يبنوها. وتكفى الإشارة، مثلا، إلى أن السفاح جمال باشا، قائد الجيش العثمانى، قتل فى ٦ مايو ١٩١٦ عشرات المثقفين العرب فى ساحة البرج ببيروت، وساحة المرج بدمشق. وهو اليوم، الذى صار عيدًا للشهداء، ويحتفل فيه اللبنانيون، كل عام، بذكرى كفاحهم ضد الاستعمار التركى البغيض.