رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 25 سبتمبر 2020 الموافق 08 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

رحلة ممتعة مع الأدب الرهبانى «1-2»

الثلاثاء 04/أغسطس/2020 - 08:45 م
طباعة
أتذكر أنه فى الأسبوع الأول من شهر أغسطس من عام ١٩٦٦، وكنت قد انتهيت من امتحانات مرحلة السنة الثانية الثانوية وأستعد لمرحلة الثانوية العامة، توجهت أنا وأخى واثنان من أقاربى- متقاربين فى السن- لقضاء بضعة أيام بدير القديس مينا بمريوط، وكان الدير- فى تلك الفترة- يفتقر تمامًا إلى الزائرين، فكان البقاء فى الدير من أشد الأمور التى تُبهج النفس فى الهدوء والراحة، ولم يكن عدد رهبان الدير يزيد على سبعة رهبان، إذ كان الدير فى بداية نشأته، إذ أسسه البابا كيرلس السادس فى ٢٧ نوفمبر ١٩٥٩، وبدأت على الفور أعمال التعمير.
اصطحبت معى فى تلك الزيارة كتاب «انطلاق الروح»، لكن لم يُسجل فى الكتاب اسم مؤلفه!! استقللنا قطار خط الصحراء الغربية من محطة «المكس» حتى محطة «بهيج» التى تبعد عن الدير ١٢ كيلومترًا. كان اليوم يوم إثنين، وقد اعتاد الدير أن يرسل أسبوعيًا إلى محطة «بهيج» جرارًا يقوده الأب «عازر آفا مينا»- أول راهب تمت سيامته بالدير- يحمل فنطاس مياه لاحتياج الدير، لأن الدير فى تلك الفترة لم يكن لديه أى مصدر للمياه.
وفى القطار بدأت أطالع الكتاب، ووجدت فى مقدمته الجملة الآتية: «كانت الساعة السابعة مساءً والسكون يخيم على أرجاء المكان، حين بدأت وأبى الراهب نضرب بأقدامنا فى رمل الصحراء، نتمشى حينًا ونقف حينًا آخر، متأملين فى موضوعات أسمى من أن يكتبها قلم بشرى.. وقد طال بنا التجوال ونحن لا ندرى، أو نحن لا نود أن ندرى حتى استقر بنا المطاف أخيرًا على عتبة الدير، فجلسنا نناقش موضوع: (انطلاق الروح)».
جلست فى القطار بجوار النافذة، وأنا أطالع الكتاب باهتمام وإعجاب شديدين، لكن ما أثار شغفى حقيقة هو معرفة كاتب هذا الكتاب. طوال رحلة القطار طالعت ٩١ صفحة من ١١٢ صفحة مليئة بالأفكار الإنسانية الرائعة، والتعاليم الرهبانية الصادقة، إذ كان ذلك الوقت هو وقت الصدق الرهبانى حتى وصلنا محطة «بهيج»، وهناك استقللنا جرار الدير حتى دير القديس مينا مريوط، وهناك بالدير تقابلت مع أمين الدير وهو الراهب «مينا آفا مينا» الذى كان أول تلميذ للبابا كيرلس السادس، وقد تعلم من معلمه أصول الحياة الرهبانية والنسك الرهبانى، كما أن تلاميذ البابا كيرلس الثلاثة لم يكونوا من رجال الأعمال ولا من أصحاب المشروعات المعمارية ولا من الأثرياء بل كانوا أتقياء وبسطاء. وفى سبتمبر ١٩٦٤ تمت سيامته راهبًا باسم «مينا آفا مينا». فسألته بحماس شديد: «معى الآن كتاب (انطلاق الروح)، فمن هو كاتب هذا الكتاب؟». فقال لى إن كاتب هذا الكتاب كان على أعتاب الحياة الرهبانية وهو حاليًا الأنبا شنودة أسقف التعليم «صار فيما بعد البابا شنودة الثالث البطريرك ١١٧».
أما الراهب «مينا آفا مينا» أمين الدير فعاش راهبًا قبل رهبنته، وعاش ناسكًا فى فترة رهبنته، متشبهًا بمعلمه، من هنا كان يحرص الآباء البطاركة الأولون على أن يتلمذوا تلاميذهم على حياة الرهبنة والنسك والتقوى. وفى ٢٥ مايو ١٩٨٠ أقامه البابا شنودة الثالث أسقفًا على دير القديس مينا بمريوط باسم «الأنبا مينا آفا مينا» فازداد فى النسك وحياة الصلاة اليومية، وظل على هذه الحال حتى رحل عن عالمنا فى يوم الإثنين ١٢ ديسمبر ١٩٩٦. فى ذلك الوقت كان البابا شنودة الثالث فى زيارة لكنائسنا بالولايات المتحدة الأمريكية، وعندما علم بخبر رحيل الأنبا مينا كتب بنفسه كلمات صادقة ومُعبرة عن حياة الأسقف الذى رحل- وتم نشرها بجريدة «الأهرام»- فقال: «لقد كان متفوقًا على نفسه فى الصوم والنسك والعبادة الحارة.. إلخ». كما أن أحد الأطباء الأتقياء بالإسكندرية، وهو د. عوض قلد عوض، سجل كلمة بخط يده فى تذكار الأربعين لرحيل الأنبا مينا لنشرها بجريدة «وطنى»- فقال: «هل نبكى رابح الملكوت بصليبه!!.. حبيبنا أنبا مينا.. إنجيل مُعاش وأبوة صادقة حانية». فالأبوة تتحدث عن نفسها فى الأب الحقيقى، فالأبوة ليست لقبًا.
نعود إلى كتاب «انطلاق الروح»، بدأت أستكمل مطالعتى للكتاب فى موضوع «حدث فى تلك الليلة»، وهو الموضوع الأدبى الرهبانى الرائع الذى سوف أعرضه فى هذا المقال. فقال كاتب الكتاب:
حدث فى تلك الليلة أننى كنت وحيدًا فى غرفتى الخاصة، متمددًا على مقعدى وناظرًا إلى لا شىء، وإذا بابتسامة خاطئة تمر على شفتى- لعلنى كنت أفكر فى نفسى كخادم- وهنا حدث حادث غريب: هل ثقُلت رأسى فنمت، أم اشتطت أفكارى فتحولت إلى أحلام، أم أظهر الله لى إحدى الرؤى؟ لست أدرى، ولكننى أدرى شيئًا واحدًا، وهو أننى نظرت فإذا أمامى جماعة من الملائكة النورانيين، وإذا بهم يحملوننى على أجنحتهم ويصعدون بى إلى فوق، وأنا أنظر إلى الدنيا من تحتى فإذا هى تصغر شيئًا فشيئًا حتى تتحول إلى نقطة صغيرة مضيئة فى فضاء الكون، وأنصت إلى أصوات العالم وضوضائه، فإذا هى تأخذ فى الخفوت حتى تتحول إلى سكون، وأتأمل نفسى فإذا بجسمى يخف ويخف حتى أحس كأننى روح من غير جسد- فأتلفت فى حيرة حولى لأرى أرواحًا كثيرة سابحة مثلى فى الفضاء اللانهائى، وأرى من الملائكة ألوفًا وربوات ربوات- هوذا الشاروبيم ذوى الستة الأجنحة والساروفيم الممتلئين أعينًا- وها هى أصوات الجميع ترتفع فى نغم واحد موسيقى عجيب «قدوس، قدوس، قدوس» ولا أتمالك نفسى فأنشد معهم دون أن أحس، وأستيقظ عن إنشادى لأسمع نغمة قدسية خافتة لم تسمعها أذن من قبل، فأتجه فى شوق شديد نحو مصدر الصوت، فإذا أمامى على بُعد مدينة جميلة نورانية مُعلقة فى مُلك الله، تموج بالتسبيح والترتيل، كلما سمعت منها نغمًا امتلئ قلبى فرحًا، واهتزت نفسى اشتياقًا، ثم أنا أنظر فأرى فى المدينة على بُعد أشباحًا أجمل من الملائكة: هوذا موسى ومعه إيليا وجميع الأنبياء، هوذا أنبا أنطونيوس وأنبا أثناسيوس وجميع القديسين، ها هم آبائى الأساقفة وآبائى الكهنة- وها هو أب اعترافى- ثم ها هم بعض زملائى مُدرسى مدارس الأحد.. ولم أستطع أن أتأمل أكثر من ذلك بل اندفعت فى قوة نحو تلك المدينة النورانية، ولكن عجبًا- إننى لا أستطيع التقدم، فهناك ملاك جبار كله هيبة وجلال ووقار يعترض سبيلى قائلًا:
«مكانك قف! إلى أين أنت ذاهب؟» فأجبته: إلى تلك المدينة العظيمة يا سيدى الملاك- إلى حيث زملائى وآبائى القديسون. ولكن الملاك ينظر إلىّ فى دهشة ويقول: ولكنها مدينة الخدام فهل أنت خادم؟
فلما أجبته بالإيجاب، قال لى: «إنك مخطئ يا صديقى، فاسمك ليس فى سجل الخدام!».
وعصفت بى الدهشة فصرخت فى هذا الملاك حارس المدينة: «كيف هذا؟ لعلك لا تعرفنى يا سيدى الملاك. اسأل عنّى مدارس الأحد واجتماعات الشبان واسأل عنى الكنائس والجمعيات. بل اسأل عنى أيضًا فى مدينة الخدام إذ يعرفنى هناك كثير من زملائى مدرسى مدارس الأحد..».
وأجابنى الملاك فى صرامة وصراحة: «إننى أعرفك جيدًا، وهم أيضًا يعرفونك، ولكنك مع ذلك لست بخادم فهذا حكم الله». ولم أحتمل تلك الكلمات، فوقعت على قدمى أبكى فى مرارة.
نستكمل فى الحلقة المقبلة لنتعرف على حقيقة الخادم الذى يريد أن يقتحم مدينة الخدام، وهو ليس بخادم حقيقى كما كان يظن فى نفسه!!