رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 06 أغسطس 2020 الموافق 16 ذو الحجة 1441
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

فريد شوقى يروى «3»: قصة المعجبة التى أصبحت زوجتى

الجمعة 31/يوليه/2020 - 06:10 م
فريد شوقى
فريد شوقى
طباعة
المعجبة البيضاء ذات الملابس السوداء التى زارتنى ذات ليلة فى كواليس مسرح الريحانى، وطلبت منى صورة لى موقعة بإمضائى وناقشتنى طويلًا حول أدوارى وأفلامى، عادت للظهور فى حياتى. فوجئت بها تدخل مع والدها إلى مكتبى. جاءا يقومان بواجب العزاء، واعتذرا لتأخرهما عن تقديم واجب العزاء فى وفاة والدى، وقالا إن سبب التأخير هو انتظارهما عودتى إلى عملى ومكتبى وحياتى العادية.
شكرتهما وشعرت بأننى أمام عائلة تعرف الواجب والأصول، عائلة مُعجبة بفنان، لكنها رغم ذلك تحرص على أن تكون بالقرب منه وهو يمر بأحلك أيام حياته.
وعند انصرافهما طلبت منى المعجبة المهذبة الرقيقة أن تزورنى غدًا فى مكتبى فى نفس هذا الوقت. وفى الموعد المحدد بالضبط وجدتها جالسة أمامى، تجيب بهدوء عن أسئلتى. هى تسمع وتجيب وأنا أسأل بلا توقف؛ كنت أريد أن أعرف منها معلومات جديدة، لماذا ترتدى الملابس السوداء؟ قالت: «بسبب موت أمى. كانت قد فارقت الحياة فى الأيام التى زرتك فيها فى كواليس مسرح الريحانى».
وقلت لها: هل أنت متزوجة؟ فأجابت إنها كانت متزوجة وانفصلت.
ووصل بنا الحديث عن ظروفى الأخيرة المؤلمة، الطلاق والإفلاس. وشعرت بأنها متألمة وحزينة بسبب ذلك الذى حدث. وقالت: «شىء محزن حقًا ذلك الذى حدث بينك وبين السيدة هدى سلطان».
كانت تريد أن تخفف عنى لكنها دون أن تقصد ضايقتنى، لأنى أسمع هذا الكلام كل يوم فى كل مكان أذهب إليه، نفس الأسئلة والاستفسارات من المعجبين الذين لا أعرفهم معرفة كاملة، والذى حدث ولماذا الانفصال، ليتكما تعودان إلى حياتكما القديمة! والناس معذورون، إنهم لا يعرفون التفاصيل.
وبعد حديثنا الطويل صمت لحظات وأنا أنظر إلى عينيها الصافيتين، ثم قلت لها بحسم: ما رأيك تتزوجينى؟ إنى فى حاجة إلى زوجة.
وطال الصمت بيننا. وأنا أنتظر إجابتها.. يبدو أنها فوجئت بطلبى هذا.. وبعد الصمت الطويل قالت: إنه يسعدنى أن أكون زوجة لفنان مثلك.. ولكن أرجوك أن تفكر كثيرًا.. فربما كانت مدام هدى سلطان فى حالة عصبية مؤقتة قد تزول وتعود إلى حالتها الطبيعية.. وإن شاء الله تعود إليك.. وتعود معها حياتكما القديمة.
لكنى قلت: لقد انتهى كل شىء بيننا.. انتهى.. فما رأيك؟ إننى أطلب يدك.
ولم تتمالك السيدة المهذبة نفسها، وقالت: «إنك إنسان طيب ومن عائلة محترمة.. وأنت ممثل نفخر بك.. بل إن مصر كلها تفخر بك يا أستاذ فريد.. ولذلك أرجوك أن تفكر مرة ثانية وثالثة.. واسمح لى أن أعرف رأى والدى».
وانصرفت المعجبة البيضاء الرقيقة الهادئة.. لكنى كنت أشعر بموافقتها ورضائها دون أن تقول ذلك.. وأشعلت سيجارتى واستغرقت فى تفكير طويل داخل غرفة مكتبى.. أشعر أن هذه هى الزوجة المناسبة.. إن اهتمامها الشديد بى وبأدوارى وبحياتى يقربها منى.. إنها تعرف عنى كل شىء.. وتقديرها لى لم يظهر فجأة بعد حادث الطلاق.. لكن هذا التقدير قديم منذ أن كنت زوجًا سعيدًا مستقرًا.. أعجبتنى صراحتها أنها لا تخجل عندما تنتقد أدوارى التى لا ترضى عنها، والتى ترى أنها مسيئة لاسمى وسمعتى الفنية.. شىء رائع أن يجد الإنسان من يحبه ويخاف عليه ويحرص على اسمه وسمعته وحياته.. حتى لو كانت صراحة قاسية.. لكنها صراحة تريح النفس، فهى أفضل من الكلمات البرّاقة المعسولة الكاذبة.. لقد شبعت من الكلام المعسول البراق.. إننى أبحث عن الكلمة الصادقة.. الصريحة.. حتى لو كانت تخالف آرائى.. ثم إنها من أسرة طيبة.. الآن عرفت قيمة تلك الحكمة القديمة التى سمعتها من أمى «تزوج من تحبك.. فهى التى ستسعدك أكثر من التى تحبها أنت».

حدث الزواج وأقمت مع زوجتى الجديدة سهير ترك فى فندق عمر الخيام.. ثم انتقلنا للإقامة فى شقة مفروشة على النيل.
وكان شهر العسل بداية مرحلة جديدة فى حياتى.. فالمنتجون والموزعون بدأوا يستردون ثقتهم القديمة المفقودة.. وانهالت علىّ العروض والأدوار الجديدة.. بعضها لم يكن أدوارًا أرضى عنها.. لكنى كنت مضطرًا لقبولها.. فحالتى المادية ما زالت سيئة.. وبناتى المتزوجات ما زلن يعشن فى شقق مفروشة.. ولا بد من تجهيز الأثاث المناسب لهن.
مع حياتى الزوجية الجديدة جاء الخير.. والأدوار الجديدة فى السينما والمسرح، ففى شهر واحد عرضت علىّ بطولة مسرحية «البكاشين» مع مجموعة أدوار سينمائية جديدة. هذا فأل طيب.. بداية متفائلة لحياتى الزوجية الجديدة.. كل الأجور والأموال التى حصلت عليها من الأفلام والمسرحيات بعد حالة النشاط التى صاحبتنى أعطيتها لبناتى.. كل مكاسبى أجمعها وأقدمها لهنّ من أجل إعداد وتأثيث بيوتهن.. فليس من المعقول أن يعشنَ أكثر من ذلك فى شقق مفروشة.. لا بد أن يكون لكل واحدة منهن أثاثها الذى ترضى عنه.. إن سعادتى لن تتم دون سعادة واستقرار بناتى.. وأعجبنى فى زوجتى الجديدة سهير ترك أنها كانت متفهمة جدًا لظروفى. ويهمها أمر وراحة بناتى مثلى تمامًا.. لا يهم أن نضحى نحن من أجل سعادتهن وراحتهن.. ولم أشعر بالارتياح إلا بعد التأثيث الجيد لبيوت بناتى.
وقررت أنا مثلهن ترك الشقق المفروشة والعودة إلى الفيلا مع زوجتى الجديدة.. ورأت أمى أن تعود إلى بيتها بعد أن اطمأنت علىّ.. واقتنعت بأن زوجتى تحرص على راحتى مثلها.
عقود العمل فى الأفلام الجديدة لا تتوقف.. ثقة المنتجين والموزعين عادت كما كانت بل أكثر.. لا أجد حتى وقتًا لتناول طعام الغداء مع زوجتى.. لكن كانت المفاجأة التى لا أنساها أبدًا أن طعام الغداء الذى أعدَّته وصنعته زوجتى بيدها جاءنى حتى باب الاستوديو.. تقليد جديد فى حياتى لم أتعوَّد عليه من قبل. روح أسرية جديدة.. تقدير شديد من زوجتى لظروف عملى رغم أنها لا تعمل بالفن.. لكن إحساسها القوى بظروف الوسط الفنى أقوى من إحساس كثيرات من الممثلات.. أشياء وتصرفات بسيطة تسعد الزوج وإن كانت لا تكلف كثيرًا.. إنها مسألة ذوق وإحساس.
والذى جعل تقديرى لزوجتى الجديدة يزيد.. هو تقديرها لأمى.. دائمًا تسأل عنها وعن حالتها الصحية وتهتم بزيارتها.. خصوصًا بعد أن بدأت أمراض الشيخوخة ترهقها..
ذات يوم قرأت فى جريدة «الأهرام» خبر زواج هدى سلطان من المخرج حسن عبدالسلام.. الآن تحققت كل ظنونى القديمة.. أثبتت الأيام صدق توقعاتى.. لقد كان إصرارها على الانفصال غريبًا.. وبلا أى سبب.
الآن عرفت لماذا رفضت كل محاولات الوساطة بيننا وتمادت فى إصرارها على تنفيذ الطلاق.
إن خلافاتنا لم تشتد إلا مع مسرحية «مجنون بطة» التى أخرجها زوجها الجديد حسن عبدالسلام.. إذن هو السبب الحقيقى المختفى وراء إصرارها الغريب على الطلاق.
طويتُ الجريدة بلا أحزان.. بل لم أُعر الخبر اهتمامًا كبيرًا.. فأنا الآن سعيد ومتمسك بحياتى الزوجية الجديدة.
لكنى قلت لنفسى: إن إحساسى لا يخيب. بدليل أنها تزوجت بعد يومين فقط من انتهاء «فترة العدة».
وسافرت من جديد إلى إسطانبول.. ولم تتركنى زوجتى سهير أسافر وحدى.. بل ذهبت لتقيم معى هناك أثناء عملى فى الفيلمين التركيين الجديدين.. واستأجرت شقة تطل على البوسفور.. ولأول مرة أجد الفنانين الأتراك يزوروننى ويتناولون بشغف الأطعمة التى تعدها زوجتى وسط جو أسرى كنت محرومًا منه فى المرات السابقة التى عشتُ وعملت فيها فى تركيا.
كان من الصعب أن نحصل على خادمة فى إسطانبول.. لكنها لم تشتكِ أو تشعُر بالضيق.. فكانت تفعل كل شىء بيديها وبسعادة شديدة رغم أنها كانت حاملًا وتقترب بسرعة من الشهر المحدد للولادة والإنجاب.
وعدنا إلى القاهرة لنستقبل فيها معًا مولودتنا «عبير».. عبير فريد شوقى.. طفلة جميلة.. رقيقة.. سعدت بها جدًا.. إن أصغر بناتى من هدى سلطان «مها»، كان عمرها فى ذلك الوقت خمسة عشر عامًا.. لذلك كانت سعادتى مضاعفة بهذا «العبير» الجديد فى حياتى.. وتصادف أن وضعت ابنتى «منى» مولودة بعد زوجتى بشهر واحد.. ثم أضافت ابنتى «ناهد» مولودًا آخر بعد سبعة أشهر.. وهكذا أصبحنا نخرج من مستشفى الولادة لندخل مستشفى ولادة آخر.. ولنستقبل أعضاء جددًا فى الأسرة.
وظلَّت ابنتى «مها» تعيش معى.. كنت قد خيَّرتُها بين أن تبقى معى وبين أن تعيش مع أمها هدى سلطان.. وقلت لها: إنى أفضل بقاءك معى.. فلا تنسى أن أمك قد تزوجت الآن.. وكيف تعيشين مع رجل غريب يا مها؟ وأنت فتاة لطيفة تحبين أن تكونى حرة فى تصرفاتك داخل الشقة.. ترتدين ملابسك وتخلعينها كما تشاءين.. وهنا فى بيت والدك تستطيعين أن تفعلى ما تشاءين.. إنه بيتك يا مها.. ولم أكن أمانع فى ذهابها من حين لآخر لزيارة أمها.. إن مها عاقلة جدًا.. نجحت وحصلت على شهادة الثانوية العامة والتحقت بكلية التجارة.
فى البداية كنت أخشى أن يكون لزواجى الجديد أى آثار سيئة على أسرتى وبناتى.. خاصة الابنة الصغرى مها.. لكن الحمد لله إن زوجتى إنسانة عظيمة تعمل دائمًا على راحتنا وتشعرنا باستمرار بالجو الأسرى الرائع.
وبعد عام أنجبت زوجتى لى طفلة ثانية «رانيا».. حكمتك يا رب.. لم أنجب أبدًا ولدًا واحدًا.. كلهن بنات.. ولكنى راضٍ وغير متذمر.. فهذه إرادة الله التى لا بد أن أقبلها بامتنان شديد. حمدًا لله على كل شىء.. إن إنجاب البنات متعة يعرفها كل من أنجب بنتًا.. شعورك بالمسئولية يكون أشد.. الولد يكبُر ويصبح رجلًا، ويستطيع الاعتماد على نفسه دون مساعدة من أحد.
لكن ماذا تفعل البنت فى هذا العالم.. إنها تعلمت وتخرجت فى الجامعة، إلا أنها تحتاج إلى رجل مخلص إلى جانبها يساعدها بالنصائح والتوجيهات المخلصة.. وإذا كانت هذه الابنة تعيش بعيدًا عن أمها فإن المسئولية تصبح مضاعفة.. والحمد لله ساعدتنى ظروفى الجديدة على تأثيث بيوتهن.. ولم أفكر فى إعادة تأثيث «الفيلا» التى أقيم فيها إلا بعد أن حققت لبناتى كل رغباتهن.
وواصلت نشاطى الفنى بعد أن استعدت حماسى القديم.. لقد أنقذنى هذا الزواج من الإفلاس.. وفتح فى حياتى صفحة جديدة مشرقة بالأمل.. حياة جديدة كلها وفاء.. إننى أقدس الوفاء.. خصوصًا وفاء المرأة للرجل.. لى عمة استُشهد زوجها وهى شابة جميلة لكنها رفضت الزواج من بعده وفاءً له.. وأمهات كثيرات نسمع كل يوم عن وفائهن لأزواجهن وأولادهن.. الزوجة التى ترفض الزواج حتى تكمل تربية أولادها وحتى يُصبحوا رجالًا ناجحين.. هذه هى المرأة التى تبنى حياة الرجل.. هذا هو الحب العظيم.. الذى يبنى ولا يهدم.
إننى أعرف زوجة كانت صديقة لهدى سلطان، مات زوجها فلم تخلع ثياب الحداد لأكثر من سبع سنوات حدادًا على زوجها الراحل ووفاءً له.. وعلى صدرها تتدلى صورة الزوج الذى عاشت من بعده وفيّة له.
إن بين النساء زوجات وفيات كثيرات.. لا أريد أن أظلم كل النساء. هذا الوفاء الذى عرفته أخيرًا فى حياتى.. هو الذى أنقذنى من الإفلاس.. وعندما يستقر الفنان فى حياته العائلية يقدم فنًا أفضل.. وهذا ما حدث لى.