رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 12 أغسطس 2020 الموافق 22 ذو الحجة 1441
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

«لُطف خفيّ».. متطوعون وهبوا حياتهم لـ«إكرام موتى كورونا» (فيديو)

الخميس 30/يوليه/2020 - 09:03 ص
موتى كورونا
موتى كورونا
إيناس سعيد
طباعة
مع نهاية شهر فبراير الماضي بدأ ظهور حالات مصابة بفيروس كورونا المستجد والذي كان بدايته في الصين إلى أنه انتقل إلى الدول الأخرى وكان من بينها مصر، ومع تزايد أعداد الإصابات الايجابية بالفيروس وكذلك عدد الوفيات، أظهر هذا الفيروس العديد من الخصال الحميدة والخبيثة في النفوس.

فكان اللجوء للمنزل هو الحل الآمن للحد من انتشاره، إلا لبعض المهن الأساسية التي يبرز دورها في هذه الظروف العصيبة، وخاصة مع حالات الوفاة وهو المُغسلين الشرعيين المسؤولين عن إكرام الميت لمثواه الأخير، إلا أن ما حدث كان هروب العديد من المُغسلين خوفًا من انتقال العدوى لهم ورفض الناس لدفن ضحايا الفيروس كذلك، وكان أمام هذا الهروب هناك الكثير من التضحية والاستجابة لمواطنين علموا أن لهم دور أساسي ومهم في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها مصر.

وهناك من تعلم كيفية الغُسل والتكفين والدفن خصيصًا من أجل ضحايا كورونا، وهناك من أكمل على عهده من قبل هذا الفيروس بالقيام بدوره المنوط به لوجه الله تعالى، وهنا نسرد قصصهم الخاصة وغيرهم كثيرين.


- أسرة مسيحية تستغيث بـ "علي عبود" لدفن متوفي كورونا بدير مقبرة الشهداء

يبلغ "علي عبود" مُعلم خبير في مادة الدراسات الاجتماعية بأحد مدارس قرية أرمنت محافظة الأقصر من العمر خمسين عامًا، وأنشأ فريقا يحمل اسم "إكرام ضحايا فيروس كورونا بالأقصر" (تغسيل –صلاة – دفن) للمساعدة في نقل ضحايا الفيروس المستجد إلى مثواهم الأخير.

وقال "علي" إنه بعد أن شاهد عدة فيديوهات والتي رفض فيها أهالي قرية الدكتورة سونيا عبدالعظيم دفنها لوفاتها بهذا الفيروس، شعر بألم شديد لها وعما تعرض جثمانها من إهانات دون نقلها لمثواها الأخير، فوضعت رقمي على صفحتي الشخصية على موقع فيسبوك كما وضعته على كافة الصفحات التي تحمل أخبار الأقصر أني سأقوم بالمساعدة في حالة وفاة أي متوفي بالكورونا.

وأضاف أنه بعد هذا الإعلان الذي وضعه تلقى العديد من المكالمات من أهالي الضحايا، وكذلك من متطوعين يرغبون في مساعدته في هذه المهمة وهو ما شجعه على تأسيس هذا الفريق، والذي بدأ منذ إبريل الماضي وحتى هذا الوقت، وتوسع فريقه ليشمل متطوعين للرجال ومتطوعات للسيدات وفريق مسيحي كذلك.

يتذكر "علي" أول اتصال هاتفي يتلقاه عقب وضعه رقمه الشخصي، قائلا "كنت بالمنزل مرتديًا جلبابي وأسرعت مجرد أن تلقيت المكالمة تطلب مساعدتي"، بارتداء عدة قفازات في يديه والكمامة على وجهه، تمكن من غُسل المتوفي بمساعدة أحد أفراد أسرته، وعند نقله لدفنه بالمقابر "الحفار لم يأت وانتظرناه كثيرًا لدفن المتوفي إلا أننا علمنا أنه خائف لذا لم يأت، فأخبرت أهل المتوفي أني قادر على دفنه وهو ما حصل".

رغم كبر عمره وهو ما حذر منه الأطباء أن الكبار هم الأكثر إصابة بالفيروس وكذلك أنه مصاب بداء السكر المزمن، إلا أن كل هذه الأسباب لم تثنه عن تقديم كل المساعدة لضحايا فيروس كورونا، إلى جانب تشجيع أسرته له، حيث قال "زوجتي تشجعني بكل طاقتها وتخبرني أن الموت واحد ولكل أجل كتاب".

وأضاف أنه تلقى مكالمة من مستشفى العزل بإسنا بوجود حالة وفاة تم تغسيلها بالفعل ولكن يريدون دفنها ولا يعلمون إلى من يلجأون غيره ولكن هذه الحالة لمتوفي مسيحي، مشيرا إلى أن فريق إكرام ميت جاهز بالفعل، ويضم فريق مسيحي لمساعدة إخوتنا المسيحيين كذلك، وبعد عدة مكالمات مع قائد الفريق المسيحي لم يتمكنوا من الوصول إليه.

وتابع: " أبلغوني بصعوبة الوصول الفريق لهم، فقلتلهم "أنا جاهز مسافة السكة"، وبالفعل انطلق برفقة زميل له إلى مشفى العزل، وخرجت الجنازة إلى دير مقبرة الشهداء بقرية القرايا، وأثناء أداء إخوتنا المسيحيين صلاتهم على متوفيهم، وقفت بعيدًا أنا وزميلي حتى انتهوا منها، ثم حان دورنا في نقل صندوق المتوفى إلى مقبرته وتم دفنه بمساعدة ابنه.


- "أبو سُفيان" وهب نفسه لمساعدة متوفيين كورونا لمثواهم الأخير وإصابته تثنيه

وضع "محمد السيد أبو سُفيان" رقمه الشخصي على صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ليكون تحت الطلب الدائم في أي وقت كان من أجل المساعدة في غُسل وتكفين المتوفين بفيروس كورونا المستجد، منذ أن بدأت الحالات المصابة به في الزيادة ومع تراجع وتخاذل العديد من المُغسلين الآخرين، إلا أن الظروف شاءت أن يُصاب هو الآخر بهذا الفيروس الذي أقعده عن وهبه لوقته ونفسه.

وقال إنه تعلم طرق الغُسل الشرعي والكفن منذ ما يقرب من 20 عاما، لما له من أجر وثواب عظيم يتمنى أن يناله من الله، وهو ما شجعه على التطوع من أجل المساعدة في نقل متوفيين فيروس كورونا المستجد إلى مثواهم الأخير "دي حاجة لله عمري ما همنع نفسي عنها مهما كانت الخطورة، وإن لم يكن هناك من يهب نفسه لهذا العمل في ظل هذه الأزمة حتى لو كان المقابل لها أرواحنا ففي المقابل نساعد أرواح انتقلت إلى ربها بالفعل وإراحتهم في مثواهم الأخير".

وأوضح الرجل الأربعيني أنه ما أن وضع رقمه ضمن فريق المتطوعين عن منطقة مصر الجديدة، استقبل عدة مكالمات لمدة يومين ليؤدي مهمته المنشودة، وشاء القدر أن تظهر عليه أعراض فيروس كورونا المستجد، ما جعله يتوقف في الحال حتى يتماثل للشفاء التام، ويعود من جديد لأداء مهمته.

وأكد أن سبب إصابته كان قبل أن يتولى غُسل أي حالة متوفاة بالفيروس، وإنما من الممكن أن يكون التقط العدوى من عمله، حيث يعمل محاسبا في وزارة الكهرباء، "لم أكن من العاملين الذين تم تطبيق عملهم من المنزل فكان هذا السبب في إصابتي".


- "حاتم" و"مدحت" يتعلمان الغُسل الشرعي والتكفين لسد أزمة هروب المُغسلين الأساسيين

يعمل "حاتم سليم"، الشاب الثلاثيني، في أحد مراكز الشباب بمنطقة الهرم، حيث تم إغلاق المراكز والأندية الشبابية الرياضية من ضمن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، ما جعله يقرر استغلال هذا الوقت في تعلم الغُسل الشرعي لمساعدة ضحايا فيروس كورونا المستجد في نقلهم إلى مثواهم الأخير.

وقال إنه منذ بداية ظهور وانتشار فيروس كورونا المستجد كان تواجده في الشارع لعمل حملات تعقيم وتطهير بصفة يومية ودورية خاصة، ومع تزايد حالات الإصابات والوفاة أسس مع صديق له وهو مدحت عبدالتواب فريق مبادرة الرحمة حلوة لغُسل ضحايا فيروس كورونا.

وأوضح أنه منذ تأسيس الفريق في منطقة الطالبية وبعد تلقى العديد من الاستغاثات لعدم وجود عربات لنقل المتوفين ورغم محاولاتنا لطلب المساعدة من عدة جمعيات خيرية لتوفير عربات إكرام الموتى والتي باءت بالفشل، وكذلك الاستغاثات لعدم وجود مُغسلين يقبلون غُسل وتكفين ضحايا فيروس كورونا، إلا شخص واحد فقط بمنطقة الكوم الأخضر بالطالبية، كل هذه الأسباب كانت كافية لتعلم الغُسل والتكفين حتى يتمكن من المساعدة في ظل هذه الأزمة.

وقال إنه تعلم الغُسل من خلال مرافقته للشيخ الذي تطوع من أجل أداء هذه المهمة، وبعد أن تعلم كافة ما يحتاجه، بدأ هو ورفيقه في في الخروج وحدهم لغُسل المتوفيين متخذين كافة إجراءات السلامة والوقاية وتنفيذ تعليمات وزارة الصحة في كيفية التكفين.

وأضاف أنه تمكن هو ورفيقه من حل أزمة متطوعين الغُسل إلا أن عدم وجود عربة لنقل المتوفي مازالت قائمة، خاصة مع دفن بعض الضحايا في أماكن بعيدة ما يجعلهم ينتظرون رجوع العربة لنقل الحالات الأخرى المنتظرة.

وذكر أن مبادرة "الرحمة حلوة" يضم داخله 4 فرق لكل منها دور خاص به، فهناك فريق لتعقيم وتطهير الشوارع، وفريق لتعقيم المناطق التي ثبت وجود حالات إيجابية بها، وفريق للتوعية وفريق الغُسل، وتوفر المبادرة القفازات والكمامات وأدوات التعقيم والتطهير ومستلزمات الوقاية بالجهود الذاتية.


- إلهام طايع: "واجهت انتقادات لتعلمي الغُسل وأنا لا أرتدي النقاب ويصفوني بالمُغسلة المودرن"

كان الجثمان الوحيد الذي وقفت أمامه "إلهام طايع" هو لوالدتها التي توفيت منذ أشهر مضت، ولم تك وقتها تعرف كيفية الغُسل والتكفين، وعندها قررت أن تتعلمهم من أجل المستقبل، إلا أن مشاغل الحياة جعلتها تنسى هذه الفكرة، إلى أن جاء فيروس كورونا المستجد وزادت حالات الوفاة التي لم تجد لها مُغسل فكانت هذه البداية، وانضمت إلى فريق إكرام ميت بمحافظة الأقصر.

وقالت إنه مع زيادة الحالات كانت الفرصة لتعلم الغُسل الشرعي والتكفين، وبالفعل ذهبت لعدة مرات مع مُغسلات كمساعدة لهم من أجل التعلم، حتى أصبحت أقف على غُسل حالات أخريات بنفسي مرتدية البدلة الواقية والقفازات الطبية وكذلك الكمامة والمواد المطهرة وغيرها.

وأوضحت أن التخلص من رهبة المرض ورهبة الغسل نفسه أهم عاملين ساعدوها على التعلم والتطوع لهذا العمل الذي تحتسبه عند الله، خاصة بعد ابتعاد المُغسلات الأساسيات خوفًا من هذا الوباء، وهو ما شجعها أكثر على الخوض في هذه المهمة دون تراجع.

وواجهت "إلهام" العديد من الانتقادات عند قرارها لتعلم الغُسل، وأوضحت أنهم "يطلقون عليّ لقب مُغسلة مودرن لعدم إرتدائي النقاب، وكان ردي القاطع عليهم "هاتولي ركن في الإسلام يقول إن لازم ألبس خمار أو نقاب عشان أكون مُغسلة".

ووهبت "إلهام" نفسها ليس فقط من أجل إكرام ضحايا فيروس كورونا المستجد لمثواهم الأخير، إلا أنها كذلك تساعد كل من يحتاج إلى الأدوية الطبية وهو في عزله بالمنزل، فهي المسؤولة عن إحضار هذه الأدوية لهم وحتى لا يخرجوا من منازلهم من أجل تعافيهم الكامل.

وذكرت أنها تلقت العديد من المكالمات لفتيات يرغبن في المشاركة مع في فريق النساء للغُسل والتكفين، موضحة أن بعض المتطوعات يرغبن بعدم الإفصاح عن معلومات خاصة بهن لخوف الأسرة عليهن من هذا الفيروس المستجد، إلا أن هؤلاء الفتيات صممن على التطوع مع إتخاذ كافة التدابير الوقائية.


- محمد بغدادي: شهرين ونصف بنغسل ضحايا كورونا ولم يصبنا أي سوء

عندما كان "محمد بغدادي" في العشرين من عمره قرر تعلم الغُسل الشرعي، دون أن يعلم أن تعلمه هذا سيفيده في الثلاثينات من عمره عندما قرر أن يترك رقم هاتفه المحمول على صفحته الشخصية وكافة صفحات محافظة الأقصر كمُغسل ومُكفن لضحايا فيروس كورونا المستجد.

وقال إن تعلمه للغسل من البداية كان بسبب أن أهالي الأرياف والقرى لا يغسلون المتوفى وفق سنة النبي، وهو ما جعله يتعلم الغُسل الشرعي من أجل هذا الهدف، حتى جاءت جائحة فيروس كورونا، ورفض المغسلين الأساسيين للقيام بدورهم خوفًا من العدوى المنتشرة.

وكان الفيديو الذي انتشر للدكتورة سونيا عبدالعظيم برفض أهالي قريتها لدفنها خوفًا من انتقال عدوى فيروس كورونا لهم، السبب في تطوعه لهذا العمل، موضحا أن هذا الموضوع هزني كثيرًا كيف يمكن إهانة متوفي بهذا الشكل.

وأوضح أنه يرتدي 3 قفازات طبية وبالكمامة والبدلة الوقاية التي تسلمها من الطب الوقائي، يقوم بدوره في الغُسل والتكفين "احنا بناخد بالاسباب وكل حاجة بتاعت ربنا ولكن دا دورنا المفروض علينا"، مضيفًا أنه غسل العديد من الحالات منذ ما يقرب من شهرين ونص ولم يصبه أي شيء هو وغيره من المتطوعين الأخرين معه.


- "كرم أبو اسماعيل" المُغسل الوحيد بمركز قلين لضحايا فيروس كورونا

يسعى كرم أبو اسماعيل الرجل الخمسيني جاهدًا إلى تلبية كافة الاستغاثات التي تأتيه من أهالي مركز قلين والمراكز الأخرى المحيطة بمحافظة كفر الشيخ لغُسل وتكفين ضحايا فيروس كورونا المستجد، بعد أن وهب نفسه من أجل هذا العمل ولعدم وجود غيره لرفضهم هذا العمل خوفًا من انتقال العدوى لهم.

وقال إنه بعد متابعته لتطورات هذا الفيروس الجديد حول العالم، ومع ظهور العديد من الحالات في مصر، قرر أنه لابد من تقديم المساعدة بشتى الطرق، مضيفًا أن هذا حق من حقوق المتوفي على الأحياء بغُسله وتكفينه.

وأوضح أنه مع زيادة عدد الحالات الإيجابية لمرضى فيروس كورونا وارتفاع أعداد الضحايا خاصة ممن يعيشون من خارج محافظة كفر الشيخ، ويتم نقلها لدفنها في مكان الأسرة، كان هناك رفضا تاما لدفنها خوفًا من انتشار العدوى، إلا أن الوضع أصبح مقبول حاليا.

ويعمل "كرم" تاجر للمواد الغذائية في محله الخاص، ولكن عند تلقيه مكالمة هاتفية من أي شخص يبلغه أن هناك متوفي لفيروس كورونا في حاجة إلى الغُسل والتكفين، يترك محله لرفيق له ويذهب لتلبية النداء الذي وهب نفسه من أجله.