رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 14 أغسطس 2020 الموافق 24 ذو الحجة 1441
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
ماجد حبته
ماجد حبته

مصر الكبرى.. لا تعادى ولا تستعدى

الثلاثاء 21/يوليه/2020 - 07:03 م
طباعة
بإجماع كل الحاضرين، وافق مجلس النواب، أمس الأول الإثنين، على إرسال عناصر من قواتنا المسلحة خارج الحدود، دفاعًا عن أمننا القومى فى الاتجاه الاستراتيجى الغربى ضد أعمال الميليشيات الإجرامية المسلحة والعناصر الإرهابية الأجنبية. وهكذا، صارت لدى قواتنا المسلحة الرخصة الدستورية والقانونية، لتحديد زمان ومكان الرد على الأخطار والتهديدات.
بجاهزية عالية، وإمكانيات تسليح كبيرة، باتت قواتنا المسلحة قادرة على حسم معاركنا فى كل الجبهات، لو كُتب علينا القتال، الذى هو كُرهٌ لنا، وسيظل كذلك. ومع أن الظاهر على السطح يكون، عادة، أقل كثيرًا من الأعظم المخفى، إلا أننا لا نجد مانعًا من الإشارة إلى أن ترتيبنا هو التاسع بين أقوى ١٣٨ جيشًا، حسب تصنيف موقع «جلوبال فاير باور» الصادر هذا العام.
لا يعنى ذلك، بالضرورة، أننا ذاهبون إلى الحرب. فالثابت هو أن موافقة مجلس النواب، جاءت بعد أن واجهنا، سياسيًا ودبلوماسيًا، محاولات تخريب الدولة الشقيقة، بالتنسيق مع شعبها وجيشها الوطنى. وبعد أن حاولنا، وما زلنا، مع الدول الشقيقة والصديقة، أن نردع الداعمين للإرهاب. وبعد إعلان القاهرة، وتحديد الخط الأحمر، الذى لم يجرؤ العدو التركى ومرتزقته وعناصره المحلية الداعمة، إلى الآن، على تجاوزه، ونتمنى ألا تدفعه حماقته إلى ذلك.
أيضًا، سبق موافقة البرلمان تأكيد مجلس الدفاع الوطنى، الذى انعقد يوم الأحد برئاسة الرئيس عبدالفتاح السيسى، التزام مصر بالحل السياسى، سبيلًا أو وسيلة لإنهاء الأزمة الليبية، شريطة أن يحافظ ذلك الحل على السيادة والوحدة الوطنية والإقليمية للدولة الليبية، ويستعيد ركائز مؤسساتها الوطنية، ويقضى على الإرهاب ويمنع فوضى انتشار الجماعات الإجرامية والميليشيات المسلحة المتطرفة، ويضع حدًا للتدخلات الخارجية غير المشروعة، ويضمن التوزيع العادل والشفاف لثروات وموارد الشعب الليبى.
هذا عن الاتجاه الاستراتيجى الغربى، أما عن أزمة الجنوب، فالثابت هو أن مصر سعت بصبر، لامس حد البرود، للتوصل إلى اتفاق عادل، يتيح لإثيوبيا تحقيق أهدافها التنموية من بناء السد، دون المساس بحقوقنا، وحقوق السودان، التاريخية فى مياه النيل. ولا نعتقد أن الحرب، ستكون خيارنا، إلا لو لم يتحقق النصر أو نصل إلى اتفاق بغيرها. وما يدعم ذلك هو أن مجلس الدفاع الوطنى أكد فى اجتماع الأحد، استمرار مصر فى العمل على التوصل إلى اتفاق شامل بشأن المسائل العالقة فى قضية السد، وأهمها القواعد الحاكمة لملء وتشغيل السد، على النحو الذى يؤمن للدول الثلاث مصالحها المائية والتنموية، ويحافظ على الأمن والاستقرار الإقليمى.
أمس الأول الإثنين، أيضًا، تناول الرئيس مع نظيره الأمريكى دونالد ترامب، هذين الملفين، فى اتصال تليفونى، استعرض خلاله الرئيس السيسى موقف مصر الاستراتيجى الثابت تجاه القضية الليبية «الهادف إلى استعادة توازن أركان الدولة، والحفاظ على مؤسساتها الوطنية، ومنع المزيد من تدهور الأوضاع الأمنية». وما قد يطمئن أن الرئيس الأمريكى أبدى، خلال الاتصال، تفهمه الشواغل المتعلقة بالتداعيات السلبية للأزمة الليبية على المنطقة، وأشاد بالجهود المصرية الحثيثة تجاه تلك القضية، التى من شأنها أن تعزز مسار العملية السياسية فى ليبيا.
ما قد يطمئن، أيضًا، أن الرئيسين تبادلا الرؤى بشأن تطورات ملف «سد النهضة» الإثيوبى. ليس فقط لأن الملفين مرتبطان، بشكل أو بآخر، ولكن لأن الولايات المتحدة شاركت، مع البنك الدولى، بصفة مراقب، فى جولة المفاوضات التى استضافتها واشنطن، وتولى الطرفان صياغة المسودة شبه النهائية، لاتفاق وافقت على بنوده الدول الثلاث، ووقعت عليه مصر، منفردةً، تأكيدًا على جديتها ورغبتها المخلصة فى إنهاء الأزمة باتفاق عادل. فى حين غابت إثيوبيا عن الاجتماع الأخير ما أكد، بشكل قاطع، سوء نيتها وعدم رغبتها فى التوصل إلى اتفاق.. ونتمنى أن تكون القمة الإفريقية المصغرة التى عُقدت أمس، الثلاثاء، قد شهدت تعديلًا فى المسار الإثيوبى.
استعدنا، كما قلنا ونكرر، عافيتنا العسكرية، السياسية والاقتصادية، غير أننا، قطعًا، لا نريد الحرب، ولن نسعى إليها إلا مضطرين، وبعد استنفاد كل الخيارات الأخرى. وتلك كانت رؤية، نبوءة، أو حلم جمال عبدالناصر لمصر الكبرى، التى لم تكن، ولن تكون، عاديَة أو مستعدية، بل «دولة تحمى ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تقوى ولا تضعف، توحد ولا تفرق. تشد أزر الشقيق، وترد كيد العدو، لا تتحزب ولا تتعصب، لا تنحرف ولا تنحاز. تؤكد العدل، وتعزز السلام، وتوفر الرخاء لها ولمن حولها من البشر جميعًا بقدر ما تتحمل وتطيق».
بعد ٦٢ سنة، وخمسة أشهر، تحققت تلك الرؤية، النبوءة، أو ذلك الحلم. ونعتقد أن الوقت قد حان، لتدرك الولايات العربية والإفريقية، غير المتحدة، أن العالم لا يلتفت للضعاف الصغار، ولا يعترف إلا بالأقوياء الكبار، وأن ما تبدّد، أو تم انتزاعه بالقوة، لا يمكن استرداده بغيرها.