رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 03 أغسطس 2020 الموافق 13 ذو الحجة 1441
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

الحرب على الكراهية.. كيف يمكن تجاوز الأزمات الثقافية؟

الأربعاء 15/يوليه/2020 - 07:40 م
الأزمات الثقافية
الأزمات الثقافية
حنان عقيل
طباعة
فى نهاية القرن العشرين، طرحت فكرة «صدام الحضارات» كواحدة من أبرز الأفكار لتفسير ليس فقط العلاقات بين الدول، ولكن الصدامات المُستقبليّة المُتوقعة بين الحضارات بعد أن تبوأت الحضارة الغربية مكانة عليا وبلغت أوج قوتها، ما مكنها من أن تهيمن ثقافيًا على غيرها من الحضارات التى باتت تحركاتها بمثابة رد فعل على تلك القوة الغربية، وهو ما يؤسس لفكرة الصدام والصراع مع الحضارات الأخرى فى معركة إثبات وجودها وأهميتها.
فى غضون ذلك، كان ما طُرِح عبر المشاريع النهضوية العربية من أسئلة حول التأخر العربى فى مقابل التقدم الغربى لا يزال حاضرًا، جالبًا معه التساؤلات حول الهوية المفقودة والتبعية الثقافية للآخر التى بات العالم العربى أسيرًا لها، ليظل التساؤل مطروحًا حول حدود الانفتاح على الآخر وقيمه وثقافته بكل ما تطرحه من إشكاليات، وكذلك إمكانات تأسيس حوار مُثمر وفعّال تتلاقح فيه الحضارات دون أن تنصهر وتفقد أسسها الثقافية والاجتماعية. وليتجدد السؤال حول ما يتم تأسيسه من قيم ثقافية عالمية ومنطقيتها وجدواها وأهدافها فى ذلك الإطار ما بعد الكولونيالى.

«ديكتاتورية المستنيرين».. كيف تشكل العلوم دينًا جديدًا؟
إن كان العصر الحديث فى أوروبا عصر الأنوار كما سمّاه كانط، قد قام على مجموعة من المواقف «الإيمانية» المُعبّرة عن أهداف عصر التنوير والمُدافعة عن مكتسباته، والتى جاء على رأسها التحوُل عن القيم الأخروية بكل ما تعنيه، والإيمان بأن الإنسان مقياس كل شىء- فإن العديد من الكتابات بات فى موضع استشكال لما قادت له هذه السرديّة من مُشكلات وأزمات، ولما هو متوقع مُستقبلًا فى ظل الحراك العلمى والتكنولوجى الذى بات يستهدف إعادة تشكيل جوهر الإنسان. فى كتاب «ديكتاتورية المستنيرين.. روح الإنسانوية العابرة وأهدافها» الصادر فى طبعة حديثة عن دار «الآن ناشرون وموزعون» فى الأردن، للباحثة الروسية أولجا تشيتفيريكوفا، والذى ترجمه عن الروسية الكاتب الأردنى باسم الزعبى- تُقدّم الكاتبة وجهة نظر فيما يتعلق ببعض التوجهات العلمية والثقافية السائدة على المستوى العالمى التى تستهدف إحداث تغييرات جذرية فى الثقافات والجوهر الإنسانى، بالحديث عن بعض المشاريع الثقافية والعلمية التى حوّلت العلم إلى أيديولوجيا تستهدف تأسيس دين جديد يتوافق مع طبيعة العصر ومُكتسباته التكنولوجية والعلمية.


إعادة صناعة الإنسان
تستشكل المؤلفة فكرة «التقدم» التى قامت على أساس من محاربة الدين، باعتبار أن الحضارة العالمية الجديدة هى المرحلة النهائية لتأكيد البناء الاجتماعى الذى يُشكِّله الإنسان وفق فهمه وقوته الذاتية رافضًا الخالق وواضعًا نفسه مكانه، ومن ثم فهو يسعى للتخلص من صورة الله التى كانت تعنى فى وعيه تقييد حريته، وتغيير الطبيعة البشرية وبناء الإنسان الجديد، وبناء على تلك الأفكار يقوم عدد من الأنظمة والمؤسسات بتشكيل قناعات قادة العالم المعاصر.
ترى الكاتبة أن «الغنوصية» من أكثر أنظمة المعتقدات تأثيرًا فى ذلك الصدد، فهى خليط من الأديان الشرقية مع الفلسفة القديمة، وتقوم على مقابلة عالمين: عالم النور والمعرفة والخير من جهة وهو عالم روحى، وعالم الظلام المرئى والمحسوس وهو عالم الشر والعماء من جهة أخرى. لتنتهى إلى أن الطريق إلى الخلاص هو الكشف عن العنصر الإلهى فى النفس الذى يظهر بمساعدة المعرفة الغيبية المُنقذة، كما تُقسِّم الغنوصية الناس إلى أقسام، فهناك الروحانيون الذين يصبحون كذلك بسبب طبيعتهم ومن ثم يستطيعون أن ينقذوا أنفسهم، فى حين يعجز الجسديون والعاطفيون عن ذلك. وبناء على ذلك، فالغنوصية تقوم على تشويه الطبيعة الإنسانية المستندة إلى وحدة الروح والجسد، كما أنها تدعو، كما تشير الكاتبة، إلى «اللامبالاة الأخلاقية»، فإن كان الشر يصدر عن المادة والجسد وليس عن الروح البشرية فإنه لا توجد قواعد قيمية اجتماعية أو نظم وضوابط أخلاقية، ومن ثم فالقيمة الأعلى هى القوة التى تتجسد فى المعرفة.

العقلانية التنويرية
يؤمن أتباع المذهب الإنسانى بأنه لا توجد حاجة لجلب أى شىء للإنسان من خارجه، يكفى أن يكشف عما هو موجود فيه، وأنه على الإنسان أن يتعلم كيف يدرس نفسه ويُقيّمها جيدًا، ويتوقف عن البحث عن الدعم من خارجه، وبناء عليه قد صيغت أسس عولمة المعرفة ووضع خطة إصلاح شمولية للبشرية، كما وضعت العقلانية التنويرية الإيمان والمعرفة نقيضًا للدين، وأصبحت كل من إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة مراكز الدين التكنولوجى، وانتقلت الولايات المتحدة إلى عبادة الكمال التكنولوجى، ذلك الدين الأمريكى القائم على التأليه تأسس على تصور حول الحرية الطبيعية التى تطابقت مع وحشية العالم الجديد. وفى الإطار ذاته، تم التعامل مع نظرية التطور العلمية باعتبارها دينًا علميًا، إذ أحدثت الدارونية انقلابًا راديكاليًا فى وعى الإنسان فى الغرب، وأجبرته على النظر إلى العالم من خلال منظور التقدم والتطور، الذى يتناقض بعمق مع الفهم الدينى للعالم.
تتحدث الكاتبة كذلك عن منظمة اليونسكو، التى تعتبر وجودها ضرورة للترويج لقيم وأفكار معينة، مستندة إلى حديث «بيير دى سيناركلين» أحد قادة أقسام اليونسكو، والذى أشار فيه إلى أن سلطة الأمم المتحدة لا تتمثل فى القرارات السياسية المحددة التى لا تمثل أهمية جدية فى أغلب الأحيان، لكنها تكمُن فى الوظائف الأيديولوجية وفى التأثير السياسى، فضلًا عن الترويج لأفكار وقيم معينة من المؤسسات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة.


دين المثلية الجنسية
تعتبر المؤلفة أن ثمة دفاعًا مُتناميًا عن حقوق «المثلية الجنسية»، والذى لا يعد برأيها مجرد تحدٍ للمجتمع الحديث وأخلاقه التقليدية، بل هو دعوة لتأسيس «دين سدوم» «إشارة إلى قرية النبى لوط» من قبل المُدافعين والمروجين لحقوق المثليين الجنسيين، وذلك بعد أن تحولت الحركة النسوية من نقد الهوية البيولوجية إلى نقد الهوية الاجتماعية، وهو ما أتاح لها أن تعتبر الجنس ظاهرة اجتماعية بحتة لا تعتمد على الطبيعة وإنما على التربية، ونتيجة لذلك يصبح الجندر المفهوم الرئيسى فى الهيكل الجديد.
وتُشير إلى أنه فى ظل ظروف الثورة الثقافية، يبدأ المنحرفون المتطرفون بصراع سياسى للاعتراف بالمثلية باعتبارها أنموذجًا طبيعيًا بديلًا فى الحياة، ومن أجل هذا الهدف أنشئت فى الولايات المتحدة جبهة تحرير المثليين، وقدمت مفاهيم جديدة مثل مجتمع الميم لتسليط الضوء عليهم بوصفهم حاملين لهوية جنسية خاصة وثقافة فرعية جديدة، ومن ثم شكّلت هذه النظريات أساس مشروع ثورة جنسية عالمية شاملة تهدف إلى تغريب الشخص عن جنسه، ويجرى الترويج لها على مستوى عالمى واسع، إلى درجة الترويج لمفهوم «رهاب المثلية» والذى يُطلق على كل من يرفض المثليين أو لا يتقبلهم.


الإنسانوية العابرة
تضم الإنسانوية العابرة تيارات متعددة: تيارات تكنوقراطية وبيئية وتحررية وأناركية، وتوحدهم جميعًا الرغبة فى التغلب على الطبيعة البشرية لتحقيق حالة جديدة جسدًا وعقلًا، عن طريق تغيير فى الإنسان ذاته، أو خلق كائن اصطناعى عن طريق العمل على تطوير بدائل متنوعة من أشكال التطور. ومن تلك الأشكال دعوة الإنسانوية العابرة إلى تأييد إلغاء الجنسين والانتقال إلى التلقيح الاصطناعى، وكذلك السعى إلى تحويل الإنسان إلى آلة أو روبوت من خلال إدخال رقائق فى الجسم وفى الدماغ، مما ينتج الإنسان الشبيه بالروبوت، وكذلك مفهوم اللافناء العلمى الذى يتضمن استخدام التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا
النانو لتحقيق الخلود.
تقوم الإنسانوية العابرة على تحويل التكنولوجيات الحديثة التى تتطور باستمرار إلى قوة قادرة على التحكم فى مستقبل الإنسان، وقد تتفوق على ذكائه مستقبلًا، وتخطط النظرية لبرمجة الإنسان منذ ولادته أو حتى قبل ولادته على نوع من السلوك والمهارات التى يكون عليها طيلة حياته. استطاع مصطلح الإنسانوية أن ينتشر على مستوى الحركة العالمية مطلع التسعينيات محددًا الاتجاهات الحديثة للحراك العلمى التكنولوجى، وترى الكاتبة أن رفض الإنسانية يتحقق برفع شعار الإنسانوية العابرة الذى يُنظر إليه على أنه مرحلة أخيرة وختامية للإنسانية، إذ أعلن أن حق الإنسان يكمن فى أن يظل الإنسان قابلًا للتعديل حتى لا يعود إنسانًا.


الهيمنة الثقافية
رغم أن الباحثة تنطلق من منظور الدين المسيحى، بصفتها مؤرخة روسية متخصصة فى التاريخ الاجتماعى والسياسى لأمريكا اللاتينية، ومهتمة بأساسيات الوعى الدينى الأوروبى وتطوره والصراعات العرقية والدينية فى أوروبا الغربية، لتؤكد تهديد تلك الأفكار والاتجاهات المؤثرة عالميًا للدين المسيحى، والمحاولات التى يُجرى الإعداد لها كى يُستبدل دين الإنسانوية الجديد بالدين المسيحى- فإن الأفكار التى طرحتها يبقى من المهم التعرف إليها لمعرفة الآليات الناعمة التى يُجرى من خلالها تغيير الثقافات والهويات لتأسيس ثقافة عالمية موحدة، عبر انصهار الثقافات فى بوتقة عالمية واحدة، تكون مُرتكزًا يمكن من خلاله إخضاع الشعوب والأفراد والسيطرة عليهم فكريًا وحضاريًا، ومن ثم استغلالهم اقتصاديًا تحقيقًا لأهداف الاستعمار الحديث.


«التواصل بين الثقافى».. كتاب يرصد عوائق الاتصال الحضارى وسُبل تجاوزها
أزمات عدة تمر بها المجتمعات العربية منذ عقود لا تزال تنخر فى بنيتها الثقافية والاجتماعية، ما بين الحروب الأهلية والطائفية والدولية والصراعات والركود والرجعية الثقافية والإرهاب المحلى والإقليمى والعالمى، وهو ما جعل دائرة الفوضى الثقافية وبين الثقافية أكثر استحكامًا، ففى ظل الرؤية الأحادية التى يستمسك أصحابها برؤية واحدة لا حياد عنها، وفى ظل حالة السبات المعرفى الذى مرت وتمر به المجتمعات العربية، تأتى أهمية الحديث عن معوقات التواصل الثقافى الفعّال الذى يُمكن من خلاله تشجيع الرأى العربى والعالمى على الإقبال نحو التغيير والتخلص من الأقنعة الأيديولوجية والمركزية الإثنية والأطماع تجاه الآخر.
تسعى الكاتبة الأردنية رزان جدعان فى كتابها «التواصل بين الثقافى.. الواقع، البديهية، الصورة»، الصادر حديثًا عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» فى لبنان، إلى تحليل البنية الثقافية لمجتمعات الشرق العربى والإسلامى، وكذلك الغرب الأمريكى والأوروبى، لكشف حقائق التضاد بين المجتمعات المعاصرة، وتأثير تلك البنية على علاقة تلك المجتمعات مع واقعها وكذلك مع بعضها بعضًا. ومن ثم، تحاول الكاتبة، عبر فصول الكتاب التسعة، التعرف إلى عوائق التواصل الحضارى الفعّال والصيغ التواصلية الحالية وإشكالياتها، والسُبل التى يُمكن من خلالها التأسيس لتواصل ثقافى وبين ثقافى مؤثر، كى يتخلص العالم العربى من إشكالياته الثقافية المُستفحِلة واستنباط طرائق معرفية جديدة تمد هذا الواقع بمحركات التغيير على المستوى التنموى فى جميع مجالات الثقافة للتأسيس لمشروع نهضوى شامل.
ونظرًا لأن كل ثقافة تنظر من خلال زاويتها الضيقة لغيرها من الثقافات، تصير صورة الوضع الثقافى الراهن بين الشرق والغرب محددة بشكل مجرد فى زاويتين، الأولى هى زاوية المتحكمين بالعالم، وهم أصحاب القوى العالمية، الذين ينظرون إلى الشرق من منظور الخطة العالمية، كما تم التحضير لها منذ بداية الاستعمار فى الشرق، أما الزاوية الثانية فتخص الشعوب والمجتمعات التى تنشغل بتأمين حياتها، والتى لا يملك الرأى العام العربى بها البناء الإدراكى الثقافى المُنظم والمُؤهل ثقافيًا لبناء مجتمع متماسك قادر على تطوير ذاته الثقافية بأصالة، ولم تُمنح له الفرصة فى ظل ظروفه الاستعمارية المدروسة لتطوير ذاته كى يكون قادرًا على مواكبة التطورات العالمية.


زوايا مختلفة لرؤية الواقع
تنطلق الكاتبة من إطار نظرى يستند إلى نظريتى التفاعل الرمزى والأنظمة الإدراكية المفسرتين لواقع بناء الإنسان الإدراكى وواقع تكوّن المجتمع بثقافته، للتأكيد على إمكانية رؤية الواقع من زواياه المختلفة دون أن يتمسك كل طرف بزاويته الحادة والوحيدة، والتى تعوقه عن تفهم الآخر ورؤيته ومنظوره. توضح نظرية التفاعل الرمزى لـ«هربرت بلومر» تركيبة الوعى الإنسانى على المستويين الفردى والجماعى، إذ يعتمد استمرار الوجود الإنسانى على إدراك الإنسان ما حوله من أشياء مادية من خلال الحواس، ومعنويًا بعقله ومشاعره، ومن ثم تكتسب الأشياء معانيها استنادًا إلى البيئة الطبيعية والثقافية التى يولد بها الإنسان، فكل إنسان وبالتبعية كل مجتمع تكون له تجربته الخاصة فى الإدراك، وهو ما يؤدى إلى اختلاف الرمزية الثقافية لدى الكيانات البشرية والمجتمعات. أما نظرية الأنظمة الإدراكية لـ«نيكولاس لومان»، فتنطلق من الاعتقاد بأن الواقع واحد ذو أفق لا متناهٍ، وليس بمقدور الإنسان إدراكه كاملًا، إلا أنه يمكن أن يتعرف على مواقعه وزواياه المختلفة من خلال التنقل وخوض التجارب المكانية والإنسانية فيه، وبالتالى، فمن الممكن أن تتطور القدرات الاستيعابية للبشر وتتسع آفاقها بالتفاعل بين البشر وخوض تجربة التواصل الفعال فى الحياة. بناء على ذلك، تشدد الكاتبة على أن تباين الثقافات لا ينبغى أن يصير سببًا للخلافات حول العالم، فالإيمان بأنه لا حقيقة متكاملة يمكن أن يدركها أحد الأطراف أو الثقافات، يعزز من الرغبة فى توسيع الآفاق الإدراكية باستمرار وخوض تجارب ثقافية وبين ثقافية، قائم على الانفتاحية والفكر التعددى، فكل حضارة تحتوى على ثقافات مختلفة تتطور اعتمادًا على بيئاتها المحيطة الطبيعية والرمزية التى تتفاعل معها، فالحضارة هى تطور الثقافات ماديًا ومعنويًا عبر الزمن، ونتيجة التواصل بين أفراد وجماعات المجتمع وتفاعلهم مع بعضهم بعضًا وتفاعلهم مع بيئاتهم المحيطة الطبيعية والثقافية أن يطوروا منظور المجتمع الثقافى العام.


الثقافات فى عصر العولمة
ثمة اختلافات فى الأولويات الثقافية بين مجتمع وآخر تُشكل عاملًا أساسيًا فى اختلاف الإدراك والسلوك والقناعات، وهو ما يؤثر فى شكل ومضمون علاقاتها التاريخية والحالية، فحين نتطرق إلى الدين الإسلامى، على سبيل المثال، نجد أن هناك اختلافات بين واقعه وصورته فى الثقافات المختلفة، ففى الثقافات العربية يختلف التعامل مع الإسلام بوصفه دينًا من منظور التوجهات الثقافية المختلفة، كالمنظور الإسلامى والعلمانى والليبرالى، كما أن الثقافات الغربية يختلف تعاملها مع الإسلام من منظور توجهاتها الثقافية المختلفة.
ورغم إيجابية فكرة العولمة بجوهرها النظرى الهادف إلى تواصل بنّاء بين الثقافات حول العالم، فإن ما نراه فى الواقع من عولمة بين الشرق والغرب وتحديدًا بين الشرق العربى والإسلامى والغرب الأوروبى والأمريكى معاكس لما تدعو إليه العولمة بشكل نظرى، إذ نجد العالم العربى أمام خيارين، إما أن يظل تحت السلطة أو التبعية لدول الغرب ومخططاتها، وإما أن يثور ضد الاستعمارات الجديدة ويقاومها، من خلال إطلاق مشاريع التحرر والنهضة والاستقلال، وهو الخيار الذى يتطلب قدرة عربية فى الاعتماد على الذات والاستغناء عن التبعية الثقافية بكل مجالاتها، وفى سياق الفجوات بين الثقافات، تنشأ الهشاشة فى العلاقة بين العالمين العربى والغربى، وتزداد المنظورات السلبيّة المتبادلة بين الثقافات وآرائها العامة بسبب الجهل المعرفى المتبادل، وعدم نضج قادة الرأى العام فى المجتمعات.

من أجل تواصل بين ثقافى بنّاء
تسعى الكاتبة لاستشراف مناهج للتواصل البنّاء بين الثقافات، فبينما يملك الغرب المعرفة العلمية والقدرة المتطورة على مواكبة العصر والهوية الثقافية الفردية الرأسمالية، إلا أنه يفتقد القدرة على التعامل البنّاء مع الآخر المختلف كما يفتقد الانفتاحية الناضجة مع العالم إذ إنه سجين منظور واحد ومطلق، فوقى واستعمارى فى معظم الأحيان، فيما يملك الشرق العربى الانفتاحية على العالم، ولكن دون نضج، وانغلاقه على نفسه أدى إلى تحوله إلى التطرف فى أحيان كثيرة، فهو يفتقد إلى الهوية الثقافية القوية ذات الأسس الواضحة، التى تغرق فى فوضى عارمة بين الرأسمالية والفردية المستوردتين وبين طفرة عصبية وتطرفية وعنف دخيل مختلق. يعزز كل ذلك الحاجة إلى استنباط طرائق معرفية جديدة تمد هذا الواقع بمحركات التغيير على المستوى التنموى فى جميع مجالات الثقافة للتأسيس لمشروع نهضوى شامل، فالواقع الحالى فى العالمين العربى والإسلامى يبرهن إلى حاجة ماسة لتبنى تفعيل مشروع نهضوى عربى أو عربى إسلامى لتطوير الواقع الثقافى بمفهومه الواسع، ومن ثم فهناك حاجة إلى منهج جديد للمقاومة، يتمثل فى توحد المجتمع الإنسانى على اختلاف فئاته واتجاهاته أو تشابهها ضد الظاهرة السردية، التى وصفها إدوارد سعيد فى «الاستشراق»، وضد دموية القناعات المطلقة بين الثقافات التى أيدها صمويل هنتجتون فى «صدام الحضارات». تدعو الكاتبة إلى منهج مقاومة جديد يمكن من خلاله أن تصبح المجتمعات المعاصرة عقولًا قادرة على التفاعل مع منتوجها الثقافى الذى تنتمى إليه، فى إطار تفعيل عمليات التطوير والتغيير بناء على أسس تأخذ جذورها المكونة لها، والتى تتطور وتتغير على أساسها بعين الاعتبار، ثم الخروج بهويتها من حدودها الثقافية لرؤية الآخر بلا حدود تحدد نظرتها فى صور نمطية أو أيديولوجيات معينة، فضلًا عن التطوير الذاتى الداخلى إلى جانب تطوير العلاقات مع الخارج، والذى يمكن من خلاله تفاعل الفئات المختلفة فى المجتمع بشكل بناء، وهو ما يؤكد أهمية التوجه الاندماجى بين المجتمعات بحيث يحافظ الجميع على خصائصه الثقافية وهويته ومرحلته الحضارية، التى وصل إليها، لينبى عليها ويطورها، من خلال التفاعل مع الثقافات الأخرى والاستفادة منها وإفادتها بما يلبى استمرار الوجود الإنسانى فى سياق تواصلى بناء، ويفتح المجال أمام المجتمعات للتواصل بين الثقافى بمعزل عن الفوقية أو العنصرية أو التطرف أو الانعزال، ويجعل كل كيان بشرى يعود إلى ثقافته بعد خوض تجربة التفاعل بين الثقافى مع الآخر وهو غنى بمعارف جديدة وتجربة مختلفة تضاف إلى هويته.