رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الثلاثاء 11 أغسطس 2020 الموافق 21 ذو الحجة 1441
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
لواء.حمدى البطران
لواء.حمدى البطران

آيا صوفيا

الإثنين 13/يوليه/2020 - 06:54 م
طباعة


حملت وكالات الأنباء مؤخرًا خبرًا بأن الرئيس التركى أردوغان المثير للجدل أصدر قرارًا بتحويل المعلم الأثرى الكبير آيا صوفيا إلى مسجد، بعد أن كان متحفًا، وقبلها كان كنيسة.
ولسنا بصدد الاعتراض على قرار أصدره رئيس تركى، ولكننا نعرف أن تركيا دولة ليبرالية، ولا تزال فيها المواخير وبيوت الدعارة والخمور وإجازتها الرسمية يوم الأحد وليس الجمعة مثل باقى العالم الإسلامى، ولم تتحول حتى الآن إلى دولة إسلامية مثل إيران أو السعودية كى يمكن تحويل متاحفها إلى مساجد.
ولكن سنحاول أن نوضح ما هو آيا صوفيا، ثم وصف الرحالة العربى الشهير ابن بطوطة له، تقول ويكيبيديا الموسوعة الحرة إن مبنى آيا صوفيا كان على مدار ٩١٦ عامًا كاتدرائية ولمدة ٤٨١ عامًا مسجدًا، ومنذ عام ١٩٣٥ أصبح متحفًا، ثم عاد إلى مسجد فى عهد الرئيس أردوغان فى ١٠ يوليو ٢٠٢٠، وهو من أهم التحف المعمارية فى تاريخ الشرق الأوسط.
ولقد بنيت كنيسة آيا صوفيا على أنقاض كنيسة أقدم أقامها الإمبراطور قسطنطين العظيم، وانتهت فى عام ٣٦٠ فى عهد الإمبراطور قسطنطينوس الثانى، والبناء ذو المخطط الكاتدرائى ذى السقف الخشبى، كان مبنى كنيسة آيا صوفيا الأول الذى احترق فى إحدى حركات التمرد ولم يبق منه شىء، مما جعل الإمبراطور تيودوروس الثانى يقوم ببنائه ثانية ويفتتحه للعبادة عام ٤١٥م.
ومن المعروف أن مبنى آيا صوفيا الثانى أيضًا كان بناءً مخططًا كاتدرائية بجدران حجرية وسقف خشبى، وقد تم اكتشاف بعض بقايا هذا البناء فى الحفريات التى قام بها البروفيسور أ. م. سنايدر عام ١٩٣٦، حيث عثر على بقايا درج المدخل وأحجار الواجهة والأعمدة وتيجان الأعمدة وقواعد الأعمدة والزينات والأفاريز وهى موجودة اليوم فى حديقة آيا صوفيا وأسفل المدخل.
زار ابن بطوطة آيا صوفيا وهى كنيسة، فى اليوم العاشر من شوال من السنة ٧٣٤هـ يوافق ١٤ يونيو ١٣٣٤م، صحبة السلطانة بيلون زوجة السلطان المغولى، الذى سمح لابن بطوطة بأن يسافر صحبة موكبها لزيارة والدها ملك القسطنطينية. وكانت تلك هى فرصته لزيارة كنيسة آيا صوفيا، واستأثرت منه الكنيسة الكبرى، آيا صوفيا، باهتمام واضح، ومع ذلك فقد حظر عليه التجوال فيها، فذلك مقصور على من يسجد للصليب، فيما ظل ابن بطوطة متمسكًا بعقيدته الإسلامية حيثما حل وارتحل، لكنه تجول فى فنائها الخارجى، وصرح بأنها أعظم الكنائس، وفيها الصليب الخشبى الذى صلب عليه السيد المسيح، وفيها، كما روى له، يتعبد آلاف الرهبان بعضهم من ذرية الحواريين، وفيها بالإضافة إلى ذلك كنيسة خاصة بالراهبات الأبكار اللاتى يزيد عددهن على ألف. وكانت هذه مقدمة للتمييز بين الإمبراطور والبابا، فالأخير هو صاحب المقام الرفيع، وهو لا يزور آيا صوفيا إلا مرة واحدة فى السنة، أما الإمبراطور فيمر بها كل صباح محاطًا بحاشيته، ولكن لأهل المدينة أديرة أخرى كثيرة يمارسون العبادة فيها، وقد تقصاها ابن بطوطة، ولم يظهر تسفيهًا للطقوس الدينية النصرانية، إنما نظر إليها بتقدير واضح، مشيدًا بانقطاع العباد إلى عبادتهم بخشوع ورهبة. ثم لفت انتباهه دير خاص بالراهبات حليقات الشعر، لهن جمال فائق وعليهن أثر العبادة وجميعهن من بنات الملوك، وقد وهبن أنفسهن لخدمة الله، يقرأ عليهن الإنجيل صبى حسن الصوت، ولاحظ أيضًا بأن لبنات الوزراء والأمراء ووجهاء البلد أديرة مماثلة.
وقد قادته خطواته فى طرقات المدينة فى يوم إلى لقاء الملك الأب المترهب جرجيس ماشيًا على قدميه، وقد رآه بهيئة الفقير المتعبد، وحينما عرف أصل ابن بطوطة شرع الملك يصافحه ويتبرك به، كونه قد زار بيت المقدس، بل إنه رافقه فى طوافه فى المدينة، لكنه امتنع عن إدخاله الكنيسة الكبرى معه، فهو ليس من المسيحيين. وتأتى المفاجأة فى نهاية الرحلة، فقد بلغه ارتداد السلطانة بيلون عن الإسلام، وعودتها إلى ديانتها النصرانية، وقرارها البقاء فى مسقط رأسها وترك زوجها السلطان المغولى، ولهذا استأذن منها أتباعها العودة إلى بلادهم، فأذنت لهم، وأكرمتهم، وشمل هذا الكرم ابن بطوطة الذى غادر المدينة معهم بعد أن أمضى فى القسطنطينية شهرًا وستة أيام.