رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

وائل خورشيد يكتب: خالدون أكثر مما نتصور


في القرن السادس عشر ظهر أحد العلماء في أوروبا وهو البولندي نيكولاس كوبرنيكوس، وألقى حجرا في المياه الراكدة حيث نفى النظرية التي تبناها اليونانيين بطليموس وأرسطو عن الحركة، التي كانت تعتقد في أن الأرض مركز الكون والشمس والقمر يطوفون حولها، وتلك النظرية كانت تتبناها الكنيسة، والتي كانت لها سطوة كبيرة. "كوبرنيكوس" لم يُغضب الكنيسة وقتها وتعامل بفطنة ولم يعرض نظريته كاملة، وحذف منها ما يجعله محل خلاف، إلى أن نُشر كتابه «حول دوران الأجرام السماوية» بعد وفاته بكل التفاصيل.

بعد سنوات جاء عالم إيطالي يدعى جاليليو جاليلي وأيد تلك النظرية بعدما لاحظ من خلال المنظار الذي صنعه أن الأمر ليس كما اعتقد سابقيه. "جاليلي" قوبل من الكنيسة بهجوم شديد، ثم انعقدت محاكمة التفتيش، وتهمته كانت الهرطقة، وصدر عليه الحكم بالسجن، ثم خُفف للإقامة الجبرية، والتي قضى فيها بقية عمره حتى وفاته، ثم كانت النظرية نفسها هي الحقيقية في النهاية!

الشاهد، أن أحيانا أكثر نزوات الإنسان بعدا عن العقل في وقت ما والتي قد تخالف كل ما هو متعارف عليه لسنوات طوال، قد تتحقق بعد ذلك وتكون حقيقة، وأن الخيال لا يصل لشيء لا يمكن تحقيقه.

مثلا لو أن إنسانا في العصور الحجرية قد تخيل يوما أنه من الممكن أن يطير، فإنه بالطبع كان سيقال عنه مجنون، ولكن بعد مرور السنوات حدث وظهرت الطائرات، لا أعتقد في أن هناك شيء قد تصوره مخلوق بدائي لم يتحقق بعد.

لماذا أقول ذلك؟ لأني أرى أن أقصى خيال الإنسان، وأشده عمقا وبعدا والذي نعتقد في أنه خرافات، فهو محدود بحدود قدرات الإنسان العقلية والنفسية والتي جُبل عليها من الأساس.

الإنسان، أو العقل الجمعي للبشر لن يصل لشيء أبعد من قدرات البشر، وكل ما يمكن أن يتصوره أحد، يمكن تحقيقه، إلا الأشياء التي اختص بها الخالق نفسه، لتكون برهان على وجوده فقط، فالإنسان لا يمكن أن يدرك الروح، أو يعرف الغيب، أو متى تقوم الساعة، أو تحويل صورته من مادة لسائل أو غاز، أو أن يتحول لطائر مثلا، الإنسان لن يتصور شيء لا يمكن أن يحدث، طالما أنه ليس من الغيبيات كما يعرف أصحاب الديانات السماوية.

بالحسابات العلمية قد يفهم البشر متى تنتهي الأرض، متى لا تكون صالحة للعيش، ولكن في الحقيقة هذا لا يعني أنهم قادرون على تحديد موعد النهاية، لأن الإنسان الذي ذهب للمريخ يمكنه التكيف على الأرض وهي غير صالحة للعيش، كما أنه من يدري ماذا سيحدث في المستقبل، ربما حتى يمكن أن يتم بشكل ما إعادة إصلاح ما فسد.

أفلام الخيال العلمي مثلا تتصور أشياء وتصنع أشكالا لكائنات فضائية أو مخلوقات ما وراء الطبيعة، وأنا أعتقد في أن كل هذا قد يكون موجودا، بصورة قريبة وشبيهة مما نشاهده، لأن خيال الإنسان محدود بحدود خلقه. العقل الجمعي البشري يمكنه أن يتصور كل شيء يملك تصريح الوصول له فقط. وهو في هذا يعتقد أنه يملك الخيال المطلق، ولكن لو قورن بالعلم الأعلى سيظهر أنه محدودا.

الخياليون والحالمون يسبقون الجميع بعرض صور وأفكار معينة، ولكن قد لا يقدرون على إثباتها، وحينما نرى تلك الغرائب نقول: «تصور لو أن هذا حدث»، أي شيء رأيته في حياتك مهما كان حجم هرطقته في نظرك في اللحظة الآنية فهو ممكن فيما بعد، لأن التجربة الإنسانية شاهدة على هذا الأمر مرارا وتكرارا، وحولت الخيالات لحقيقة، ولأن الفرق الرئيس بين البشر والكائنات الأخرى هو القدرة على الابتكار والتطور، ولكن يعيبها ضبط النفس.

الإنسان يصنع الأشياء من الحديد، ولكنه لا يفعل أكثر من استخراجه وتطويعه، هكذا الأمر، نحن نملك خيالا جماحا، لكن مهما كان الأمر ومهما وصلنا فإن عقولنا تلك مثل هذا الحديد والأشياء التي نخرجها من باطن الأرض، لها حد للاستخدام، لا يمكننا أن نفعل أكثر مما هو موجود في برمجتنا البشرية، وبهذا الجسد.

وفكرة الجسد تأخذنا لنقطة أخرى، حيث أعتقد في أن الإنسان يمر بأكثر من ميلاد، وأن الموت تسمية لواحد منهم، وهو الموت الدنيوي، ولكن أسميه «الميلاد الأخير» وبناء على ذلك فالحاوية التي ستأوي أرواحنا بعد ذلك، سيكون لها ملكات وقدرات أخرى، لا نعرف عنها شيئا، وستمكننا من معرفة أشياء أخرى، ونفقد أشياء كنا نملكها، ستمحى أشياء من برمجتنا، وتستبدل بغيرها، تصلح مع الحياة الجديدة والخلود.

وعن الخلود، فكل خلق الله خالدون، فقط يتغير مظهرنا وتكويننا، ونتنقل بين العوالم، لكننا بدأنا من مكان ما، وسنصل لمكانِ ما، بلا نهاية.

ويجب التنويه أنني من المؤمنين بعالم الذر، والحساب ما بعد الدنيا، والجنة والنار، لأنها بغض النظر عن المعتقد الديني، فهي النظرية الأكثر منطقية لقصة البشرية.