رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 04 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
سيد أبو ليلة
سيد أبو ليلة

سيد أبو ليلة يكتب: دار الإفتاء في خدمة كورونا.. تناقض آراء "العمم" ينشر الوباء

الثلاثاء 16/يونيو/2020 - 12:31 م
طباعة
"هل للمرأة حق رفض جماع زوجها اتقاءً لكورونا؟"
سؤال بسيط أعتقد أنه يشغل بال الأسر المصرية منذ انتشار وباء كورونا، ورغم بساطته إلا أنه شائك، بل قد يكون طرحُه مستحيلًا إذا نظرنا إلى البيان الذي أصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بالتزامن مع اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، 25 نوفمبر الماضي، الذي أكد أن أكثر من ربع بنات مصر تزوجن قبل سن الـ18 عامًا، وأن أكثر من ثلث الأزواج المصريين مارسوا العنف البدني أو الجنسي ضد زوجاتهم.
ولأن الله مَنّ على دار الإفتاء المصرية –أخيرًا- بنعمة الإنترنت، وتفتقت الأذهان المعممة عن فكرة إطلاق تطبيق للهواتف المحمولة، يسمح بنقل الفتاوى عبر الألياف الضوئية إلى المواطنين، ليتمكن الإنسان أخيرًا من حمل شيخه في جيبه –اليمين- قررت أن اسأل أهل الذكر:
بتاريخ 9 يونيو الحالي، الموافق يوم الثلاثاء، استضفت تطبيق دار الإفتاء على هاتفي، سجلت بياناتي ثم وصلت إلى خدمة "أرسل سؤال"، طُلب مني أولًا أن أحدد موضوع الفتوى من بين اختيارات ثابتة، فاخترت "الزواج"، ثم كتبت السؤال محاولًا ألا أتجاوز عدد الحروف المسموح بها "400 حرف":
هل للمرأة حق رفض جماع زوجها اتقاءً لكورونا؟
أرسلت السؤال، فظهرت رسالة "فلاش" أسفل الشاشة، تؤكد أنه تم استقبال السؤال وأن المختصين سيردون عليّ خلال أول يوم عمل.
ثم ظهر لي إشعار بوصول رسالة جديدة في صندوق البريد الخاص بالتطبيق، تعجبت من سرعة استجابة الأئمة، وضغطت عليها، فاكتشفت أن صندوق البريد يفتح لي نافذة يعلوها رقم مسلسل وتحته كلمتان باللون الأزرق، الأولى "السؤال" والأخرى "الإجابة"، لكن الغريب أن كلمة "السؤال" كُتب تحتها تصنيف الفتوى "الزواج"، وكلمة "الإجابة" كُتب تحتها السؤال نفسه.. ولم أجد إجابة.. افترضت أنني استخدمت التطبيق العبقري بشكل خاطئ، وقلت سأنتظر للغد وأحاول مجددًا.
في اليوم التالي، الأربعاء 10 يونيو، فتحت صندوق رسائل التطبيق فلم أجد شيئًا تغير، ثم فتحت البريد الإلكتروني الذي سجلته في بياناتي في التطبيق فلم أجد رد، فقررت أن أرسل السؤال مرة أخرى.. نفس السؤال.. ثم أصبت بإحباط وتركت الأمر.
يوم الخميس 11 يونيو، في تمام الساعة 6:39 مساءً، تلقيت رسالة على بريدي الإلكتروني المسجل في التطبيق، أبلغتني بأن الأئمة جاوبوا على سؤالي، ووضعوا رابطًا يحيل إلى صفحة البحث بموقع دار الإفتاء، ضغطت على الـ"لينك" فوجدت الإجابة:
"لا يجوز ذلك إلا إذا ظهرت أعراض المرض أو اشتبهت بوجود المرض في زوجها، والله أعلم".
تاريخ الرد: (9 يونيو) - رقم الفتوى 866318
ويمكن لأي أحد الدخول إلى موقع دار الإفتاء للتأكد من الأمر.
أول ما تبادر إلى ذهني هو حقيقة أن فيروس كورونا قد يصيب شخصًا دون ظهور أعراض عليه، ورغم عدم ظهور أعراض إلا أن الشخص يكون قادرًا على نقل العدوى لغيره بمجرد التنفس أو الحديث مع أي شخص على مسافة متر أو أكثر قليلًا، بحسب منظمة الصحة العالمية. وما زادني حيرة هو ترك مهمة "الاشتباه في ظهور الأعراض" للزوجة نفسها.
وليطمئن قلبي، استخدمت التطبيق مرة أخرى في اليوم التالي، الموافق الجمعة 12 يونيو، لكنني بدأته بالمعلومة المعروفة لكل من يحرص على حياته:
"قد يكون الشخص مصابًا بكورونا ولا تظهر عليه أعراض وقادر على نقل العدوى" هل للمرأة حق رفض جماع زوجها اتقاءً لكورونا؟.. أرسلته ثم أغلقت التطبيق.
وفي يوم الأحد 14 يونيو، في تمام الساعة 1:06 صباحًا، تلقيت رسالة جديدة على بريدي الإلكتروني، تفيد بأن الأئمة جاوبوا على سؤالي المكرر، دخلت إلى الموقع فوجدت الرد التالي:
"يُرجع في ذلك للطبيب المختص وإذا لم يمنع الزوج عن زوجته شيئًا من حقوقها الزوجية، ولم يلحق بها ضررًا أو تعديًا فلا يجوز للزوجة الامتناع عن الجماع مع زوجها إلا لعذر شرعي أو مرض يتعذر معه الجماع، أو في حالة الضرر أو المشقة الزائدة التي لا تحتمل عادة، وكذلك في حالة الخوف وغلبة الظن بوقوع الضرر والمشقة الزائدة لها من الجماع.
قال العلامة المرداوي الحنبلي –رحمة الله عليه- في "الإنصاف" (8/ 347، ط/ دار إحياء التراث العربي): (يطأ –أي: الزوج، فله أن يطأ الزوجة- ما لم يشغلها عن الفرائض، وما لم يضرها بذلك"، والله أعلم".
(10 يونيو) رقم 256818
هذه المرة كانت إجابة نفس السؤال مختلفة، إذ رأى أمين الفتوى أن الطبيب المختص هو من يستطيع الفصل في الأمر، ورغم أن مفتتح الفتوى معطرًا بالتنوير، إلا أن الرجل يبدو أنه لم يحتمل أن يكتب "الله أعلم" مبكرًا، فأهال تراب التراث على الرأي التنويري ونزع من الزوجة حق الحفاظ على حياتها بالصورة التي تراها مناسبة.
التف الرجل على العلم، إذ أطلق رأيًا يبدو تنويريًا في البداية، ثم قيده بتراث من خارج زمن الأزمة.
هذا تناقض جلي داخل المؤسسة، إذ أجابت الدار على سؤال واحد.. في وقت واحد.. في ظرف واحد.. تحت مخاطر واحدة.. بإجابتين متناقضتين.
هل يعلم الدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية، أن الوباء قد يصيب الشخص دون أعراض؟
هل أبلغ "علام" رجاله بأن للمرأة الحق في الحفاظ على حياتها بالصورة التي تراها مناسبة؟
هل ذكّرهم –قبل أن يقيدوا مرأة مصرية في السرير عنوة- بأن التلامس ينقل الوباء؟
هل يعلم هؤلاء حجم وأهمية المكان الذي يعملون فيه؟ وأنهم قد يتلقون فتاوى من خارج مصر؟
هل حاول المفتي استخدام التطبيق؟
وقبل أن أفكر في كتابة هذه التجربة، أجبرني الفضول على انتظار الإجابة على سؤالي الأخير، الذي عدلته وأضفت في بدايته المعلومة العلمية.
وفي يوم الاثنين، 15 يونيو، تلقيت الإجابة، وكانت نفس الإجابة التي ردوا بها على السؤال المكرر، لكنهم حذفوا هذه المرة جملة "يُرجع في ذلك للطبيب المختص" (12 يونيو) الفتوى رقم 292988.