رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

يا وابور قولى رايح على فين؟.. قصة السكة الحديد فى مصر


لا يعلم البعض أن قصة السكك الحديدية مع مصر قد بدأت حوالى منتصف القرن التاسع عشر، وفى وقت مبكر جدًا بالنسبة لغيرها من دول الشرق الأوسط وإفريقيا، وربما العالم، كما لعبت السكك الحديدية دورًا مهمًا فى اقتصاديات مصر طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين.
ويرجع السبب فى دخول السكك الحديدية إلى مصر فى وقت مبكر إلى الصراع الاستعمارى فى منتصف القرن التاسع عشر على طرق المواصلات الدولية، إذ حرصت فرنسا- ومنذ مجىء الحملة الفرنسية إلى مصر- على دراسة مشروع ربط البحرين المتوسط والأحمر، هذا المشروع الذى سيعرف بعد ذلك بقناة السويس، إذ رأت فرنسا أن القناة هى بمثابة حل عبقرى لتجاوز مشاكل طريق التجارة القديم الذى كان يصل بالسفن الأوروبية إلى رشيد والإسكندرية، ثم تنقل البضائع والبريد والناس إما عن طريق نهر النيل أو برًا إلى القاهرة، التى كانت بمثابة نقطة تجمع رئيسية، ومنها برًا إلى ميناء السويس حيث طريق البحر الأحمر إلى آسيا.
ونتيجة الصراع والتنافس الاستعمارى بين إنجلترا وفرنسا، وخوفًا من سيطرة فرنسا على هذا الشريان الحيوى، طرحت إنجلترا مشروعًا بديلًا للمشروع الفرنسى لإنشاء القناة، إذ عرضت بريطانيا على مصر إنشاء خط سكك حديدية من الإسكندرية إلى القاهرة، ثم بعد ذلك يمتد هذا الخط إلى السويس، وبالتالى لن تعود هناك حاجة إلى إنشاء قناة السويس.
ودارت معركة دبلوماسية عالمية حول إنشاء هذا الخط، كان محورها لندن وباريس وإسطنبول والقاهرة، إذ وقفت الدبلوماسية البريطانية بشدة وراء هذا المشروع، لأنه من ناحية يخدم مصالحها السياسية والتجارية فى الطريق إلى أكبر مستعمراتها فى آسيا وهى الهند، ومن ناحية أخرى لإفشال مشروع غريمتها فرنسا وسيطرتها على قناة السويس وبالتالى على مصر. وفى باريس ضغطت الدبلوماسية الفرنسية على إسطنبول والقاهرة من أجل سرعة تمرير مشروع قناة السويس، فضلًا عن إثارة الباب العالى فى إسطنبول على مشروع السكك الحديدية الذى سيصبح بابًا للتدخل البريطانى فى شئون ولاية مصر. وفى إسطنبول كان الباب العالى متخوفًا من خطوط السكك الحديدية فى مصر، لأنها بمثابة الباب للتدخل البريطانى، هذا فضلًا عن تخوفها من أن مد خطوط السكك الحديدية سيساعد على عودة النمو الاقتصادى لمصر، وكانت إسطنبول لم تنسَ بعد تجربة محمد على. وفى مصر كان عباس باشا مؤيدًا لمشروع مد خطوط السكك الحديدية، ومتخوفًا من فرنسا التى لم ينسَ أنها خذلت جده محمد على فى نهاية الأمر.
وهكذا وبعد شد وجذب، ونتيجة للصراع الاستعمارى دخلت السكك الحديدية إلى مصر، ولم يقتصر الأمر على خط الإسكندرية- القاهرة، أو حتى القاهرة- السويس، وإنما انتشرت خطوط السكك الحديدية فى طول البلاد وعرضها، وتحولت السكك الحديدية فى زمنها الزاهر إلى مؤسسة كبرى من مؤسسات التحديث فى مصر، إذ لم يقتصر الأمر على مجرد قضبان وقطار، وإنما تم إنشاء مستشفى السكة الحديد، ونادٍ رياضى شهير كان ينافس فى الدورى العام وهو نادى السكة الحديد، ومدرسة فنية تعطى دبلوم سكك حديدية، ومساكن للعاملين فى السكك الحديدية.
ولا أدل على التأثير الكبير للسكك الحديدية فى المجتمع المصرى من كم الأغانى الشهيرة حول «الوابور» القطار، ولعل أشهرها على الإطلاق أغنية الموسيقار محمد عبدالوهاب التى غناها فى عام ١٩٣٨: يا وابور قولى رايح على فين، يا وابور قولى وسافرت منين، عمال تجرى قبلى وبحرى... والأرض بساط وإنت بتطوى. وهى إشارات مهمة حول دور السكك الحديدية فى تدعيم مفهوم الدولة المركزية «قبلى وبحرى»، هذا فضلًا عن الحياة اليومية والعاطفية للمصريين. ولا ننسى أغنية فريد الأطرش حول قطار الصعيد: يا مجبل يوم وليلة، إطوى السكة الطويلة، ودِّينى بلد المحبوب. وكذلك أغنية عفاف راضى «يا وابور الساعة اتناشر».
وتقدم لنا السينما المصرية العديد من روائعها حول القطار والمجتمع المصرى، لعل أشهرها على الإطلاق فيلم يوسف شاهين «باب الحديد»، الذى قدم بحق العالم الخفى لمحطة القطار- باب الحديد- الذى هو بحق مدينة داخل مدينة القاهرة.
لا أدل على التأثير الكبير للسكك الحديدية فى المجتمع المصرى من كم الأغانى الشهيرة حول «الوابور» القطار